الطيب بوعزة

كاتب مغربي

الحداثة وقلب معنى الإنسان
روبنسون كروزو وحي بن يقظان
ماذا أخذ ديفو وماذا ترك من قصة "حي بن يقظان"؟!
مالك بن نبي وماكس فيبر

هل يمكن أن نقارب الحضارة كنسق كلي، فنصفها بوصف جامع يحدد عقليتها ونمط رؤيتها للوجود، أم أن مثل هذا المسلك لابد أن يقوم على اختزال متعسف؟

كثيرة هي الدراسات التي تناولت النسق الحضاري الغربي، سواء بقصد نقده واستهجانه أو بقصد تبجيله والإعلاء من شأنه؛ لكننا نريد في هذا المقال أن نتناول النسق الحضاري الغربي في صيغة مقارنة للنسق الحضاري الإسلامي من خلال مقاربة مفاهيمية تروم تحديد طبيعة النظرة إلى الكائن الإنساني في كلا النسقين.

لكننا خلال هذا التناول نستشعر مسبقا بأننا لابد أن نقع في مزلق الاختزال؛ لأنه لا تركيب دون أداء هذا الثمن المنهجي الذي يجعل الحكم ملزما بأن يسقط في الانتقاء والمحدودية!!

إن الاستفهام الموجه لتفكيرنا هنا هو: ما دلالة الإنسان في النسق الحضاري الغربي؟

وجوابا عليه سنركز على بحث دلالة المفهوم في النسق الحداثي الغربي، مع استحضاره أصوله الفلسفية القديمة. أما في سياق المقارنة بين النسقين الحضاريين الغربي والإسلامي فسنتناول بالتحليل والمقارنة نموذجين سرديين هامين هما قصتي "روبنسون كروزو" لدانيال ديفو، "حي بن يقظان" لابن طفيل.

الحداثة وقلب معنى الإنسان 

"
مقولة "الإنسان كائن اقتصادي" تنتهي في أبعادها الغائية إلى توكيد نمط الرؤية المادية للإنسان، رؤية أصبحت في النسق الثقافي الحداثي ومنظومته المجتمعية تعبيرا عن أسلوب في العيش وأسلوب في التفكير على حد سواء
"
قام العقل الغربي الحداثي بقلب دلالي لمعنى ماهية الإنسان من الماهية العاقلة إلى الماهية المالكة، بالمدلول الاقتصادي المادي للتملك.

إذ تعد مقولة "الإنسان كائن اقتصادي" (Homo Economicus) مرتكزا نظريا أساسيا للنمط الثقافي الحداثي بدءا من لحظة استوائه في نمط الاجتماع الرأسمالي.

فهذه المقولة ليست مجرد محدد نظري لمفهوم الإنسان من حيث بعده الاقتصادي المادي، ولا هي مجرد مبدأ لتأسيس النظرية الاقتصادية الرأسمالية، بل إن تلك المقولة هي نقطة الانطلاق لبناء رؤية فلسفية عامة تتعلق بنوع النظرة إلى ماهية الكينونة الإنسانية ككل؛ وهي تعبير عن قلب دلالي جذري للمقولة القديمة المحددة للإنسان بوصفه "كائنا عاقلا" تتحدد ماهيته في التفكير (Homo Sapiens).

كما أنها في أبعادها الغائية تنتهي إلى توكيد نمط الرؤية المادية للإنسان، رؤية أصبحت في النسق الثقافي الحداثي ومنظومته المجتمعية تعبيرا عن أسلوب في العيش وأسلوب في التفكير على حد سواء. بل يجوز أن نقول: إنها ما تجسدت كنمط عيش إلا لأنها نمط تفكير ابتداء.

كما أن هذه الرؤية تتحكم في المنظور الثقافي الغربي، رغم تعدد واختلاف توجهاته الفلسفية، حيث استحالت إلى أنموذج نظري شارط لعملية إدراك الوجود الإنساني وتحديد احتياجاته؛ ولذلك فهي تتمظهر في مختلف نتاجات الوعي الأوربي، فَنّاً كان هذا النتاج أو فلسفة أو معمارا بنائيا، هذا فضلا عن التمظهر في القيم الناظمة للسلوك الاقتصادي.

ونرى أن لهذا المنظور الاقتصادي المادي في تحديد الإنسان جذورا في الخلفية الثقافية الغربية، وليس مرتبطا فقط بظهور نمط المجتمع الصناعي وما رافقه وأطر له من رؤى فلسفية ليبرالية.

والدليل على ذلك أنه رغم التناقض الظاهري بين المشروع الليبرالي الرأسمالي والمشروع الاشتراكي الماركسي، فإن أساسهما مشترك ومتماثل، وهو هذا النمط المحدد للنظرة إلى الكائن الإنساني بوصفه "حيوانا اقتصاديا"!

وهذا ما يجعلنا نعده أحد مكونات الشبكة الإدراكية المحددة لرؤية الوعي الغربي إلى ذاته وإلى الوجود من حوله؛ لأننا نراها شبكة ماثلة في مختلف نظمه وأنساقه الثقافية على اختلافها.

وقد أجاد الأستاذ عبد الوهاب المسيري في كتابه "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان" إيضاح ملامح التفكير المادي الغربي لكينونة الإنسان.

وما القراءة النقدية التي أنجزتها مدرسة فرانكفورت لـ"العقل الأداتي" الباحثة عن جذوره في الخلفية الأسطورية والفلسفية الهلينية إلا توكيدا لما سبق، وإشارة إلى أمر أعمق مما وقفت عنده هذه المدرسة السوسيولوجية ذاتها. فنمط العقل الأداتي هو مظهر للرؤية إلى الكائن الإنساني بوصفه كائنا ماديا.

وبناء على هذه الرؤية ينطلق العقل الغربي إلى قراءة مادية للذات والوجود، قراءة لا تنظر إلى الغايات بل تحول كل كينونة –حتى كينونة الإنسان ذاتها- إلى أشياء/أدوات استعمالية.

روبنسون كروزو وحي بن يقظان

"
في سياق المقارنة بين قصتي روبنسون كروزو وحي بن يقظان يمكن استنتاج التمايز بين العقلين الغربي والشرقي، عقل يغوص في المادة ويغرق فيها فينسى ذاته وينسى سؤال الكينونة؛ وعقل يتشوف إلى الـ ما وراء وينزع نحو تأمله
"
إن نمط تفكير الحضارة الغربية نمط ذو نزوع كمي متمحور حول الأشياء، ولذا فأسلوب مقاربته للوجود هو انتهاج للتحليل الكمي الأداتي المفارق لفلسفة الغايات المجاوزة لسياجات الحس المادي.

وفي هذا السياق يمكن أن نستحضر تلك المقارنة الذكية التي أنجزها مالك بن نبي في كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" بين قصتي "روبنسون كروزو"، "حي بن يقظان".

واستحضاره لهذين النموذجين الروائيين كان مدخلا لبحث نمطي الرؤيتين الغربية والشرقية. فقصة "روبنسون كروزو" للروائي الإنجليزي دانيال ديفو(1660-1731) تدور كلها حول عالم الحس، ولا تلتفت إطلاقا إلى الـ ما وراء.

حيث إن كروزو لم يشغل نفسه في عزلته إلا بصناعة طاولة خشب والأكل والنوم, أي انحصرت أشواقه وهواجسه في الاهتمام بعالم المادة فقط.

بينما قصة "حي بن يقظان " يشغلها هاجس البحث عن الحقيقة. فانطلاقا من تأمل فكرة الموت يبدأ السؤال الوجودي عند بطل القصة حي، فينشغل بمعنى الروح، ويخلص بعد سلسلة من التأملات إلى وجود الله الخالق.

يمكن في سياق المقارنة بين هذين القصتين استنتاج التمايز بين العقلين الغربي والشرقي، عقل يغوص في المادة ويغرق فيها فينسى ذاته وينسى سؤال الكينونة؛ وعقل يتشوف إلى الـ ما وراء وينزع نحو تأمله.

لكن ثمة أمرا لم يقف عنده الأستاذ مالك بن نبي، أمر يحسن أن نبرزه هنا تعميقا لدلالة هذا التمايز. وهو أن ديفو –هذا الرجل الذي جاء إلى فن السرد من دكان لتجارة الأقمشة والخردوات- لا نراه كتب قصته باستقلال عن حي بن يقظان، بل كما أكد غوتييه سبق لديفو أن قرأ قصة بن طفيل، حيث ترجمت إلى الإنجليزية سنة 1708، أي قبل كتابة ديفو لقصته بإحدى عشرة سنة.

لكن عندما أذكر هذا فليس من أجل اتهام ديفو بالسرقة الأدبية بل قصدي أهم من ذلك، كما لا أريد أن أسلك مسلك غوتييه للتوكيد على اطلاع صاحب قصة كروزو على "حي بن يقظان" وذلك بإبراز ما بينهما من تشابه في الكثير من الأحداث، بل الذي يلفت انتباهي هو المختلف بينهما أكثر من المتشابه، حيث إن ما يهمني هنا هو ما حذفه ديفو لا ما استبقاه أو سرقه أو استعاره بفعل التناص من بن طفيل! لأنني أرى أن ما حذفه هو بالضبط ما ينقص نمط التفكير الغربي، وما أضافه للقصة هو بالضبط ما يميز هذا النمط!

ماذا أخذ ديفو وماذا ترك من قصة "حي بن يقظان"؟!
لقد استبقى ديفو أحداثا كثيرة، لكنها كلها تتميز بكونها أحداثا كمية شيئية. فإذا استثنينا تعلم اللغة كما علم "أسال" حي بن يقظان، نجد عند ديفو تعليم فرايدي لكروزو، فإن ما تبقى كله يتمحور حول الكينونة المادية مثل تدجين بعض الحيوانات وبناء البيت وصنع الملابس والسلاح واكتشاف النار.

أما الذي حذفه ديفو فهو كل تلك الصيرورة التأملية الفلسفية الثرية التي ستخلص بحي بن يقظان إلى الاعتقاد بالله الخالق، أي إن ما حذفه هو سؤال الحقيقة والنزوع إلى الـ ما وراء!

مالك بن نبي وماكس فيبر

"
عندما يعتزل الإنسان وحيدًا ينتابه شعور بالفراغ الكوني, لكن طريقته في ملء هذا الفراغ هي التي تحدد طراز ثقافته وحضارته؛ أي سائر الخصائص الداخلية والخارجية لوظيفته التاريخية
"
وبناء على التحليل السابق لمحددات الرؤية إلى الكائن الإنساني في المنظور الثقافي الغربي، ووقوفنا عند المقارنة التي قام بها المفكر الجزائري مالك بن نبي بين قصة "حي بن يقظان" لابن طفيل، وقصة "روبنسون كروزو" لديفو؛ صح لنا أن ننتهي في سياق المقارنة إلى تقرير اختلاف جوهري في الرؤية إلى الكائن الإنساني ووظيفته في الوجود، حيث تنزع الرؤية الفلسفية للحضارة الإسلامية نحو نظرة كلية كيفية، وتنزع الرؤية الغربية نحو نظرة تحليلية كمية.

وتتجسد هذه النظرة بوضوح في الاختزال المادي لكينونة الإنسان، حيث تؤول به إلى مجرد حيوان اقتصادي!

وهذا ما يشير إليه مالك بن نبي بقوله في سياق تحليله لقصة ديفو "إذ يعتزل الإنسان وحيدًا، ينتابه شعور بالفراغ الكوني. لكن طريقته في ملء هذا الفراغ، هي التي تحدد طراز ثقافته وحضارته؛ أي سائر الخصائص الداخلية والخارجية لوظيفته التاريخية. وهناك أساسًا طريقتان لملء الفراغ، إما أن ينظر المرء حول قدميه أي نحو الأرض، وإما أن يرفع بصره نحو السماء" منتهيا إلى أن "الفكر الغربي يجنح على ما يبدو أساسًا إلى الدوران حول مفهوم الوزن والكم".

واستحضارنا لنموذج كروزو وتأويلنا له على النحو السابق لا يستند فقط إلى قراءة بن نبي، بل يستند أيضا إلى قراءة السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر في كتابه الشهير "الأخلاق البروتستانتية" حيث وجدناه هو أيضا يُؤَوِّلُ شخصية روبنسون كروزو رائيا فيها تجسيدا لنموذج "الإنسان الاقتصادي" ومحددا لنمط الحضارة الرأسمالية.

ونحن عندما نستحضر هذا المعنى نريد أن نذهب أبعد من ذلك، وهو أن هذا النموذج ليس ملمحا من ملامح النمط المجتمعي الصناعي فقط، بل هو محدد من محددات نمط التفكير الغربي ككل.

فالرؤية الكمية إلى العالم لا تبدو فقط في هذا النتاج السردي الروائي ولا في النمط الثقافي والحضاري الغربي الراهن، بل حتى في الخلفية الثقافية الهلينية.

وقد وقفت مدرسة فرانكفورت مليا عند أسطورة أوديسيوس في ملحمة "الأوديسة" كاشفة عن مركزية هذه الرؤية المادية التي سيصطلح عليها هوركايمر وأدورنو بـ "الأداتية".

كما أن هذا النمط في تمثل الذات والوجود نجده يتمظهر في علم الفيزياء مع جاليليو في رؤيته التحليلية الرياضية للكون، وفلسفيا مع ديكارت في تمييزه بين الفكر والامتداد، وتأسيسه للعقل بوصفه قوة للسيطرة على الطبيعة واستغلالها.

كما سيتمظهر مجتمعيا في النمط الليبرالي، كنمط يتقصد تأسيس واقع يعامل الذات الإنسانية بوصفها جسدا.

وبالرجوع إلى الخطاب الحداثي الرأسمالي نلاحظ أن المنظرين للفكرة الرأسمالية سيحرصون على اختزال الدوافع والأشواق والغايات الإنسانية –حتى تلك التي تخرج عن نطاق العلاقة الاقتصادية– إلى رغبات وأشواق جسدية لتؤول إلى محض رغبة اقتصادية!

"
ليس الإنسان مجرد كائن يعيش وجوده بل هو فوق ذلك كائن ينزع نحو فهم الوجود بل حتى على مستوى وجوده الفردي يحرص على أن يجعل له معنى ودلالة ولا يكتفي بمجرد عيشه
"
لكن العقل الفلسفي الغربي عندما يستشعر أحيانا اختلال هذه الأولوية المطلقة التي يعطيها للمنظور الاقتصادي في فهم الإنسان وتحديد حاجاته؛ لأنه يحس أن ثمة دوافع وأشواقا وقيما إنسانية تنفلت من إطار رؤيته المادية القاصرة، دوافع وأشواق تعلو القيمة المادية وتجاوز نطاقها الكسيح المحكوم بمعايير الحساب النفعي، تجده يحاول أن يغض الطرف عنها أو يتحايل لتجاوزها بمنطق التبرير والتسويغ حينا أو بمنطق الاختزال بل والتحريف حينا آخر.

ليس الإنسان مجرد كائن يعيش وجوده بل هو فوق ذلك كائن ينزع نحو فهم الوجود، بل حتى على مستوى وجوده الفردي يحرص على أن يجعل له معنى ودلالة ولا يكتفي بمجرد عيشه.

ومن ثم نقول: إن إنتاج معنى للوجود حاجة محايثة لكينونة الإنسان ولا يمكن تجاهلها. وهذا ما أدركه بعض ناقدي العقلانية الغربية واستشعروا الحاجة إلى اعتباره عند تحليلهم للوضعية الإنسانية.

وأعتقد أن استثمار النيوليبرالي المعاصر روبير نوزيك للفلسفة الكانطية، ووقوفه في كتابه "الفوضى، الدولة واليوتوبيا" (Anarchy, State and Utopia ) عند وظيفة المعنى في حياة الكائن الإنساني، هو في تقديري ذو دلالة كبيرة؛ إذ هو دليل على اضطرار المقاربة الأداتية المادية إلى توسيع رؤيتها إلى خارج السياج المادي، وإن كان ذلك لم يثمر عندها أي تبديل لنمط رؤيتها لماهية الإنسان بسبب عدم انتباهها إلى منطلقها الخاطئ المحكوم بالرؤية الكمية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك