خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية

باشر الغرب بقيادة الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة باستثمار انهيار الاتحاد السوفياتي ومحاولة تكريس وتعميم وفرض قواعد سلوك النموذج الغربي على مستوى العالم. استند المشروع على دعامتين هما الرأسمالية متمثلة باقتصاد السوق الحر والليبرالية المتمثلة بوصفة الديمقراطية الغربية ومنظومة حقوق الإنسان من وجهة نظر الغرب ويؤسس من خلالها نظام وحيد لحقوق الإنسان يتجاوز الخواص القومية والإقليمية والخلفيات التاريخية والدينية والثقافية المختلفة لبقية الوحدات الدولية.

لقد حددت الولايات المتحدة بكل وضوح المسارات التي يجب على العالم أن يتبعها بعد الحرب الباردة, ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الخطاب السنوي للرئيس الأميركي جورج بوش الذي ألقاه عن حالة الاتحاد في يناير/كانون الثاني 1990 في الكونغرس، حيث قال (إن الولايات المتحدة الأميركية تقف على أبواب القرن الحادي والعشرين، ولا بد أن يكون هذا القرن الجديد أميركيا بقدر ما كان القرن الذي سبقه قرنا أميركيا).

الرئيس بوش قال في العام 1990 إن بلاده تقف على أبواب القرن الواحد والعشرين ولا بد أن يكون هذا القرن الجديد أميركيا بقدر ما كان القرن الذي سبقه, وهو ما طبق في الصومال وأفغانستان والعراق 

وهذا ما طبق من خلال استخدام كل الوسائل ابتداء من القوة العسكرية المباشرة كما حصل في الصومال وأفغانستان والعراق، إلى توظيف منظمات الأمم المتحدة غطاء لإضفاء الشرعية، وإلى وسائل كانت تعد لوقت قريب من آليات التعاون في العلاقات الدولية أو على الأقل من وسائل تحييد الدول في مواقفها بين المعسكرين المتصارعين، والمقصود بها المعونات والمساعدات الإنسانية وربطها بشروط اقتصاد السوق والنموذج الليبرالي، وكذلك تصميم وصفات جاهزة للأنظمة السياسية يعدها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لربط القروض المالية بمدى التناسق والانسجام مع قواعد النظام الدولي الجديد الذي بشر به القادة والمنظرون الغربيون بعد الحرب الباردة وشرطا للقبول بالدول في عضوية المجتمع الدولي.

ثمة انتقادات وجهتها كثير من دول العالم لما يحمله هذا الاتجاه من مقاصد تفتيتية مغرضة تستهدف كيانات الدول وتدفع إلى مزيد من التشرذم بين الدول وتهديدا لاستقلالها السياسي ووحدتها الوطنية انسجاما مع تجليات العولمة ومؤسساتها الاقتصادية وكذلك الاستفادة من القدرات التكنولوجية المتفوقة في مجال الاتصالات والمعلومات لتحقيق الاختراق الثقافي بغية إضعاف المجتمعات وخلق المواطن العالمي (Universal Citizen) وإحلال المؤسسات العالمية لتحل محل الدولة القومية، وهو ما يفسح المجال للدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية للتفرد في تقرير أمور السياسة الدولية والهيمنة على الشعوب وتفتيتها بحجة تمكينها من ممارسة حقوقها.

وتكمن الخطورة في هذا الاتجاه والتحول ليس في رسم ملامحه من قبل الولايات المتحدة أو تبنيه من الدول الغربية بل في تبني المنظمة الدولية ومؤسساتها لهذا الاتجاه وتغليفه بالشرعية والقوانين الدولية، مما يعد تحولا كبيرا في مفاهيم سادت المرحلة السابقة للعلاقات الدولية قبل الحرب الباردة تخص تحولا في مفاهيم السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية والوحدة الوطنية.

تغيرت طبيعة الصراعات في العالم بعد الحرب الباردة حيث شهدت انتقالا من الصراعات الدولية إلى زيادة كبيرة في نسبة الصراعات الداخلية، وانسجاما مع ذلك وظف الغرب آليات جديدة يدار من خلالها الصراع بعد الحرب الباردة، هذه الآليات تتكامل جميعا باتجاه تفتيت الدول القومية وتوظيف المشاكل العرقية والإثنية التي لا تخلو أي دولة منها. وفي سبيل ذلك جرى تفسير مبدأ التدخل الإنساني (Humanitarian Intervention) تفسيرا سياسيا بحتا تتحكم فيه المصالح الغربية، إذ بدأ هذا المبدأ بعد انتهاء الحرب الباردة يفقد حدوده تدريجيا وقيمته بعد أن وظف آلية جديدة لإدارة المنظور الغربي بقيادة الولايات المتحدة، فأصبح بمنزلة أداة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول والمساس بسيادتها والضغط على الحكومات من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية لصالحها، وتحولت من آليات للتعاون وإشاعة مفاهيم السلام إلى أدوات للضغط والإكراه.

لقد أصبح مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان وكيفية تطبيقاتها أمرا ليس داخليا بل شأنا دوليا. وأضفت المنظمات الدولية الشرعية والغطاء الكافي لكي ينحى القانون الدولي ويتحول من حق الدول في عدم التدخل في شؤونها الداخلية إلى الحق في التدخل.

يتجسد مفهوم الحق في التدخل في أنه عملية ضغط وإكراه تمارسه منظمة دولية إقليمية، أو يأخذ شكل تحالف لجمع عدد من الدول أو حتى من جانب دولة واحدة فقط. بقصد إجبار الدولة المتدخل فيها على القيام بعمل ما، أو الامتناع عن القيام به أو العدول عن إجراءات معينة تعدها الدولة أو الدول المتدخلة إجراءات تعسفية ضد رعاياها المقيمين على أراضيها أو الأقليات الإثنية من مواطنيها. كما يعد الحق في التدخل سلوكا خارجا عن المألوف يكون هدفه المعلن أغطية وشعارات إنسانية وأمنية وبيئية تغلف جميعها آليات إدارة الصراع الدولي التي تشكل حقيقة الهدف من وراء التدخل، وهو تحقيق مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية.

الحق في التدخل يعد سلوكا خارجا عن المألوف يكون هدفه المعلن أغطية وشعارات إنسانية وأمنية وبيئية تخفي الهدف من وراء التدخل وهو تحقيق مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية

ومن هنا يمكن بعد التحليل للمفهوم الجديد الذي يجري ترسيخه قانونيا للتدخل الإنساني ومقارنته بمفهوم آخر قد تحددت ملامحه، وهو تعريف العدوان Aggression الذي حدده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المرقم 3314 عام 1974 في دورتها 29 (استخدام القوة المسلحة من جانب دولة ضد سيادة دولة أخرى ووحدتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي أسلوب آخر يتناقض وميثاق الأمم المتحدة).

يمكن وصف ثلاثة نماذج من التدخلات في الشؤون الداخلية جرت بعد الحرب الباردة:

أولا: ظهر توجه لدى الأمم المتحدة مدعوم من الولايات المتحدة للتدخل في أمور كانت تعد في السابق من صميم الاختصاص الداخلي للدول، سواء كان ذلك لاستعادة الديمقراطية وفقا للمنظور الغربي في دولة ما، أو للإشراف على تحول ديمقراطي أو كان ذلك لحسم صراعات داخلية وتحقيق مصالحة وطنية داخل الدولة، أو لحل نزاعات ذات أبعاد إقليمية ودولية في آن واحد. وفيه ترتدي القوات العاملة تحت إمرة المنظمة الدولية القبعات الزرق وتستخدم المصفحات البيضاء.

ثانيا: تدخل الولايات المتحدة الأميركية المدعوم بشرعية الأمم المتحدة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت غطاء حماية حقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية أو أن الوضع الإنساني في هذه الدولة يهدد السلم والأمن الدوليين. ويتم ذلك بقوات ترتدي قبعات حرب ومصفحات مخصصة للقتال.

ثالثا: تدخل الولايات المتحدة ضمن حلف شمال الأطلسي بقرار من الولايات المتحدة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول بحجة حماية حقوق الإنسان، فحسب المفهوم الإستراتيجي الجديد لحلف شمال الأطلسي يتم التدخل، حسب تقدير دول الحلف، أي أنه لكل دولة من دول الحلف الحق في تقدير الأوضاع التي تراها تستوجب من الناحية الإنسانية التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى دون الحاجة إلى أن يستند هذا التدخل إلى شرعية الأمم المتحدة ولا سيما مجلس الأمن الدولي. وتكمن الخطورة في جعل حقوق الإنسان وحماية الأقليات مسوغا للتدخل الدولي في الشؤون الداخلية لدولة ما، هي في استخدامه منفذ من منافذ المساس بالسيادة الوطنية واستغلال الجوانب السلبية لحقوق الإنسان في الدولة المستهدفة لمصالح سياسية لدولة مهيمنة أخرى.

خطورة التدخل الإنساني تكمن في استخدامه منفذا من منافذ المساس بالسيادة الوطنية واستغلال الجوانب السلبية لحقوق الإنسان في الدولة المستهدفة لمصالح سياسية لدولة أخرى

والآلية المستخدمة في هذا الجانب تتم من خلال القيام بالتشهير ببعض الدول في ميدان حقوق الإنسان ونشر معلومات مركزة عن أوضاع حقوق الإنسان لفئات سكانية محددة في دولة ما بصورة مبالغ فيها، ويدار هذا النوع من الصراعات في ساحة المنظمات غير الحكومية الدولية التي تعتمد تقاريرها وتقدم كمشاريع قرارات ضد الدولة المستهدفة ويتم التركيز على هذا الهدف بغية إثارة اهتمام الرأي العام العالمي وجذب اهتمامه مما يخلق جوا من التوتر في علاقة هذه الدولة ببقية الدول هذا من جانب وفي علاقة الدولة نفسها بالأقليات ذات الصلة بالموضوع، مما يؤدي إلى تصاعد الأزمات بل الحروب الأهلية، الأمر الذي يفسح المجال أمام الولايات المتحدة أو الدول الغربية الأخرى للتدخل تحت مسوغ حقوق الإنسان وحماية الأقليات مستخدمين الشرعية الدولية التي توفرها قرارات الأمم المتحدة التي تحث على ضرورة ممارسة الأقليات لحقها في تقرير المصير بإنشاء كيان خاص يقتطع من السيادة الوطنية للدول، وهذه أخطر آلية تستخدم بها حقوق الإنسان وحماية الأقليات. إنها بصورة أخرى إعادة هيمنة الدول الكبرى على مجالها الحيوي القديم من خلال استخدام وسائل جديدة.

ما سبق يقود إلى أن الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية تحاول استخدام آلية حقوق الإنسان وحماية الأقليات تحت واجهة التدخل الإنساني من حيث كونها آلية لسحب خيوط النسيج الوطني لكل دولة لا تنتهج طريقها ومشروعها، وذلك تكاملا وانسجاما مع الآليات الأخرى السياسية والاقتصادية والعسكرية واتخاذ الأمم المتحدة وأجهزتها الفرعية من أجل إيجاد التبريرات المقنعة والمقننة داخليا وخارجيا لتمرير حق التدخل الإنساني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك