منير شفيق

ما حدث للعراق وفي العراق منذ الاحتلال الأميركي لهذا البلد كان كارثيا على شعبه ووحدته ودوره، وحتى على هويته الأساسية العربية والإسلامية، إذ تجاوز عدد الضحايا الذين قتلوا أو عطبوا جسديا مليونا في أقل تقدير، وزاد عدد الضحايا الذين هاجروا من العراق على ثلاثة ملايين، مع أن هنالك من يصر على أنهم خمسة ملايين إذا احتسب التهجير الداخلي والخارجي.

"
توقيع اتفاقية أمنية أو معاهدة عسكرية سياسية وأمنية إلى جانب جريمة الاتفاقية النفطية المقترحة، ينبغي له أن يدان بخيانة العراق والعرب والمسلمين، ويجب ألا يسمح به تحت أي ظرف من الظروف
"
أما الدمار وخراب البيوت، وتعطيل البنى التحتية وما نجم عن استفحال البطالة، وفقدان الأمن، وشيوع الفقر والحاجة إلى الرغيف، والخراب الاجتماعي، فحدث ولا تسأل.

وما حدث من انقسامات وأحقاد داخلية ذات طابع طائفي أو إثني، أو جهوي، أو ديني، فاق كل تصور من حيث أضراره الآنية والمستقبلية على وحدة العراق وهويته.

ولا يختلف الأمر عندما يفتح ملف الفساد وكيف استشرى إلى حد يضع العراق في مقدمة الفساد الحكومي والحزبي والفردي في العالم.

أما الأرقام المتعلقة بالنهب (ما يتجاوز الفساد) فلا مثيل لها في العالم سابقا وراهنا وربما لاحقا.

وباختصار شديد ما حدث للعراق وفي العراق كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ولا يستطيع أحد أن يخفف من الأرقام حتى لو نقصها إلى عشرها، لأن العشر يظل مهولا ومرعبا، ولا يترك مجالا للدفاع، بأي شكل من الأشكال، عن الاحتلال الأميركي للعراق وتداعياته.

ولا يستطيع أحد مهما قسا قلبه وعمي بصره ومات ضميره، وفقد بصيرته، ألا يعض أصابعه حتى تقطيعها ندما على ما أسهم به في جلب الاحتلال أو المساهمة في التعاون معه.

فما حدث للعراق وفي العراق جعل فترة الاحتلال الأميركي كلها شرا مطلقا، وكارثة دونها كارثة القنبلتين النوويتين اللتين ألقيتا على ناغازاكي وهيروشيما، وبيد صاحب الاحتلال نفسه.

ومن هنا تعجب إذا وجدت -حتى بين المحايدين من داخل العراق أو خارجه- من يطالب ببقاء قوت الاحتلال ويخشى على العراق من رحيلها لئلا يحدث أسوأ مما حدث حتى الآن.

ولكن العجب العجاب أنهم كثر أولئك الذين يتبنون تلك الخشية سواء أكان عن نية مبيتة أم عن نية صادقة، أم عن جهل في التقدير، لأن ما حدث لا يمكن أن يحدث أسوأ منه حتى لو دخل العراق في حرب أهلية، أو لم ينتقل انتقالا سلسا من حالة الاحتلال إلى حالة الوحدة والحفاظ على هويته العربية والإسلامية.

إن نقطة الانطلاق في خروج العراق من الكارثة تبدأ برحيل قوات الاحتلال، وإبعاد أميركا عن التدخل إبعادا كاملا، لأن السبب الأول، والأكبر دورا، في ما حدث للعراق وفي العراق يرجع إلى الاحتلال الأميركي وسياسته طوال خمس سنوات ونيف حتى الآن، من دون إعفاء من يتحملون مسؤولية بهذا القدر أو ذاك.

ولهذا فإن رحيل القوات فورا، وبلا قيد أو شرط، سيفتح آفاق الحل حتى لو بدا أن ثمة مخاطر كبيرة قد تنشأ مع الفراغ الذي سيحدثه ذلك الرحيل.

فهذا الفراغ أفضل من الامتلاء الذي يمثله الاحتلال الأميركي الصهيوني للعراق. وإضافة عبارة الصهيوني الإسرائيلي كلما ذكرت إدارة بوش ليس بتجن ولا افتئات، وذلك بسبب التماهي بينها وبين المشروع الإسرائيلي. وهذا ما حسمه نهائيا خطاب بوش في الكنيست حيث بدا غلاة الصهيونية من أعضاء الكنيست معتدلين أمام بوش أو لاهثين وراءه.

على أن الأعجب من الذين يخافون على العراق من رحيل القوات الأميركية هم أولئك الذين يريدون أن يوقعوا مع إدارة بوش اتفاقا أمنيا أو معاهدة أميركية عراقية أصبحت الآن مطروحة على الأجندة، وسرب بعض بنودها، وذلك لأن المعاهدة المقترحة تعطي للاحتلال حق الوجود في العراق لمدى مفتوح من السنوات أو ما يشبه تأبيد الاحتلال، ومن ثم تأبيد الكارثة وإعادة توليدها وتكريس ديمومتها.

"
يجب رفض المعاهدة حتى لو قيدت زمنيا، كما يحاول بعض الذين يطالبون بإدخال تعديلات عليها، لأن ذلك لن يغير من واقع تجاوز المدة المحددة عبر التجديد
"
إن توقيع اتفاقية أمنية أو معاهدة عسكرية سياسية وأمنية إلى جانب جريمة الاتفاقية النفطية المقترحة ينبغي له أن يدان بخيانة العراق والعرب والمسلمين، ويجب ألا يسمح به تحت أي ظرف من الظروف.

ومن ثم لا بد من أن ترفع اليقظة وتتوحد الجهود لمنع حدوث ذلك لا فيما يتعلق بالقواعد العسكرية، ولا في ما يتعلق بالاتفاقية النفطية فحسب، وإنما أيضا في كل كلمة أو بند تحتويه الاتفاقيات التي تبرم تحت الاحتلال.

وعبثا يحاول الذين راحوا يدورون ويلفون لتمرير الاتفاق بعد فضيحة انكشافه بالقول إن الموضوع مازال تحت التفاوض فلماذا تتعجلون الحكم على اتفاقية لم تقرؤوا كل بنودها، أو لم يتفق عليها بعد.

ومثل هؤلاء من يريدون إنامة اليقظة لتمرير الاتفاقيات تحت الادعاء بأنهم يتحفظون على بعض البنود التي تمس السيادة أو تناقض مصالح العراق أو يتعهدون بعدم تهديدها لأمن جيران العراق.

يعني أنهم موافقون على مبدأ عقد المعاهدة والاتفاقية النفطية وبقاء قوات الاحتلال تحت مظلة المعاهدة أو الاتفاقية، كأن الاحتلال يتغير جوهره إذا استمر بعد مفاوضات مع الحكومة وأخذ توقيعها على معاهدة، وهي فاقدة للشرعية بوجوده أصلا.

وبالمناسبة كل الاحتلالات الاستعمارية دخلت في هذا المسار بما في ذلك الاحتلال الاستعماري البريطاني الذي كرس وجوده بتوقيع معاهدة.

والكل يذكر كم كلفت تلك الاتفاقية العراقيين من تضحيات حتى مزقوها، علما بأن الغزو البريطاني للعراق واحتلاله، ثم استعماره ونهبه، بما في ذلك التهيئة لإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين يظل أقل كثيرا مما فعله الاحتلال الأميركي، أو مما يترتب لو عقدت معاهدة أو اتفاقية أمنية وأخرى نفطية كما تفاوض حكومة المالكي وترحب إدارتا البارزاني والطالباني وبقية الشركاء.

والدليل ما حدث في العراق وللعراق خلال الأعوام الخمسة الماضية. فالحكم على المعاهدة أو أي اتفاقية لا يحتاج إلى قراءة بنودها أو الدخول في التفاصيل، لأن من يفاوض على تلك المعاهدة والاتفاقيات هو الاحتلال الأميركي أولا ومن يحكمون في ظل الاحتلال ثانيا.

فكيف يخرج من هؤلاء غير الذي كان في إنائهم طوال المرحلة السابقة، وإذا كان من اختلاف فهو الانتقال من حالة الاحتلال إلى محاولة شرعنته، أو الانتقال من حالة التبعية المفروضة بالقوة، إلى تبعية بالإرادة والاختيار. هذا مع تفاقم حالة الكارثة وديمومتها من تقتيل، وتجزيء وفتن وفوضى وتهجير ونهب وفساد وفيدراليات.

حقا، إن الاعتراض على عقد معاهدة أميركية عراقية تنظم وضع قوات الاحتلال ينبع من كونه تكريسا للاحتلال وإدامة له، وأما الاعتراض على اتفاقية أمنية مع القوات الأميركية، فلأنها تكرس الفوضى وانعدام الأمن، وكذلك فإن الاتفاقية النفطية تعني الإيغال أكثر في نهب ثروات العراق والفساد البليوني، وليس المليوني، ومن المعنيين أنفسهم خلال السنوات الخمس الماضية.

"
تشكيل جبهة من السنة والصدريين وجهات عراقية أخرى بدعم عربي إيراني تركي سيكون منطلقا ليس لإنقاذ العراق من هذه المعاهدة والاتفاقيات فحسب، وإنما أيضا من أجل فرض رحيل قوات الاحتلال بلا قيد أو شرط، فهي لا تستحق مكافأة على الكوارث التي أنزلتها بالعراق
"
وبكلمات أخرى، يجب أن يقوم الحكم على المعاهدة والاتفاقيات على البديهيات، وليس على الخوض في البنود والتفاصيل، وذلك بالرغم من أن ما تسرب لا يترك مجالا للشك في أنه تكريس للاحتلال ودوس على السيادة الوطنية وإعطاء صلاحيات لقوات الاحتلال للتحرك في العراق بحرية، وبشن عمليات عسكرية واعتقالات ومداهمات, دون محاسبة أحد من أفرادها حتى لو ارتكب جريمة فردية لا علاقة لها بالسياسة.

هذا ويجب رفض المعاهدة حتى لو قيدت زمنيا، كما يحاول بعض الذين يطالبون بإدخال تعديلات عليها، فهذا لن يغير من واقع تجاوز المدة المحددة عبر التجديد وهكذا، لأن المعاهدة ستفرض لاحقا حكومات أسوأ من التي فرضها الاحتلال قبل ذلك، وهو ما تؤكده تجارب الاحتلال (الاستعمار) التي انتهت بتوقيع معاهدات، بما في ذلك التجربة العراقية نفسها 1920–1958.

إن البيانات الصادرة عن القيادات الشيعية والسنية المعتبرة ولاسيما من قبل هيئة علماء المسلمين والتيار الصدري وغيرهما في الحسم برفض ما يجري من مفاوضات بين قوات الاحتلال وحكومة المالكي بهدف التوصل إلى معاهدة عسكرية سياسية أمنية وأخرى نفطية، يضع العراق أمام مرحلة جديدة هي تشكيل أوسع جبهة من مختلف مكونات الشعب العراقي الاجتماعية والسياسية إلى جانب قوى المقاومة من أجل الحيلولة دون توقيع هذه الاتفاقيات. وإذا حصل فمن أجل الإطاحة بها قبل أن ترى النور.

إن تشكيل مثل هذه الجبهة وبدعم عربي إيراني تركي سيكون منطلقا ليس لإنقاذ العراق من هذه المعاهدة والاتفاقيات فحسب، وإنما أيضا من أجل فرض رحيل قوات الاحتلال بلا قيد أو شرط، فهي لا تستحق مكافأة على الكوارث التي أنزلتها بالعراق.

بل يمكن أن يتحول الفرز في المعركة ضد المعاهدة والاتفاقيات آنفة الذكر إلى أساس تبنى عليه وحدة شعب العراق التعددية والتوافقية والعادلة مع تكريس استقلاله وسيادته وهويته العربية والإسلامية واستعادة دوره العربي والإسلامي وفي العالم الثالث.

وبهذا تسقط كل المخاوف التي تخشى على مستقبل العراق بعد رحيل قوات الاحتلال، فعوامل وحدة الشعب العراقي وتجاوز الفتنة المذهبية السنية الشيعية كما العربية الكردية، مازالت كامنة وقادرة على أن تصبح هي الغالبة.

وكذلك عوامل التضامن والتعاون الإيراني التركي العربي لأن في ذلك مصلحة عليا للجميع فيما الضد شر على الجميع.

وأخيرا وليس آخرا إن بمقدور تلك الجبهة أن تفرض انسحابا على قوات الاحتلال بلا قيد أو شرط. فالوضع الدولي الراهن وما تواجهه أميركا من ضعف وارتباك وانقسام داخلي حول العراق، إلى جانب ما يعانيه الكيان الصهيوني من تدهور وتراجع وأزمة يسمح بهذا الاختراق.

فكيف يجوز أن تقدم لإدارة بوش هدية المعاهدة والاتفاقية النفطية؟ أو بصورة أدق كيف تترك حكومة المالكي لتعبث بمستقبل العراق وأمن المنطقة بالتوقيع على المعاهدة والاتفاقية النفطية.

فهذه القضية لا تهم العراقيين وحدهم وإنما تهم العرب والمسلمين، فلا عذر لأحد في ألا يعلن رفضه لها ومعارضته لتوقيع أي اتفاقية في ظل الاحتلال حتى لو كان من بين بنودها الانسحاب، لأن ما ستحمله من شروط ستبقى الهيمنة في مقابله، فالانسحاب يجب ألا يكون مشروطا ولا يتم من خلال معاهدة أو اتفاقية.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك