عبد الحافظ الصاوى

- إستراتيجية مجهولة
- أين المشكلة؟
- التسرع في التوقيع على الاتفاقيات
- ماذا يعيب الخصخصة في مصر؟

في الوقت الذي لم تهدأ فيه بعدُ الخلافات حول بيع بنك القاهرة لمستثمر إستراتيجي، تم الإعلان عن إعداد مشروع قانون لمشاركة القطاع الخاص في أعمال البنية الأساسية للري في منطقة غرب الدلتا التي تشمل الأراضي الواقعة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، وهي أراض في معظمها مملوكة للأثرياء، وجزء كبير منها يعتمد على الزراعات التي تمثل متطلبات التصدير للأسواق الأوروبية.

وحسبما ورد في الصحف المصرية فإن البنية الأساسية للري في هذه الأراضي سوف يقوم بها القطاع الخاص بعد الحصول على قرض من البنك الدولي بقيمة المشروع، ويسدد على 20 عاما.

"
أكبر المساوئ هي الآثار الاجتماعية التي ترتبت على عملية الخصخصة مثل تسريح العمالة وعدم توفير فرص عمل بديلة وعدم التفكير في استخدام حصيلة الخصخصة في مشاريع إنتاجية تفتح مجالا لفرص عمل جديدة
"
ويوفر القطاع الخاص نسبة 15% فقط من حجم التمويل، على أن يتم استرداد التكلفة من أصحاب الأراضي بالتقسيط وكذلك مساهمتهم نظير استهلاك المياه.

والمثير هنا هو التوجه الحكومي في مسألة الخصخصة وإدارتها، ففي بداية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أعلن أن سياسة الحكومة في برنامج الخصخصة هي فقط بيع الشركات الخاسرة، ومشروعات المحليات.

ووقتها لقي هذا الطرح قبولا شبه عام، حيث إن الاحتفاظ بشركات خاسرة لا يرجى إصلاحها هو بلا ريب عمل غير اقتصادي، خاصة أن هذه الشركات لم تكن تنتج سلعا إستراتيجية، وكذلك فإن مشروعات المحليات كانت مرتعا للفساد وضياع أموال الموازنة العامة.

وبالفعل تم بيع جميع مشروعات المحليات، وما زالت العمالة التي كانت تدير وتعمل في هذه المشروعات عبئا على كاهل موازنة الإدارة المحلية.

ولكن الذي حدث هو أن الشركات الخاسرة لم يتم بيع شركة واحدة منها، بل بدأ البيع منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي بالشركات الرابحة، مما أثار الرأي العام، خاصة أن كل صفقة في مشروع الخصخصة كانت محل انتقاد سواء من حيث القيمة التي بيعت بها، أو الشروط التي حصل عليها المشتري، أو سيطرة شركات أجنبية على أسواق تلك الشركات لتحقق احتكارا لبعض السلع في السوق المصري، أو للجوء المشتري للبيع فيما بعد لشركات عالمية بأضعاف الثمن الذي اشترى به.

وكانت أكبر المساوئ هي الآثار الاجتماعية التي ترتبت على عملية الخصخصة مثل تسريح العمالة، وعدم توفير فرص عمل بديلة وعدم التفكير في استخدام حصيلة الخصخصة في مشاريع إنتاجية تفتح مجالاً لفرص عمل جديدة، وعدم استخدام حصيلة الخصخصة في أعمال بنية أساسية تفتح المجال لإقامة مشروعات جديدة.

بل إن أغلب حصيلة الخصخصة تم استخدامه في ثلاثة مجالات، الأول برنامج المعاش المبكر للتخلص من العمالة الزائدة في شركات القطاع العام، والجزء الثاني للتخلص من بعض مديونيات شركات القطاع العام، أما الجزء الثالث فكان يضخ في الموازنة العامة للدولة التي أصبحت منذ بداية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي استهلاكية، ولا تحظى فيها الاستثمارات سوى بنحو 9.5% من حجم الإنفاق العام.

وتوجه هذه الاستثمارات لأعمال الإحلال والتجديد للاستثمارات القائمة، أو أعمال الصيانة، ولا توجد حالات إنشاء استثمارات جديدة.

وما أشيع عن ممارسات فساد في صفقات الخصخصة كثير، ولعل ما أثير في البرلمان المصري خلال دورة انعقاده الماضية عن غياب نحو 13 مليار جنيه من حصيلة الخصخصة عن حسابات الحكومة، يقوي ما يثار من شبهات الفساد.

إستراتيجية مجهولة
حتى نهاية التسعينيات كانت الحكومة تعلن أن الخصخصة سوف تتوقف عند حدود المشروعات الإستراتيجية دون تحديد لمسميات أو قطاعات هذه المشروعات الإستراتيجية، ففي الفترة 1996 – 1998، تم إصدار مجموعة من التشريعات التي تنظم خصخصة مرافق عامة، لم يكن المصريون يتصورون خصخصتها، نظراً لاعتبارات الأمن القومي، مثل الموانئ والمطارات والطرق.

ولكن هذا ما حدث بالفعل، ثم كان القانون الخاص بالبنوك العامة الذي سمح للقطاع الخاص بالمساهمة في رؤوس أموال البنوك العامة، وكذلك القانون المنظم لخصخصة الهيئة العامة للاتصالات وتحويلها إلى شركة مساهمة، وتم بالفعل طرح نسبة 20% من رأس مالها للخصخصة.

كما تمت خصخصة شركة التليفون المحمول، ثم توالت عمليات الخصخصة لبنك الإسكندرية، ثم الإعلان عن خصخصة بنك القاهرة نهاية عام 2007، كما تمت خصخصة بعض الخدمات في قطاع المواصلات مثل التصريح بعمل شركات النقل الجماعي.

أين المشكلة؟
المشكلة تكمن في الطريقة التي يتم بها التعامل مع برنامج الخصخصة، حتى يعرف بشكل دقيق، ما هي المشروعات التي تنوي الحكومة إخضاعها لهذا البرنامج، وكذلك القطاعات الخدمية المرشحة للخصخصة.

فلم يكن أحد يتصور أن تكون مرافق البنية الأساسية للأراضي الصحراوية المستصلحة مرشحة للخصخصة، لأن قطاع الزراعة في مصر قد ألغيت عنه كافة صور الدعم منذ ما يزيد عن عشر سنوات، وكان من أول القطاعات التي أعلنت خصخصة كافة الخدمات المقدمة فيها.

"
تخلي الحكومة عن إقامة البنية الأساسية في الأراضي الزراعية سوف يزيد من تكلفة المنتجات المصرية لأنه سيحمل المنتج تكلفة الري على أسعار السلع، مما يقلل من منافسته في الأسواق الخارجية
"
ولا شك أن تخلي الحكومة عن إقامة البنية الأساسية سوف يزيد من تكلفة المنتجات المصرية لأنه سيحمل المنتج تكلفة الري على أسعار السلع، مما يقلل من منافسته في الأسواق الخارجية.

واللافت للنظر أن قطاع الزراعة في دول متقدمة وأكثر رأسمالية من مصر، بل هي منشئة الرأسمالية، لا يزال يحظى بالدعم، مثل الاتحاد الأوروبي وأميركا، بل يعد ملف الدعم للقطاع الزراعي في هذين الكيانين من أهم الموضوعات المعوقة لجولة مفاوضات جديدة في منظمة التجارة العالمية.

الأمر الثاني، أن ما يتعلق بمشاركة القطاع الخاص في طرح البنية الأساسية للري بمنطقة غرب الدلتا ليس قاصراً على القطاع الخاص المحلي بل هو مفتوح للأجانب أيضا.

وهنا لابد من وقفة، من حيث مقارنة السلوك المصري مع سلوك الدول الأخرى، إذ كيف يسمح للأجانب بالوجود في مثل هذه المرافق الحيوية؟ خاصة في ظل قوانين منح الالتزام "الامتياز" (وهو ما يعرف بمنح ملكية وإدارة المرفق لفترات طويلة لصالح من يفوز بالمناقصة. وفي مشروع الري سوف تصل مدة الالتزام 30 سنة، وبعض القوانين الأخرى التي صدرت بالفعل لإدارة مرافق أخرى تصل إلى 99 عاماً).

ففي إنجلترا عام 1986 اعترض مجلس العموم البريطاني على زيادة حصة الحكومة الكويتية في ملكية شركات البترول البريطانية "برتيش بترليوم" على الرغم من أن الحكومة الكويتية في ذلك الوقت اشترت الزيادة في حصتها من خلال البورصة، لا من خلال صفقة بعينها، ومع ذلك أجبرت الحكومة الكويتية على بيع هذه الزيادة في حصتها مرة أخرى.

والحالة الثانية ما عرف بصفقة موانئ دبي في السوق الأميركية رغم شفافية الصفقة وأحقية دبي بالصفقة، ومع ذلك تم إلغاؤها.

التسرع في التوقيع على الاتفاقيات
المعروف أن برنامج الخصخصة في مصر أتى ضمن حزمة من الإجراءات، التزمت بها مصر للوصول إلى اتفاق مع البنك والصندوق الدوليين، للتخلص من نصف ديونها الخارجية مطلع تسعينيات القرن الماضي.

ثم بدأت الممارسات الفعلية بعد هذا التاريخ، ثم كان التوقيع على اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وما ترتب عليها من تحرير لمجالات متعددة ليست قاصرة على التجارة فقط بل شملت العديد من مجالات قطاع الخدمات.

وكان آخر هذه الاتفاقيات توقيع مصر على اتفاقية عضوية لجنة الاستثمار بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي اتفاقية سوف تفتح العديد من الأبواب على خدمات وصناعات قائمة قد تتلاشى فيما بعد، إذا ما أتيح للاستثمارات الأجنبية الوجود فيها.

وتشترط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على مصر إلغاء احتكار القطاع العام لبعض الأنشطة مثل الاتصالات وتوليد الكهرباء، وإلغاء شرط التمثيل المحلي بنسب معينة في مجالس إدارات الشركات.

"
في خضم الحديث عن خصخصة شركات التأمين العامة، والسماح للأجانب بممارسة بعض الخدمات في السوق المصري مثل الطب والمحاسبة -مما قد يحدث مزيدا من البطالة بين أصحاب هذه المهن- فإن مصر تخوض مرحلة خصخصة بلا حدود
"
ماذا يعيب الخصخصة في مصر؟
هناك العديد من المثالب في برنامج الخصخصة في مصر، يأتي على رأسها الآتي:
- لم تتم عملية تهيئة القطاع الخاص المصري بشكل مناسب لتكوين رؤوس أموال ذاتية من خلال ثقة المدخرين في إمكانيات القطاع الخاص لاستثمار أموالهم.

وكان ذلك لو تم سيؤدى إلى وجود القطاع الخاص في ملكية وإدارة المشروعات المطروحة للخصخصة بشكل يحفظ التوازن العام للوجود الأجنبي في الاقتصاد المصري، بحيث يكون دور الاستثمارات الأجنبية مساعدا وليس أساس قيام الاستثمارات في مصر.

- لو أديرت البنوك العامة بمصر خلال المرحلة السابقة بشكل صحيح، وفى ظل أداء مشابه في شركات التأمين المملوكة للدولة، لأمكنهما الدخول بقوة لشراء الشركات المطروحة في برنامج الخصخصة وكذلك المرافق العامة، كما حدث في ماليزيا في بداية تطبيقها لبرنامج الخصخصة، ثم تقوم بعد ذلك كل من البنوك وشركات التأمين بطرح ملكية هذه المشروعات والمرافق في البورصة لتوسيع قاعدة الملكية، وزيادة مساهمة المدخرات المحلية.

- معظم مساهمات الأجانب في مجال الاستثمار أتت في دائرة شراء استثمارات قائمة، ولم تتجه نحو إنشاء مصانع أو مرافق جديدة، وكذلك اتجاه الاستثمارات الأجنبية للتخلص من العمالة، وتغييرها للفن الإنتاجي باستخدام أساليب إنتاج كثيفة مما ساعد على الاستغناء عن عدد من العمال.

- أن الحكومة لم تنجح طوال السنوات الماضية في معالجة المشكلات القائمة لهذه الشركات، ولا في استخدام الطريقة الوحيدة للتخلص من هذه المشكلات وهي إخضاعها للبيع، وكأن الإصلاح مستحيل.

- في ظل هذا الاتجاه نحو الخصخصة غاب دور الدولة الرقابي في تقديم الخدمات المقدمة ومدى جودتها، ومواءمتها للسعر، فالرقابة دور أصيل للدولة في ظل اقتصاد السوق، كما أن مؤسسة المجتمع المدني في هذا المجال لا تزال ضعيفة، إن كانت موجودة في مصر.

إذا ما استمر العمل في برنامج الخصخصة في مصر بهذه الطريقة، من حيث عدم وجود خريطة واضحة لما هو مقررة خصخصته، فإننا نسير في اتجاه خصخصة كل شيء، خاصة بعد مطالبات لجنة الاستثمار بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ولعل هذا يكون تمهيدا لتوقيع مصر على اتفاقية الاستثمار المثيرة للجدل، المطروحة على أجندة منظمة التجارة العالمية.

وفي خضم الحديث عن خصخصة شركات التأمين العامة، أو السماح للأجانب بممارسة بعض الخدمات في السوق المصري مثل الطب والمحاسبة -مما قد يحدث مزيدا من البطالة بين أصحاب هذه المهن- فإن مصر تخوض مرحلة "خصخصة بلا حدود".
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة