الكاتب عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

على مدى سنوات، تسافر السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في نيويورك لتحصل على اعتراف بما تشتاق إلى تحقيقه وهو الدولة الفلسطينية المستقلة. وفي كل سنة تعود بخفي حُنيْن، لتستعد لجولة جديدة في العام القادم. الأمم المتحدة لم تعترف بعد، والشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لم يستقل، والتقارير الإعلامية تبقى تكرر نفسها، ولا يبدو أن اليأس سيصيب السلطة.

ظن العرب عام 1973 أن الأمم المتحدة ستعالج القضية الفلسطينية، واستنفروا قواهم مع الاتحاد السوفياتي، وحصلوا لمنظمة التحرير على عضو مراقب في دورة الأمم المتحدة عام 1974، لكن ذلك لم يغير شيئا من حياة الشعب الفلسطيني، ولم يتدحرج للخروج بحل نهائي للقضية. ومنذ ذلك الحين، ولسان حال المسؤولين الفلسطينيين يقول "يمكن تصيب هذه المرة".

الأمم المتحدة وتقسيم فلسطين
قررت عصبة الأمم عام 1922 تقسيم بلاد الشام إلى أربع إقطاعيات من أجل تمزيقها وإضعافها وتحويل فلسطين إلى وطن قومي للصهاينة. ولهذا نص صك الانتداب الذي منح لبريطانيا على فلسطين على ضرورة أن تلتزم هذه الدولة بوعودها الدولية تجاه اليهود، أي أن تنفذ ما عرف تاريخيا بوعد بلفور الصادر عن وزير خارجية بريطانيا باسم حكومة جلالة الملك، والموجه إلى روتشيلد أحد أثرياء اليهود الفرنسيين.

جاءت الأمم المتحدة لتكمل مشوار عصبة الأمم فقررت عام 1947 تقسيم فلسطين إلى سبعة أجزاء تشمل دولتين إحداهما يهودية والثانية عربية، ومنطقة مدولة. وكان نصيب الدولة العربية حوالي 44% من مساحة فلسطين الانتدابية.

شاهدت الأمم المتحدة عام 1948 عملية تشريد الفلسطينيين، وتوسع الصهاينة ليسيطروا على نحو 77% من الأرض، ولم تصنع شيئا إلا من قرار شبه عقيم وهو القرار 194 الذي طالب إسرائيل بالسماح بعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم في أقرب وقت ممكن وتعويض من يرفض العودة

رفض العرب قرار التقسيم الذي وافقت عليه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في حينه، وقبله الصهاينة.. قامت دولة الصهاينة، ولم تقم دولة العرب.

شاهدت الأمم المتحدة عام 1948 عملية تشريد الفلسطينيين، وتوسع الصهاينة ليسيطروا على نحو 77% من الأرض، ولم تصنع شيئا إلا من قرار شبه عقيم وهو القرار 194 الذي طالب إسرائيل بالسماح بعودة الفلسطينيين إلى بيوتهم في أقرب وقت ممكن، وتعويض من لا يريد العودة.

النقطة هنا أن الأمم المتحدة اعترفت بإسرائيل على أرض أكبر مساحة مما خصصه قرار التقسيم، ولم تشترط الاعتراف مع العضوية بعودة الفلسطينيين وإقامة الدولة العربية.

وبهذا كانت الأمم المتحدة شريكا في تشريد الشعب الفلسطيني، وأداة بيد القوى الاستعمارية المتآمرة على فلسطين، وبعد ذلك سلمت الأردن جزءا مما تبقى من فلسطين لترفع مساحة إسرائيل بنحو 1%.

إعلان دولة فلسطين
في المقابل، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في غزة عام 1948 فلسطين دولة مستقلة، وشكل حكومة عموم فلسطين التي كانت حكومة نيابية برئاسة أحمد حلمي عبد الباقي. لم يعترف الفلسطينيون بدولة الصهاينة، ولا بقرار الأمم المتحدة.

ثم جاء إعلان آخر لقيام دولة فلسطين عام 1988، ولكن وفق قرار التقسيم المشار إليه، أي على 44% من الأرض، والذي تحتفل به السلطة الفلسطينية كل عام يوم 15نوفمبر/تشرين الثاني.

السلطة تقلّص المساحة المطلوبة
تحاول السلطة الفلسطينية الحصول على اعتراف بدولة من الأمم المتحدة بشقيها مجلس الأمن والجمعية العامة على مساحة جغرافية أقل مما نصت عليه المواثيق الفلسطينية المختلفة. وفشلت في تحقيق إنجاز داخل مجلس الأمن، ومن المحتمل جدا أن تنجح في الجمعية العامة إذا ما قررت الاستمرار في البحث عن تصويت.

وتطالب السلطة الآن باعتراف دولي بدولة فلسطينية غير عضو في الأمم المتحدة على نحو 22% من مساحة فلسطين الانتدابية، أي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

يبدو أن السلطة تدخل في تنازلات على مساحة فلسطين، وتقلصها على هواها دون أخذ رأي الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده. إنها تتنازل عن قرار إعلان الدولة لعام 1948، وعن النسبة التي حددها إعلان الاستقلال عام 1988، وعن كل قرارات المجلس الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية الصادرة على مدى سنين، وكأن فلسطين بلد مترامي الأطراف ويتحمل مثل هذه التنازلات التي لا تخضع لمعايير المشاركة الشعبية.

التمسك بقرارات الأمم المتحدة
إذا لم يكن هناك مفر من التمسك بقرارات الأمم المتحدة مثل قراري مجلس الأمن 242 و338، فلماذا لا يتم التمسك بقرار التقسيم الذي يعطي الفلسطينيين 44% من مساحة الأرض؟ أليست المطالبة بتطبيق قرار التقسيم أسهلَ على السلطة الفلسطينية من استصدار قرار جديد يؤثر سلبا على مكانة وقانونية القرار السابق؟

إذا كان الشعب الفلسطيني غير قادر على تجديد شبابه وثورته، فإنه من الصواب المطالبة بتنفيذ ما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة.. صحيح أن الفلسطينيين رفضوا القرار في حينه، لكن رفضهم لم يؤثر على قانونية القرار من زاوية ما تسميه السلطة بالشرعية الدولية.

إذا لم يكن هناك مفر من التمسك بقرارات الأمم المتحدة مثل قراري مجلس الأمن 242 و338، فلماذا لا يتم التمسك بقرار التقسيم الذي يعطي الفلسطينيين 44% من مساحة الأرض، وإذا كان الشعب غير قادر على تجديد شبابه وثورته، فإنه من الصواب المطالبة بتنفيذ ما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة

لقد وافقت الدول الكبرى في حينه على القرار، ومن الممكن العمل عندها لإقناعها باحترام "الشرعية"، علما بأنه من المحير أن تطلب السلطة قرارا جديدا يلغي ما قدمته الجمعية العامة للشعب الفلسطيني سابقا.

من ناحية أخرى، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 قرارا بالاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وهو قرار أهم بكثير من قرار الاعتراف بالدولة.

حق تقرير المصير يشمل كل الشعب الفلسطيني في كل مكان، ويشمل عودة اللاجئين الفلسطينيين، وأيضا الاختيار بين إقامة دولة أو الوحدة مع دولة عربية أخرى. أما قرار الاعتراف بالدولة يشمل الناس في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يشتمل على حق اللاجئين بالعودة، ويجعل من الضفة الغربية وقطاع غزة كلَّ فلسطين.

فإذا كان قرار الأمم المتحدة مهمًّا إلى هذه الدرجة التي تركز عليها السلطة الفلسطينية، فإنه من الأجدى المطالبة بتنفيذ قرار حق تقرير المصير.

تجاوز تمثيل منظمة التحرير
ربما تظن السلطة الفلسطينية أن اعتراف الجمعية العامة بدولة فلسطينية غير عضو سيؤدي إلى تمثيل الفلسطينيين مرتين في الأمم المتحدة، فمنظمة التحرير ممثلة في الجمعية العامة كمراقب منذ عام 1974، وهي تمارس عملها الاعتيادي بتمثيل كل الشعب الفلسطيني.

فهل يؤدي اعتراف الجمعية العامة بدولة غير عضو إلى إعطاء هذه الدولة مكانة شبيهة بمكانة الفاتيكان مع الإبقاء على مكانة منظمة التحرير؟ لا أعتقد أن هذا سيحصل، لكن عدم حصوله، واستبدال منظمة التحرير بالدولة المعترف بها، سيؤدي إلى تقليص تمثيل الشعب الفلسطيني.

نظريا، منظمة التحرير تمثل كل الشعب الفلسطيني، وإنهاء دورها لصالح السلطة سيعني أن التمثيل سيقتصر فقط على الناس في الضفة الغربية وغزة، أي أن السلطة تطالب بطرحها هذا بتقليص المساحة الجغرافية من 44 إلى 22%، وتقليص التمثيل من 100% من الفلسطينيين إلى نحو 33%.

الأمم المتحدة والقوة
تم تطبيق الشق المتعلق بإقامة دولة اليهود وفق قرار التقسيم، لأن الدول القوية كانت تؤيد قيامها على الرغم من أن قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة. القوة هي التي تقرر، والأطر الشرعية عبارة عن أدوات لإضفاء الشرعية على سياسات الأقوياء.

ولهذا لم تطبق إسرائيل قرار مجلس الأمن رقم 425 على الرغم من أنه ملزم. لم يمتلك العرب قوة حتى الآن لفرض عمل تنفيذي على الأمم المتحدة، ولن يتمكنوا من ذلك إلا بعد أن توقن الأمم القوية أن لا مجال أمامها إلا التنفيذ.

أعلن الفلسطينيون دولتهم عام 1948 ولم يعترف بها أحد. وبدل أن تساند الدول العربية قرارهم وتدعمه، أرسلت مصر بطلب الحاج أمين الحسيني -كبير القادة الفلسطينيين آنذاك- واحتجزته، وأرسلت قواتها إلى غزة واعتقلت أعضاء الوزارة الفلسطينية وساقتهم إلى القاهرة.

التاريخ يشهد أن الأمم المتحدة ليست أداة الأمم في إقامة السلام والعدل، وإنما هي أداة الأقوياء في فرض رؤاهم لما يجب أن يكون عليه السلام والعدل.

ولهذا على السلطة الفلسطينية أن تبحث لنفسها عن مصادر قوة قبل أن تذهب إلى الأمم المتحدة، وإلا فإنها تهدر وقتها وجهودها وتستنزف الشعب الفلسطيني بمواد إعلامية مضللة لا طائل منها.

هناك قضايا لا بد أن تهتم بها السلطة الفلسطينية مثل الفساد والتنسيق الأمني وملاحقة سلاح المقاومة، والاستيطان وتهويد القدس، والاعتداء على الفلاحين، وتدمير البيوت والقرى، واللاجئين ومآسي الفلسطينيين الذين يتم تهجيرهم من بلدان عربية، والاقتصاد الفلسطيني.. إلخ

ربما تظن السلطة الفلسطينية أنها تستطيع استدرار عطف الولايات المتحدة التي يمكن أن تضغط على إسرائيل وتوافق على إقامة كيان فلسطيني من نوع ما.

لكن هذا الظن بخرته الأيام و24 عاما مرت منذ عام 1988، عندما قررت منظمة التحرير الاعتراف بإسرائيل دون إحراز أي تعاطف.

ومن المفروض أن هذا الظن غير موجود لأن صاحب اليد السفلى لا يستطيع استدرار عواطف صاحب اليد العليا إلا إذا بدأ يشعر بكرامته وعزة نفسه، وما دامت السلطة تنتظر رواتبها من الذين تطلب منهم الدولة فإن الدولة تبقى مجرد أوهام.

هذا علما بأن المساعدات المالية لا تندرج تحت عنوان التعاطف، وإنما تحت عنوان شراء القضية الفلسطينية وتصفيتها.

طبخ الحجارة
تعج الضفة الغربية وقطاع غزة بالكثير من القضايا الهامة والجوهرية التي يمكن أن تهتم بها السلطة الفلسطينية وتعالجها من أجل تحسين الوضعين الآني والإستراتيجي للشعب الفلسطيني، وهي أهم بكثير من الجري السنوي إلى الأمم المتحدة.

هناك قضايا الفساد التي تسلم ملفاتها للجنة من حركة فتح ولا تعمل إعلاميا، وقضايا التنسيق الأمني وملاحقة سلاح المقاومة.

وهناك قضايا الاستيطان وتهويد القدس، والاعتداء على الفلاحين، وتدمير البيوت والقرى، وقضايا اللاجئين ومآسي الفلسطينيين الذين يتم تهجيرهم من بلدان عربية، وقضايا وحدة الشعب وإعادة بناء المقاومة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني.. إلخ. هذه قضايا ملحة ومهمة جدا، وبدون معالجتها سيستمر الوضع الداخلي الفلسطيني بالتدهور، والتوجه نحو مزيد من الضعف في مواجهة الصهاينة.

الظاهر أن الذهاب إلى الأمم المتحدة عبارة عن هروب من المسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وأن القيادة الفلسطينية تحاول الهروب من واقعها وعجزها وعدم رغبتها في البحث عن مخارج لهموم الشعب بالتجول عبر العالم، سعيا وراء قرار لن يغير من وضع الشعب الفلسطيني شيئا، وهي بذلك تشبه الأم التي حاولت تصبير أبنائها على الجوع عبر إيهامهم بأنها تطبخ شيئا، في حين أن الحِلّة تمتلئ بالحجارة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك