بقلم: المحامي/ سعد جبار*

لقد هزت مذابح صبرا وشاتيلا التي وقعت في منتصف سبتمبر/ أيلول 1982 في بيروت في فظاعتها الضمير الإنساني والعالمي بمجرد نقل أجهزة الإعلام أخبار وصور ضحاياها إلى مختلف أنحاء العالم. ولكن نداءات الشجب والاستياء التي صدرت آنذاك لم يقابلها أي تحرك لإسقاط العقوبة المناسبة على الأطراف المسؤولة عن هذه الجريمة النكراء.

لجنة كاهانا الإسرائيلية

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بيغن (يمين) مع وزير دفاعه شارون
فإسرائيل شكلت لجنة تحقيق قضائية برئاسة القاضي كيهان والذي أصبحت تعرف باسمه للتحري في ظروف هذه الجريمة والمسؤولين عنها. واستنتجت اللجنة في تقريرها النهائي عام 1983 بأن المسؤول المباشر عن قيادة هذه المذابح هو إيلي حبيقة الذي كان يقود ميليشيات الكتائب بلبنان آنذاك. وأكدت أن أرييل شارون الذي كان وزيرا للدفاع أثناء ارتكاب المذابح ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي وعددا من الضباط الكبار بالجيش الإسرائيلي كانوا مسؤولين مسؤولية غير مباشرة عن هذه المذابح. وبعد إعلان نتائج التحقيق استقال شارون أو أقيل من منصبه.

واعتبرت إسرائيل أن مسؤوليتها قد انتهت بمجرد تشكيل لجنة قضائية وإعلان نتائج تحقيقها وبذلك أغلقت ملف هذه القضية. والواقع أن لجنة التحقيق لا تمثل بأي حال من الأحوال بديلا عن المحاكم والقضاء المستقل الذي يقوم أولا بتكييف هذه المذابح لتحديد نوع الجرائم المرتكبة وملاحقة ومعاقبة المسؤولين عنها.

لجنة دولية برئاسة الإيرلندي شون ماك برايد
وفي موازاة لجنة التحقيق القضائي الإسرائيلية كانت هناك لجنة تحقيق دولية تشكلت عام 1982 للتحقيق في خروقات إسرائيل للقانون الدولي أثناء غزوها للبنان. وهي لجنة مستقلة شكلها رجال قانون بارزون من أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيرلندا برئاسة المحامي والسياسي الإيرلندي البارز شون ماك برايد الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1974. وبمجرد حدوث مذابح صبرا وشاتيلا قررت اللجنة اعتبار هذه المذابح جزءا من تحقيقها وبذلك خصصت فصلا كاملا لهذه القضية في تقريرها النهائي الصادر عام 1983.

ويعتبر عمل هذه اللجنة والنتائج التي توصلت إليها أهم تحقيق دولي في مذابح صبرا وشاتيلا إلى حد الساعة. ولم يكن ذلك بغريب على لجنة تتكون من أساتذة كبار متخصصين في القانون الدولي ولهم تجربة كبيرة وطويلة في ممارسة المحاماة ومنهم ريتشارد فولك الذي كان أستاذا بجامعة برينستون الأميركية ونائبا لرئيسها وكادر أسمال الذي كان عميدا لكلية ترينيتي بجامعة دابلين والدكتور براين بيركوسون الذي كان أستاذا بجامعة لندن والأستاذ جيرو دولابرادال من جامعة باريس والأستاذ ستيفن وايلد من جامعة بون.

شارون على أبواب بيروت عام 1982
وأكدت اللجنة في تقريرها بأن إسرائيل تتحمل العبء الأكبر من المسؤولية القانونية عن مذابح صبرا وشاتيلا وذلك لأن إسرائيل كقوة احتلال كانت تسيطر على منطقة المذابح وبالتالي فهي مسؤولة عن حماية السكان طبقا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 التي وقعت عليها إسرائيل وأصبحت ملزمة لها.

واستخلصت اللجنة بناء على الحقائق المقدمة إليها أثناء التحقيقات التي أجرتها والشهود الذين استمعت إليهم أثناء الجولات التي قامت بها إلى كل من لبنان وإسرائيل والأردن وسوريا وبريطانيا والنرويج بأن إسرائيل ساهمت في التخطيط والتحضير للمذابح ولعبت دورا في تسهيل عمليات القتل من الناحية الفعلية.

وأوضحت اللجنة أن السلطات أو القوات الإسرائيلية ساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في المذابح وعمليات القتل التي يقال إنها نفذت من طرف الميليشيات اللبنانية في مخيمات اللاجئين بصبرا وشاتيلا في بيروت من 16 إلى 18 سبتمبر/أيلول 1982.

عدد من ضحايا مذبحة صبرا وشاتيلا (أرشيف)
وكيفت اللجنة مذابح صبرا وشاتيلا على أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأن مرتكبيها أو المساهمين فيها بأي طريقة من الطرق يتحملون مسؤوليتها فرديا ومن واجب الدول معاقبة الأفراد أو المنظمات المتهمة بهذه الجرائم.

ولم يغب عن اللجنة أن المبادئ القانونية التي تبلورت أثناء محاكمات نورمبورغ للنازيين بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت جزءا من القانون الدولي العرفي. وتقضي مبادئ نورمبورغ بأن "القادة والمنظمات والمحرضين والمشاركين الذين يساهمون في صياغة أو تنفيذ خطة مشتركة أو مؤامرة لارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يكونون مسؤولين عن كل الأعمال التي يؤدونها أي أشخاص آخرين تنفيذا للخطة المذكورة".

وتنص اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الأول المكمل لها لعام 1977 على التزام الدول الموقعة عليها بمحاكمة الأشخاص مرتكبي هذه الجرائم بغض النظر عن جنسيتهم.

والأخطر من هذا أن أغلبية أعضاء لجنة التحقيق الدولية ذهبوا في تكييفهم لمذابح صبرا وشاتيلا إلى اعتبارها جرائم إبادة "جينوسايد" التي تعتمد على إجراءات تهدف إلى تدمير الثقافة الوطنية والاستقلالية السياسية والإرادة الوطنية التي تدخل في إطار الكفاح الفلسطيني من أجل التحرر الوطني وحق تقرير المصير أي إجراءات تؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الوجود الفلسطيني.

ولم تستبعد اللجنة في تقريرها أن تكون مذابح صبرا وشاتيلا جزءا من وتيرة سياسية اعتمدتها إسرائيل منذ تأسيسها لتطهير فلسطين من الفلسطينيين. وتعتمد هذه السياسة على الترهيب الجماعي للمدنيين وخاصة الأطفال والنساء والشيوخ لحمل الفلسطينيين على الفرار إلى الخارج واستشهدت اللجنة في هذا الشأن بالمذابح التي ارتكبتها منظمة (أريغون) بقيادة مناحيم بيغن (رئيس الوزراء الإسرائيلي أثناء مذابح صبرا وشاتيلا) في دير ياسين، ومنظمة شتيرن بقيادة إسحق شامير عام 1948 والتي كان معظم ضحاياها نساء وأطفال وشيوخ. وبالإضافة إلى ذلك أشارت اللجنة إلى الهجوم الإرهابي الذي نفذه شارون ضد قرية القبوة بالضفة الغربية عام 1953 وذلك عندما كان قائدا لفيلق من القوات الخاصة يطلق عليها اسم وحدة (101) والتي شكلت لتنفيذ عمليات انتقامية عبر الحدود ضد الفلسطينيين.

لقد حملت لجنة التحقيق الدولية محكمة السلطات السياسية والعسكرية وخاصة شارون والضباط الكبار الذين كانت لهم علاقة بلبنان المسؤولية الكاملة عن الجرائم التي ارتكبت في صبرا وشاتيلا. واعتبرت اللجنة بوضوح أن ميليشيات الكتائب بقيادة حبيقة قامت بدور المنفذ للمذابح.

ورغم فظاعة المذابح التي أدت إلى مقتل حوالي أربعة آلاف من الفلسطينيين العزل فإن المجتمع الدولي طوى صفحة هذه المذابح ونسي ضحاياها ولم يلاحق أو يعاقب مرتكبيها رغم مرور 19 عاما على المذابح.

كيف استفاد العرب من القوانين الأوروبية لمحاولة إدانة شارون؟

ولكن قناة بي.بي.سي المرئية أثارت هذه القضية من جديد وأعطتها نفسا جديدا عندما خصصت برنامج (بانوراما) يوم 17 يونيو/حزيران الماضي بالتحقيق في هذه المذابح وتحميل مسؤولية ذلك لرئيس الوزراء الإسرائيلي شارون وإيلي حبيقة الذي يتولى منصبا وزاريا بلبنان.

ولقد اعتمد البرنامج في حقائقه على شهادات الضحايا وكان موفقا في اعتماده أيضا على شهادات جنود وضباط وصحفيين إسرائيليين ممن كانوا مقربين من موقع المذابح وأكدوا التورط السافر للسلطات والقوات الإسرائيلية ودور ميليشيات الكتائب في ذلك.

وكانت تحقيقات البرنامج والنتائج التي توصل إليها مهمة إلى درجة أن أحد القضاة الدوليين المعروفين أكد للبرنامج بأنها كافية لمحاكمة المسؤولين عن ارتكاب هذه المذابح.

ويبدو أن رجال القانون اللبنانيين كانوا في مستوى الحدث إذ تحركوا بسرعة خاطفة بعد بضعة أيام من بث برنامج (بانوراما) لرفع دعوى قضائية ضد شارون أمام المحاكم البلجيكية نيابة عن ضحايا المذابح الذين مازالوا أحياء وعلى رأسهم السيدة سعاد سرور. ولقد قبلت المحاكم البلجيكية نظر هذه الدعوى بعد تعديل القانون البلجيكي مؤخرا بحيث أصبح يسمح للمتضررين من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية رفع دعاوى ضد مرتكبي هذه الجرائم بغض النظر عن جنسية الضحية أو المعتدي أو المكان الذي يُرتكب فيه هذا النوع من الجرائم.

إن قبول المحاكم البلجيكية لهذه الدعوى يعتبر في حد ذاته انتصارا معنويا للضحايا الفلسطينيين بصفة خاصة والفلسطينيين والعرب بصفة عامة. ويمثل هذا القرار سابقة إيجابية وخطيرة إذ إنه لم يسبق للمؤسسات القضائية الغربية أن تجرأت على اتهام أي مسؤول إسرائيلي بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية منذ تأسيس الكيان الصهيوني. والأكثر من ذلك فتح هذا القرار الباب أمام الفلسطينيين والعرب للعمل من أجل إنهاء الحصانة السياسية والقانونية التي ظل الإسرائيليون يتمتعون بها في مواجهتهم والإفلات من العقاب بعد إهدار الدم الفلسطيني والعربي.

ويجب على العرب أن يلمسوا ثمار التغييرات على الساحة الدولية بعد نهاية الحرب الباردة والاستفادة من العولمة وخاصة في الجوانب المتعلقة منها بحماية حقوق الإنسان والديمقراطية.


لا يمكن توقع إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب أو مرتكبي جرائم ضد الإنسانية إذا كان الأمر يتعلق بإسرائيليين لأن أميركا ستستعمل حق الفيتو ضد ذلك، إلا أن المهم هو خلق سوابق لمحاكمة هذا النوع من الجرائم في انتظار تشكيل محكمة الجنايات الدولية التي تنتظر مصادقة العدد الكافي من الدول لتصبح سارية المفعول.
ومن مظاهر هذه التغييرات الملاحقات التي تعرض لها الرئيس التشيلي السابق بينوشيه (الذي كان حليفا للغرب في مواجهة الشيوعية أثناء الحرب الباردة) بسبب خروقاته لحقوق الإنسان أثناء فترة حكمه، مما أسفر عن اعتقاله في بريطانيا بعد مطالبة إسبانية. إضافة إلى تشكيل محاكم دولية خاصة لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في كل من رواندا ويوغسلافيا سابقا. ولعل هناك من يقول أنه لولا موافقة الدول الكبرى وعلى رأسها أميركا لما تم اتهام واعتقال الرئيس اليوغسلافي السابق ميلوسوفيتش وتسليمه للمحاكمة في لاهاي. نعم هذا صحيح فالمحاكم الخاصة التي أنشئت بخصوص كل من رواندا ويوغسلافيا سابقا تمت بناء على قرار من مجلس الأمن الدولي وبالتالي لا يمكن توقع إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مجرمي الحرب أو مرتكبي جرائم ضد الإنسانية إذا كان الأمر يتعلق بإسرائيليين لأن أميركا ستستعمل حق الفيتو ضد ذلك. نعم يمكن أن يكون هذا صحيحا في المرحلة الحالية ولكن المهم هو خلق سوابق لمحاكمة هذا النوع من الجرائم في انتظار تشكيل محكمة الجنايات الدولية التي تنتظر مصادقة العدد الكافي من الدول لتصبح سارية المفعول. فهذه المحكمة يمكن أن تؤدي إلى إنهاء ازدواجية المكاييل التي تمارس من قبل الدول الغربية ضد الفلسطينيين والعرب كلما تعلق الأمر بالإسرائيليين. وهنا يجب التأكيد بأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. وهذا ما يجب على العرب إدراكه والعمل من أجل توثيق كل التجاوزات والخروقات السافرة ضد الفلسطينيين في انتظار محاكمة مرتكبيها من الإسرائيليين في المستقبل.

عراقيل أمام محاكمة شارون

بالتأكيد هناك عراقيل مؤقتة يمكن أن تقف في وجه مجهودات محاكمة شارون في بلجيكا. فمنذ تجربة بينوشيه لجأت الحكومات الأوروبية إلى تبني قاعدة غير معلنة للتعامل مع مطالب تسليم أو محاكمة المتهمين بجرائم التعذيب أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. وتقضي هذه القاعدة بأنه لا يمكن تسليم شخص أو محاكمته إذا كان الشخص يحمل جواز سفر دبلوماسيا ويوجد في مهمة رسمية نيابة عن بلده داخل الدولة المطلوب منها تسليمه. فمثلا عندما قبلت النيابة بمحكمة باريس شكوى قدمها أقارب ضحايا جزائريين ضد وزير الدفاع الجزائري السابق اللواء خالد نزار عندما كان في زيارة إلى فرنسا سمحت السلطات الفرنسية للواء نزار بمغادرة البلاد وتذرعت بأنه كان يحمل جواز سفر دبلوماسيا وأنها تسلمت مذكرة من وزارة الخارجية الجزائرية تفيد بأن نزار كان في مهمة رسمية بفرنسا نيابة عن السلطات الجزائرية.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومات الغربية أمرت إداراتها المختصة بإجراء دراسة لمعرفة خطر المحاكمة أو المطالب بتسليم مسؤوليها في حالة سفرهم إلى الخارج عقب هذه التطورات النوعية التي بدأت تظهر ببعض الدول والدعاوى التي بدأ ضحايا التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية برفعها ضد مرتكبيها بمختلف البلدان الأوروبية.

وقد قام شارون بدوره بتعيين فريق دفاع في بلجيكا للوقوف في وجه الدعوى التي رفعت ضده والتي سارع المسؤولون الإسرائيليون كالعادة باتهام جهات "معادية للسامية" بالوقوف وراءها وخاصة بي.بي.سي.

إستراتيجية عربية لضمان نجاح المحاكمة

ولكن يجب استغلال الوقت للتحضير لقضية مذابح صبرا وشاتيلا أمام المحاكم البلجيكية وهذا يتطلب وضع إستراتيجية محكمة تشمل ما يلي:

1- تنظيميا: يجب على المحامين العرب والمنظمات غير الحكومية في كل مكان إقامة شبكات لتقديم المساعدة إلى فريق الدفاع.

2- قانونيا: على المحامين العرب وخاصة بالدول الغربية التنسيق فيما بينهم لتعيين فريق دفاع دولي يشمل محامين من بلجيكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة.. إلخ بغرض تمثيل الضحايا بالمحاكم البلجيكية ويستحسن إشراك محامين يهود من الدول الغربية وحتى من إسرائيل نفسها للتأكيد على أن هذه القضية تهم كل الإنسانية وأنها لا تعتبر قضية عرب ضد يهود أو إسرائيليين بل إنها قضية عدالة وأنصار العدالة موجودون في كل مكان. وبذلك تدحض ذريعة "معاداة السامية".

3- ماليا: على شبكات الدعم جمع التبرعات في كل أنحاء العالم لتغطية تكاليف الدفاع ومصاريف تنقل الضحايا وأقارب الضحايا للقاء مع فريق الدفاع أو المثول أمام المحاكم لمتابعة القضية.

4- إعلاميا: على شبكات الدعم العمل على حشد المساندة لقضية ضحايا صبرا وشاتيلا في دعواهم ضد شارون وذلك بتزويد أجهزة الإعلام وخاصة بالدول الغربية بمجريات المحاكمة والمعاناة المستمرة لضحايا وأقارب ضحايا هذه المذابح.

ويبدو من الأفضل استبعاد الجانب الرسمي أو الحكومي العربي في مجال ملاحقة شارون وغيره وذلك لأن العرب لديهم شاروناتهم من جهة، ومن جهة أخرى ترتبط الأنظمة العربية بعلاقات ومعاهدات مع الولايات المتحدة وإسرائيل تجعل من الصعب عليها أن تلعب دورا فعالا في هذا المجال. ولكن هذا لا يمنع الحكومات التي تريد ذلك أن ترسل بمؤشر واضح على أنها لا تستطيع التعامل مع الإسرائيليين ما دام رئيس وزرائهم يواجه المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي كل الحالات يجب تشجيع ومساعدة ضحايا صبرا وشاتيلا الذين مازالوا أحياء وأقارب الضحايا على تشكيل لجنة بقيادة شخص مثل سعاد سرور وتوفير الحماية اللازمة لأعضاء هذه اللجنة.

وإذا كانت بريطانيا والولايات المتحدة تعتبران انفجار لوكربي الذي أدى إلى مقتل 276 شخصا كارثة وتشكلت لجنة من أقارب الضحايا للمطالبة بمحاكمة المسؤولين عن الانفجار وتقديم تعويض يريده أقارب الضحايا الأميركيين أن يكون بضعة ملايين من الدولارات, فإن مذابح صبرا وشاتيلا التي أدت إلى مصرع نحو أربعة آلاف فلسطيني بالإضافة إلى الجرحى الذين مازالوا يعانون من عاهات نفسية وجسدية إلى حد الآن من حقهم المطالبة بمحاكمة شارون والمخالب العربية الجبانة التي نفذت أم الجرائم ضد المدنيين العزل وكذلك المطالبة بتعويض مالي يتناسب وفظاعة الكارثة التي لحقتهم ولحقت أقارب الضحايا. وعلى اللجنة المقترحة أن تجوب الدنيا طولا وعرضا للترويج لقضيتهم دون تجاهل تنظيم لقاءات مع أعضاء لجنة التحقيق الدولية الذين مازالوا أحياء مثل الأستاذ ريتشارد فولك وغيرهم من مسؤولي أجهزة الإعلام الغربية التي أبرزت المأساة مؤخرا إلى جانب منظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية الأخرى بالدول الغربية.


إن تقرير لجنة التحقيق الدولية عن غزو إسرائيل للبنان وبرنامج بي.بي.سي إلى جانب شهادات الأحياء من الضحايا تمثل مصدرا حيويا للحقائق والقرائن الدامغة التي يحتاج إليها فريق الدفاع في بلجيكا لإثبات دعواه ضد شارون وإدانته
إن تقرير لجنة التحقيق الدولية عن غزو إسرائيل للبنان وبرنامج بي.بي.سي إلى جانب شهادات الأحياء من الضحايا تمثل مصدرا حيويا للحقائق والقرائن الدامغة التي يحتاج إليها فريق الدفاع في بلجيكا لإثبات دعواه ضد شارون وإدانته. والمهم هو أن هذه القضية قد خلقت ديناميكية جديدة للفلسطينيين والعرب لوقف استباحة إسرائيل لدمائهم بدون عقاب وعليه يجب المثابرة لتعزيز هذه الديناميكية عن طريق دعم لجنة الضحايا وأقارب الضحايا من أجل محاكمة ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في صبرا وشاتيلا سواء في بلجيكا أو أمام أي محكمة دولية تقام لهذا الغرض في المستقبل.

إن دعم هذه الديناميكية أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى لأن شارون ومنذ توليه رئاسة وزراء إسرائيل دشن مرحلة جديدة من الجرائم ضد الفلسطينيين العزل لا يمكن تكييفها إلا كجرائم ضد الإنسانية تستهدف أساسا مقومات الوجود الفلسطيني وتدمير الإرادة الفلسطينية المناضلة من أجل حق الفلسطينيين في العيش بأرضهم وداخل دولة مستقلة تحميهم وتضمن لهم حق تقرير المصير.

إن شارون يشن حملة تطهير تشبه تلك الحملات التي قام بها ميلوسوفيتش وبعض القادة السياسيين والعسكريين في البوسنة والهرسك وكوسوفو وانتهت بهم إلى قفص الاتهام بمحكمة الجزاء الدولية في لاهاي. وعليه يجب العمل من أجل دفع شارون نحو المصير نفسه.

ولعل من المظاهر الإيجابية لهذه الديناميكية أن الحكومات الغربية أصبحت غير متحمسة لاستقبال شارون, كما أن البعض منها أصبح حذرا في اعتماد السفراء الإسرائيليين خوفا من الملاحقات القضائية لهم.

وعلى الإعلام العربي الحر وعلى رأسه الجزيرة أن يساهم بشكل فعال في دفع هذه الديناميكية إلى الأمام لكي لا يتكرر هدر الدم العربي بدون عقاب مثلما حدث في صبرا وشاتيلا.

____________
* محامي ومحلل سياسي جزائري مقيم بلندن

المصدر : غير معروف