صورة زهير أندراوس - صفحة الكتاب

زهير أندراوس

مكان الإقامة: قرية ترشيحا شمال فلسطين جواز السفر: إسرائيلي. الجنسية فلسطيني.


الإعلام السويدي الحر
حسني وحسني وإرضاء الاحتلال

في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2003 عندما كان الاحتلال يرتكب الجرائم في الضفة الغربية بعد احتلالها ضمن ما يسمى إسرائيلياً بعملية (السور الواقي)، هاجم عشرات المصلين الفلسطينيين وزير الخارجية المصري السابق، أحمد ماهر، أثناء صلاته في المسجد الأقصى في القدس المحتلة.

وقد تعرض سعادة الوزير للضرب بالأحذية علي أيدي مصلين غاضبين احتجوا علي زيارته للدولة العبرية ولقائه رئيس وزرائها أرييل شارون في القدس، الذي قام بزيارة استفزازية للأقصى المبارك، الأمر الذي أدّى إلى اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر/أيلول عام 2000، وسقط ماهر مغشياً عليه بعد الهجوم عليه ونعته بالشتائم واتهامه بالخيانة، قبل أن يتجمع حوله حراسه الشخصيون وقوات إسرائيلية أخرجته من المسجد، ونقلته إلي مستشفى (هداسا) الإسرائيلي في القدس الغربية.

وقد يسأل هذا أو ذاك: ما هو سبب التذكير بهذه الواقعة؟ وهو سؤال وجيه، أولاً، لأننّا نريد أن نؤكد للجميع أنّ الشعب العربي الفلسطيني هو الذي ابتكر سلاح الضرب بالأحذية، ولا نوردها من باب القول تحية للأحذية وحامليها، ولا من منطلق التشفي برأس الدبلوماسية المصرية آنذاك، ولكن نقول بفم مليء إنّه في الرابع عشر من شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، أي بعد مرور خمس سنوات على (أحذية ماهر) قام صحفي عراقي بضرب الرئيس الأميركي السابق، مجرم الحرب، جورج بوش، بحذاءيه ونعته بالكلب أثناء توقيع الأخير على الاتفاقية الأمنية مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مقر رئاسة الوزراء، وتبين لاحقاً أنّ منتظر الزيدي طلب توجيه سؤال إلى الرئيس الأميركي وعندما التفت إليه بوش رماه بحذائه وصرخ به يا كلب هذه قبلة الوداع من العراقيين.

الإعلام السويدي الحر

"
الرد السويدي المهذب بعدم الاعتذار هو صفعة في وجه الإسرائيليين، الذين أشبعونا محاضرات في الديمقراطية، متناسين أنّ دولتهم تسير بخطى حثيثة نحو التحول إلى دولة عزل عنصري
"
الأحذية المذكورة في الحادثين، هي أحذية دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، وهذا السلاح -إذا جاز التعبير- على الرغم من عدم تطوره تكنولوجياً، بإمكانه أن يُوجّه رسالةً إلى العالم بأسره مفادها أنّ الشعب الذي يعاني الأمرين من الاحتلال، يخترع الأساليب البدائية للتعبير عن غضبه ورفضه للاحتلال والمتواطئين معه، وهذه الأيام وقعت نقلة نوعية من الأحذية إلى القلم، أي إلى الصحافة، عندما قامت أوسع الصحف السويدية انتشاراً بنشر تقرير عن قيام جنود الاحتلال الإسرائيلي بقتل الفلسطينيين وسرقة أعضائهم للاتجار بها.

وجرياً على العادة الممجوجة، أقامت الدولة العبرية الدنيا ولم تُقعدها، هددت وطالبت السويد بالاعتذار ونعتتها باللاسامية، وأعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، الفاشي، أفيغدور ليبرمان، بأنّه إذا لم تعتذر السويد عن ما سماها بالفرية الدموية، فإنّه سيقوم بإلغاء زيارة وزير الخارجية السويدي إلى القدس المحتلة في العاشر من شهر سبتمبر/أيلول القادم، ولكنّ ليبرمان، المتهم بقضايا فساد من العيار الثقيل، أثبت للعالم أيضاً أنّه كذاب وغبي، إذ أعلنت وزارة الخارجية في إستوكهولم عن استغرابها من حديث ليبرمان، مؤكدةً رسمياً أنّ الوزير لا يعلم بأمر هذه الزيارة.

بغض النظر عن مدى مصداقية التقرير في الصحيفة السويدية، وبصرف النظر عن كذب ليبرمان، لا بدّ في هذه العجالة أن نتوقف قليلاً عند تداعيات الموقف السويدي الرافض للانصياع لطلب إسرائيل بالاعتذار:

أولاً: رئيس تحرير الصحيفة السويدية، وهو بالمناسبة ليس عربياً، نشر مقالاً في الصحيفة ردّ فيه على المزاعم الإسرائيلية وأكّد بشكل غير قابل للتأويل أنّ التقرير كان دقيقاً للغاية، وشدد على أنّ الصحيفة تساند مراسلها الذي أعّد التقرير، وأبلغ الإسرائيليين بدون لف أو دوران أنّ تقديم الاعتذار ليس وارداً على الأجندة، لافتاً إلى أنّ حرية التعبير عن الرأي في المجتمع السويدي هي من أعلى القيم، ولا يُسمح لكائن من كان أن يمس بها، وهذا الرد السويدي المهذب هو صفعة في وجه الإسرائيليين، الذين أشبعونا محاضرات في الديمقراطية، متناسين أنّ دولتهم تسير بخطى حثيثة نحو التحول إلى دولة عزل عنصري، (أبرتهايد) كالذي كان سائداً في عهد سيطرة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا.

ثانياً: الحكومة السويدية، وهي الرئيس الدوري للاتحاد الأوروبي، أعلنت بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ أنّها لن تعتذر للدولة العبرية، الأمر الذي أثار حفيظة الإسرائيليين، المتعودين على تقديم أنفسهم للعالم بأنّهم الضحية، والشعب الفلسطيني هو الجلاد، فانبرى وزير الداخلية، أيلي يشاي، المغرم من أخمص قدميه حتى رأسه بسحب الجنسيات، وهدد بسحب بطاقة الصحفي من الإعلامي السويدي، ومنعه من المكوث في الدولة العبرية وسحب رخصة العمل منه، فكان الرد سريعاً: السويد لم تأبه بهذا التهديد ونقابة الصحافيين هناك لعنت في بيان رسمي لها" سنسفيل" الوزير الإسرائيلي على وقاحته وصلافته.

"
دريد لحام:
غزة تجري في دمي.. وإن تأخرت زيارتي لها فهي بالنسبة لي آخر جذوة في نعش العروبة الذي ووري الثرى منذ زمن
"
ثالثاً: السويد دولة ديمقراطية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، وبالتالي فإنّ الحكومة السويدية، حتى لو قررت الاعتذار لإسرائيل، لكانت وجدت نفسها أمام حملة محلية قد تؤدي إلى سقوطها، والموقف السويدي لا يختلف كثيراً عن سلاح الأحذية، فقد وجهّت الحكومة السويدية صفعة مجلجلة للدولة العبرية المارقة بامتياز والمعربدة بتفوق وقالت لها بالحرف الواحد: حتى هنا، نحن لسنا أعضاء في الجسم الهلامي المسمى زوراً وبهتاناً جامعة الدول العربية، هذا الجسم الذي لم يهتم بما فعل الاحتلال الإسرائيلي بقطاع غزة في عدوانه الأخير، وحتى الأمين العام للجامعة العربية، السيد عمرو موسى، لم يُكلّف نفسه عناء السفر إلى غزة للاطلاع على ما قام الاحتلال الإسرائيلي بقتل الأبرياء بالأسلحة الأميركية المحرمة دولياً، أقسم بأنه يشتم في نسائم الهواء القادمة من الحدود الفلسطينية رائحة الحرية والكرامة.

ولنتذكر جميعاً ما قاله الفنان العربي السوري، دريد لحام، الذي قام رغم أنف الجميع الشهر الماضي بزيارة إلى غزة وقال: هذا الشعب لم يستطع أن يذله الحكام العرب كما لم تخذله سلبية الشعوب من المحيط إلى الخليج، هو لا يجد طعاماً ولا شراباً ولا دواء ولكن أفقر رجل هناك في غزة أكثرنا عزة وكرامة حتى ولو لم يجد قوت يومه. غزة تجري في دمي.. وإن تأخرت زيارتي لها فهي بالنسبة لي آخر جذوة في نعش العروبة الذي ووري الثرى منذ زمن.

حسني وحسني وإرضاء الاحتلال
ومن الأحذية مروراً بالصحافة، ننتقل إلى المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين: منذ النكبة في العام 1948 قامت إسرائيل بهدم أكثر من ألفي مسجد لتزوير التاريخ وإعادة كتابته من جديد، وفي هذه الأيام من شهر رمضان المبارك، يتعرض المسجد الأقصى إلى حملة تهويدية غير مسبوقة، ناهيك عن أنّ الإسرائيليين حوّلوا العديد من الكنائس إلى حظائر بقر للمستجلبين القدامى من المغرب، مثل البصة، الواقعة على الحدود الفلسطينية-اللبنانية، والتي هُجّر جميع سكانها في نكبة الـ48، تجري هذه الأحداث والأمّة العربية تتواجد في غرفة الإنعاش المكثف، في حين تنتظر الأمّة الإسلامية الإعلان عن وفاة العرب لكي تتمكن من الدخول إلى غرفة الإنعاش المكثف.

وعودا على بدء: وزير الثقافة المصري، فاروق حسني، أعلن أنّه يرشح نفسه لتبوء منصب المدير العام لمنظمة اليونيسكو، التابعة للأمم المتحدة. أقطاب الدولة العبرية انقضوا على الوزير المصري واتهموه بأنّه لا سامي، وبأنّه منع دخول الكتب الإسرائيلية إلى مصر وما إلى ذلك من تهم، نعتبرها نحن شهادة كرامة لهذا الوزير.

"
فاروق حسني لم يحرق الكتب الإسرائيلية، بل أحرق أخر ذرة كرامة للأمّة العربية باعتذاره لإسرائيل وأهان الشعب المصري العظيم، الذي ضحى بالكثير من أجل فلسطين، وكنّا نتمنى عليه أن يحذو حذو السويد ويرفض الانصياع للإملاءات الإسرائيلية
"
وبما أنّ مصر ليست السويد، وبما أنّ وزير الخارجية المصري، أحمد أبو الغيط، الذي هدد بتكسير أرجل وأيدي الفلسطينيين الذين يحاولون عبور معبر رفح، هو ليس وزير الخارجية السويد المنتخب ديمقراطياً من الشعب، بدأت الدبلوماسية المصرية بإجراء عملية تجميل اصطناعية لمواقف الوزير المصري حسني من أجل الوصول إلى كرسي اليونيسكو، فلم يترك سعادته صحيفة عربية أو غربية، إلا وأعلن فيها أنّه مغرم بالسلام مع إسرائيل، وأنّ مواقفه حُرّفت، وما إلى ذلك من النفاق والرياء العربي المشهور لكسب ود أقطاب الدولة العبرية، كما تراجع عن تصريحاته للدولة العبرية وقدم اعتذاراً رسمياً لها فيما بعد.

وفي الوقت الذي بات فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، منبوذاً في العالم هو وحكومته، بسبب مواقفه المتطرفة مما يُسمى بعملية السلام، قام الرئيس المصري، حسني مبارك باستقباله في شرم الشيخ استقبال الأبطال، واستقبل وزير الأمن، إيهود باراك، واستقبل أيضاً جزار قانا، الثعلب الأبدي شمعون بيريز. ولم يكتف رئيس أكبر دولة عربية بذلك، بل صرح أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية، هذا الأسبوع، بأنّ نتنياهو هو رجل سلام، وكال له المديح.

وبما أنّ مصر تحافظ على المقدسات والمواقع الأثرية، مثل "صيانتها" لضريح الرئيس الراحل طيّب الذكر، جمال عبد الناصر، فقد بدأت مؤخراً بأعمال ترميم في أحد أشهر الكنس اليهودية في القاهرة، من أجل دعم ترشح وزير الثقافة فاروق حسني لمنصب رئاسة اليونسكو، خاصةً بعد الحملة التي شنتها وسائل الإعلام الإسرائيلية والتي تتهم مصر بتخريب المعابد اليهودية.

كما نشر الإعلام العبري المتطوع لصالح ما يُسمى بالإجماع القومي الصهيوني تقريراً أعده باحث إسرائيلي يدعى روني كوهين ذكر فيه أن موقعاً إخبارياً مصرياً على الإنترنت نشر صوراً تًبيّن حالة الكنيس المتردية، ونقل عنه قوله إنّ المعبد أصبح مكباً للقمامة وبركة لمياه الصرف، ودفع الغضب الذي أثارته هذه الأنباء، خاصة بين اليهود، العديد من الجماعات اليهودية والأميركية إلى مطالبة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) باتخاذ إجراء قوي ضد مصر.

وكانت قد أطلقت واحدة من أكبر المنظمات اليهودية الأميركية وأكثرها نفوذاً حملة ضد ترشيح حسنى لرئاسة منظمة اليونسكو، ودعت الرئيس حسنى مبارك إلى سحب ترشيحه لرئاسة المنظمة الدولية، كما طالبت دول الاتحاد الأوروبي بمعارضة ترشيح الوزير المصري، وجاءت هذه الاعتراضات بعد تصريح حسني بخط كبير: سأحرق الكتب الإسرائيلية بنفسي إذا وجدت أيّاً منها في مكتبات في مصر.

فاروق حسني لم يحرق الكتب الإسرائيلية، بل أحرق أخر ذرة كرامة للأمّة العربية من محيطها إلى خليجها، وأهان الشعب المصري العظيم، الذي ضحى بالكثير من أجل قضية العرب الأولى، فلسطين، وبالتالي كنا نتمنى عليه أن يتنازل عن اليونيسكو لصالح المقدسات التي تنتهكها إسرائيل يومياً في فلسطين، كما كنّا نتمنى عليه أن يحذو حذو السويد ويرفض الانصياع للإملاءات الإسرائيلية.

"
عندما يسأل العرب: لماذا العالم لا يحترم الأمّة العربية؟ لا بدّ من الرد بصراحة متناهية: إذا كان العرب لا يحترمون أنفسهم، فبأيّ حقٍ يطالبون الآخرين باحترامهم؟
"
وهذه مناشدة لكل ناطق بالضاد أن يعمل على فضح هذه الممارسات المتواطئة مع الدولة العبرية، التي تنظر إلى العرب نظرة ازدراء واحتقار، وتتعامل مع الدول العربية من منطلقات عنصرية واستعلائية.

نحن لسنا ضدّ ترميم مقدسات الديانات السماوية، لا بل بالعكس، نشجع كل دولة على احترام مقدسات الغير، ولكن المأساة تكمن في أن نُجيّر ترميم المقدسات من أجل الحصول على رضاء الدولة العبرية ولتحقيق مكاسب سياسية، في الوقت الذي تتعرض فيه مقدساتنا لأبشع أصناف التخريب من قبل دولة الاحتلال.

القول الفصل: عندما يسأل العرب: لماذا العالم لا يحترم الأمّة العربية؟ لا بدّ من الرد بصراحة متناهية: إذا كان العرب لا يحترمون أنفسهم، فبأيّ حقٍ يطالبون الآخرين باحترامهم؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك