شعار منظمة التجارة العالمية

بقلم/ د. صباح نعوش*

- مؤتمر الدوحة والمؤتمرات السابقة
- منظمة التجارة من الصراع إلى التوفيق

شعار منظمة التجارة العالمية على الإنترنت
المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية هو أول اجتماع دولي كبير انعقد بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول. فقد تأجلت مؤتمرات أخرى، كالاجتماع السنوي المشترك لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومؤتمر الفاو وقمة الفرانكوفونية. كما أنه المؤتمر الأول للمنظمة الذي أطلق جولة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف بهدف معالجة ركود الاقتصاد العالمي. وقد اتسم بتنسيق مواقف البلدان النامية للمشاركة الفاعلة في تنظيم التجارة العالمية، الأمر الذي يفسر مناقشة موضوعات واتخاذ قرارات جديدة لصالحها كالسماح لها بإنتاج الأدوية البديلة. ويسجل المؤتمر مرونة عالية في المواقف مما أسهم في مواجهة المشاكل المعقدة بحلول توفيقية.

مؤتمر الدوحة والمؤتمرات السابقة

يختلف المؤتمر الوزاري الرابع المنعقد بالدوحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 عن المؤتمرات السابقة (سنغافورة 1996 وجنيف 1998 وسياتل 1999) من عدة جوانب تتعلق بالتنظيم والإعداد وجدول الأعمال والهدف والنتيجة.

  • من حيث التنظيم: تمت إدارة الجلسات بحنكة واحترام لمواقف جميع الدول الأعضاء.
    المدير العام لمنظمة التجارة العالمية
    -
    لقد كانت المؤتمرات السابقة مسرحا لعرض وجهات نظر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. أما أصوات البلدان النامية فكانت خافتة ومهملة، رغم أنها تشكل أكثر من ثلاثة أرباع عدد أعضاء المنظمة. وقد أعطى رئيس المؤتمر فرصة لجميع الوفود لبيان مواقفها والدفاع عن مصالحها. لذلك لم يكتف المدير العام للمنظمة في نهاية الجلسات بعبارات الشكر للرئيس التي تقتضيها التقاليد الدبلوماسية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما صرح بأن مؤتمر الدوحة هو المؤتمر الأول للمنظمة الذي سمح لجميع الأعضاء بإبداء وجهات نظرهم.
    - وقد تعاملت دولة قطر مع المنظمات المناهضة للعولمة بأسلوب حضاري، فهذه المنظمات تعارض الوجه السيئ لتحرير التجارة العالمية الذي يؤثر سلبيا على الثقافات العريقة. فإذا كان الفرنسيون مثلا يرفضون العولمة الثقافية كيف يمكن للعرب والمسلمين قبولها؟ أضف إلى ذلك أن هذه المنظمات تدعو إلى مواجهة المشاكل التي تعاني منها البلدان النامية كالفقر والديون الخارجية، لذلك كان من اللازم دعوتها بل وإقامة تحالفات معها.
  • من حيث الإعداد: كان التحضير غير الملائم من الأسباب التي أدت إلى فشل مؤتمر سياتل، ولمعالجة هذه المشكلة نظمت عشرات الاجتماعات على مستوى الوزراء والخبراء لتقريب وجهات النظر تمهيدا لمؤتمر الدوحة. وظهرت تجمعات في الدول النامية تنتقد جوانب عديدة من النظام التجاري العالمي وتقدم مقترحات لمعالجتها.
    - فقد اجتمع الوزراء العرب عام 2001 بالقاهرة وبيروت، وأعلنوا عن موافقتهم على خوض جولة جديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف، شريطة أن يوافق مؤتمر الدوحة على آلية لتنفيذ الالتزامات الناجمة عن جولة أورغواي، كما أكدوا على ضرورة مشاركة الدول النامية والعربية في صنع القرار داخل منظمة التجارة العالمية، وتطالب الأقطار العربية بإدراج النفط في المفاوضات التجارية وفتح أسواق الدول الصناعية أمام الصادرات العربية، خاصة المنتجات الزراعية والبتروكيمياويات.

    لقد تعزز مركز البلدان النامية بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية فالصين ليست قوة بشرية فقط بل تحتل أيضا مكانة تجارية مرموقة إذ يسجل ميزانها التجاري فائضا خاصة مع البلدان الصناعية الكبرى وتبلغ صادراتها حوالي 190 مليار دولار أي ضعف مجموع صادرات دول مجلس التعاون الخليجي
    - واستطاعت أفريقيا التي تضم 40 دولة عضوا في منظمة التجارة العالمية توحيد مواقفها للدفاع عن مصالحها. وبفعل استعداداتها قدمت في الدوحة مقترحات محددة تعكس وجهة نظرها من النظام التجاري العالمي ورؤيتها في مسائل التنمية والفقر وفتح الأسواق الخارجية أمام منتجاتها السلعية وخدماتها إضافة إلى زيادة التعاون التكنولوجي والسماح للدول بالحصول على الدواء بأسعار رخيصة لمعالجة مرض الإيدز وأمراض سوء التغذية. كما انتقدت مسودة إعلان الدوحة (تقرير المنظمة للمؤتمر) مطالبة بمشاركتها في اتخاذ القرارات.
    - ونظم البنك الإسلامي للتنمية ثلاثة اجتماعات لتنسيق مواقف البلدان الإسلامية وقدم مقترحات لا تختلف كثيرا عن مطالب الدول العربية والأفريقية.
    - وتعزز مركز البلدان النامية بانضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. فالصين ليست فقط قوة بشرية بل تحتل أيضا مكانة تجارية مرموقة، إذ يسجل ميزانها التجاري فائضا خاصة مع البلدان الصناعية الكبرى. وتبلغ صادراتها حوالي 190 مليار دولار، أي ضعف مجموع صادرات دول مجلس التعاون الخليجي. وسيكون مركز البلدان النامية في المفاوضات القادمة أقوى من السابق، إذ لم تحصل الصين على العضوية بالدوحة إلا بعد مناقشات شاقة ومستمرة دامت 15 سنة، بمعنى أنها لا تقدم التنازلات دون الحصول على مكاسب.
    بفعل هذه العوامل لم يكن مؤتمر الدوحة حكرا على الخلافات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ولم يعد بالإمكان تنظيم التجارة العالمية من قبل الدول الصناعية لصالح نفس هذه الدول. وجاء مؤتمر الدوحة بداية لموازين أكثر تعقيدا لكنها أكثر عدالة. لأول مرة تم التركيز على التنمية التي شكلت القاسم المشترك للكلمات التي ألقيت في الجلسة الافتتاحية من قبل أمير قطر ورئيس المؤتمر وزير المالية والاقتصاد والتجارة القطري والمدير العام لمنظمة التجارة العالمية وممثل الأمين العام للأمم المتحدة.

  • ناقش مؤتمر الدوحة مشكلة حماية الصحة العامة خاصة حصول الدول النامية على الأدوية رخيصة الثمن (البديلة) وفي المؤتمرات السابقة تعثر هذا الملف بسبب تشبث الولايات المتحدة وكندا وسويسرا تحت ضغط شركات الأدوية الكبرى باتفاق حقوق الملكية الفكرية
    من حيث جدول الأعمال
    :
    تناقش المؤتمرات الوزارية مختلف الموضوعات المرتبطة بالتجارة الخارجية وتتخذ قرارات بشأنها، وهي عادة:
    - تجارة المنتجات الزراعية والصناعية - تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية.
    - كما تحاول التصدي للعقبات التي تحول دون تحرير التجارة العالمية كالقيود الكمية وسياسات مكافحة الإغراق.
    ولكن لم يقتصر مؤتمر الدوحة على هذه الموضوعات والعقبات بل تناول ملفات أخرى لم تعالجها المؤتمرات السابقة بصورة كافية، نذكر منها تلك التي تهم البلدان النامية وهي الصحة العامة والديون الخارجية والنفط.
    * وقد ناقش المؤتمر مشكلة حماية الصحة العامة خاصة حصول الدول النامية على الأدوية رخيصة الثمن (البديلة). وفي المؤتمرات السابقة تعثر هذا الملف بسبب تشبث الولايات المتحدة وكندا وسويسرا تحت ضغط شركات الأدوية الكبرى باتفاق حقوق الملكية الفكرية، وبحجة أن السماح للبلدان النامية بإنتاج أدوية بديلة لن يعالج مشاكلها الصحية وسيقود إلى هبوط الاعتمادات المالية المخصصة للبحوث العلمية.
    في الدوحة لم يعد الوفد الأميركي قادرا على التمسك برفضه القاطع نظرا للموقف الموحد للبلدان النامية الذي تسانده منظمة الصحة العالمية. أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مضطرة لإنتاج المضادات الحيوية لمعالجة مرض الجمرة الخبيثة المسجلة باسم شركة بايير الألمانية.
    * وتطرق المؤتمر إلى العلاقة بين التجارة وديون البلدان النامية وقرر تشكيل مجموعة عمل تحت رعاية المجلس العام للمنظمة لدراسة هذه العلاقة وتقديم تقرير عنها إلى المؤتمر الوزاري الخامس. لم تعد اتفاقات إعادة الجدولة في إطار نادي باريس كافية لمواجهة أزمة المدفوعات رغم إجراءات إلغاء بعض الديون. بات من اللازم تحسين مقدرة البلدان المدينة على سداد أصل وفوائد ديونها عن طريق زيادة صادراتها، ولا يتم ذلك إلا عن طريق فتح الأسواق أمام منتجاتها.
    * وظهرت بوادر جديدة لإدخال النفط في المفاوضات التجارية، وهذا مكسب مهم للبلدان النفطية حيث ستتمكن من الدفاع عن مصالحها بالمطالبة بتقليص الضرائب المرتفعة المفروضة على استهلاك المنتجات النفطية في الدول الصناعية الكبرى.
    * وعلى عكس ما حدث في المؤتمرات السابقة لم تثر بحدة مشكلة الحقوق الاجتماعية للعمل، وأصبح مقبولا لدى جميع الأعضاء أن منظمة التجارة العالمية ليست المؤسسة الوحيدة المختصة بهذه المشكلة، بل إنها أيضا وبصورة خاصة من صلاحيات منظمة العمل الدولية. وهذا مكسب آخر لصادرات البلدان النامية التي تتمتع بمقدرة تنافسية عالية بسبب هبوط مستوى الأجور فيها مقارنة بالدول الصناعية. الأمر الذي ينعكس على كلفة الإنتاج وبالتالي على أسعار المنتجات المصدرة.
  • محتجون يتظاهرون ضد العولمة خارج مركز انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالمية بالدوحة
    من حيث الهدف:
    يرمي مؤتمر الدوحة إلى الإعلان عن جولة جديدة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف، وهو بذلك يختلف عن مؤتمر سنغافورة ومؤتمر جنيف ويلتقي مع مؤتمر سياتل. ولكن لم يرد في مسودة إعلان الدوحة ما يشير إلى مثل هذا الهدف. كان المسؤولون بالمنظمة يصرحون بأن احتمال عدم موافقة الدول الأعضاء على إطلاق هذه الجولة لا يعني فشل مؤتمر الدوحة بل سيتوقف نجاحه على حل مشاكل تنفيذ اتفاقات أورغواي. وكانت المنظمة متأكدة من موافقة أعضائها على ضرورة إيجاد حل لهذه المشاكل، لكنها لم تكن واثقة من موافقة الدول النامية على خوض جولة جديدة، إذ تشير اجتماعات وزراء هذه البلدان إلى رفض هذه الجولة بسبب عدم توفر الظروف الملائمة. فلا يعقل البدء بجولة تاسعة ولم تنفذ الدول الصناعية ما تعهدت به في الجولة الثامنة، ولا يعقل خوض جولة جديدة ولم تنسجم بعدُ غالبية البلدان النامية مع مقتضيات الجولة القديمة.

    ترى هذه البلدان خاصة الهند وباكستان أن على الدول الصناعية الكبرى أن تزيد من فتح أسواقها أمام تجارة المنسوجات حسب جدول زمني يجب تحديده قبل الموافقة على جولة جديدة، في حين ترى الدول الصناعية أنه لا يمكن تثبيت هذا الجدول إلا من خلال جولة المفاوضات. انطلاقا من هذا التناقض في المواقف يصبح تصريح تلك المسودة بأن هدف مؤتمر الدوحة هو إطلاق جولة جديدة مجازفة خطيرة تؤدي إلى الحكم عليه بالفشل في حالة الرفض. وهذا ما حدث في مؤتمر سياتل الذي انعقد فقط من أجل جولة تاسعة للمفاوضات حسب ما جاء في مسودة الإعلان الخاصة به.
    أضف إلى ذلك أن احتمال عدم التوصل إلى اتفاق لا يعني فشل مؤتمر الدوحة فحسب، بل يعني أيضا عدم تمسك الدول الأعضاء بنظام المفاوضات متعددة الأطراف. عندئذ تصبح منظمة التجارة العالمية عديمة الجدوى، لأنها قامت أساسا على هذا النظام. لذلك ومن باب التريث لم تعتبر الجولة الجديدة هدفا لمؤتمر الدوحة على أن يتم التطرق لهذا الموضوع خلال فترة انعقاده، بهذه الطريقة سينجح المؤتمر أطلق أم لم يطلق هذه الجولة، لكن جميع الدول الأعضاء في المنظمة تعلم جيدا أن الهدف الأساسي لمؤتمر الدوحة هو معالجة فشل مؤتمر سياتل، ولا يتم ذلك إلا بالموافقة على جولة تاسعة.
    من حيث النتيجة، رغم تشابه هدف المؤتمرين الثالث والرابع فإن النتيجة مختلفة تماما، فقد أجمع المؤتمرون بالدوحة على إطلاق جولة تاسعة للمفاوضات التجارية. وهنالك أسباب عديدة أدت إلى هذه النتيجة أهمها تباطؤ النمو والمبادلات في العالم.

    لن يتجاوز معدل النمو في الاقتصاد العالمي للعام الحالي والعام المقبل 4.2% وهو معدل ضعيف يشير إلى استمرار حالة الركود وسوف تتضرر جميع الدول بما فيها البلدان النامية بسبب هبوط صادراتها وانخفاض الاستثمارات الأجنبية فيها وتراجع إيرادات السياحة أما التجارة العالمية فسوف تسجل ارتفاعا لا يتعدى 2% عام 2001 مقابل 13% في العام السابق
    وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي سوف لا يتجاوز معدل النمو في الاقتصاد العالمي للعام الحالي والعام المقبل 4,2% وهو معدل ضعيف يشير إلى استمرار حالة الركود، سوف تتضرر جميع الدول بما فيها البلدان النامية بسبب هبوط صادراتها وانخفاض الاستثمارات الأجنبية فيها وتراجع إيرادات السياحة. أما التجارة العالمية فسوف تسجل ارتفاعا لا يتعدى 2% عام 2001 مقابل 13% في العام السابق.
    وقد بات من اللازم إطلاق جولة جديدة هدفها تحرير أوسع للمبادلات العالمية لإعطاء نفس جديد للنمو. فمنذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول وحتى الآن فإن جميع المؤشرات الاقتصادية المتعلقة بالاستثمار والاستهلاك والأسواق المالية متردية بدرجة كبيرة. ولم تتلق اقتصاديات الدول الصناعية سوى خبرين إيجابيين، أولهما هبوط سعر برميل النفط من 25 إلى 18 دولارا وثانيهما نجاح مؤتمر الدوحة في إطلاق جولة جديدة للمفاوضات التجارية.

    ويتوقع أن تبدأ الجولة في مطلع العام القادم وتستمر ثلاث سنوات في حين استغرقت جولة أورغواي ثماني سنوات. وتجدر الإشارة إلى أن قرارات الدوحة ستحدد مجرى المفاوضات المقبلة. فلا يجوز حذف قرار اتخذ بالدوحة ولا يجوز إضافة قرار لم يتخذ فيها. لأن هذا وذاك من صلاحيات المؤتمر الوزاري فقط. بطبيعة الحال سيتولى المؤتمر الوزاري الخامس تقويم مجرى المفاوضات وسيتخذ القرارات اللازمة إن اقتضت الحاجة، مؤتمر الدوحة هو إذن المؤتمر الأول للمنظمة الذي أطلق جولة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف.

منظمة التجارة من الصراع إلى التوفيق

مؤتمر منظمة التجارة العالمية في الدوحة
أولا- سمات الصراع:
عند تتبع المؤتمرات الأربعة للمنظمة يلاحظ بروز خلافات تجارية حادة بين الدول تترجم تناقض المصالح بينها، تتسم هذه الخلافات بثلاث سمات أساسية.

- السمة الأولى: عدم التوصل إلى حلول نهائية للمشاكل المطروحة، فتم تأجيل البت ببعضها وإحالة بعضها الآخر لمنظمة العمل الدولية والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي.


البلدان النامية تطالب بإزالة القيود الكمية المفروضة على صادراتها لكن وارداتها مقيدة والاتحاد الأوروبي يمارس ضغوطا على البلدان النامية لتحرير تجارة الخدمات لكنه يرفض تحرير صادراته الزراعية والولايات المتحدة تدعو إلى حرية المبادلات الخارجية في جميع الميادين لكنها لا تتردد بتوقيع عقوبات تجارية انفرادية
- السمة الثانية: تعدد وتداخل الصراعات، صراع بين الدول الصناعية الكبرى والدول النامية بشأن تحرير تجارة بعض المنتجات الصناعية وإجراءات مكافحة الإغراق والحقوق الاجتماعية للعمل، وصراع آخر بين الدول الصناعية الكبرى بعضها مع بعضها الآخر بخصوص تحرير تجارة المنتجات الزراعية.

- السمة الثالثة: هي أن الصراعات بسبب ارتباطها بالمصالح تتعارض في أغلب الأحيان مع الاتفاقات متعددة الأطراف، فالبلدان النامية تطالب بإزالة القيود الكمية المفروضة على صادراتها لكن وارداتها مقيدة. والاتحاد الأوروبي يمارس ضغوطا على البلدان النامية لتحرير تجارة الخدمات لكنه يرفض تحرير صادراته الزراعية. والولايات المتحدة تدعو إلى حرية المبادلات الخارجية في جميع الميادين لكنها لا تتردد بتوقيع عقوبات تجارية انفرادية على أي دولة أو شركة أجنبية تعرض مصالحها للخطر.

وقد ظهرت هذه الخلافات في المؤتمر الأول وتعقدت في المؤتمر الثاني وبلغت أوج عظمتها في المؤتمر الثالث. وبطبيعة الحال لم يسلم المؤتمر الرابع منها، ولكن على خلاف المؤتمرات السابقة أبدت الدول الأعضاء في الدوحة مرونة واضحة في مواقفها، وتبين أن صراع المصالح دون تقديم تنازلات يعني عدم جدوى المفاوضات، الأمر الذي يشجع إجراءات الحماية، ويقود بالتالي إلى انهيار التنظيم التجاري العالمي في وقت غير ملائم من الناحيتين الاقتصادية والسياسية.

ثانيا- تنازلات فاتفاقات:
بغية تجاوز الإشكالات الناتجة عن الخلافات السابقة ونتائجها المدمرة.
- تنازل الاتحاد الأوروبي عن موقفه المتصلب بشأن دعم الصادرات الزراعية.
- وتنازلت الولايات المتحدة عن دفاعها عن مصالح بعض شركاتها (الأدوية مثلا).
- وتنازلت البلدان النامية عن موقفها الرافض للجولة التاسعة.

وانطلاقا من مؤتمر الدوحة أصبحت التنازلات التجارية أقل صعوبة من السابق، وبالتالي ستحسم الصراعات بسهولة وسوف تنجم عن الجولة التاسعة اتفاقات ترمي إلى تحرير أوسع للتجارة العالمية خلال فترة قصيرة نسبيا.

لكن مرونة الدوحة جاءت نتيجة إيجاد صيغ توفيقية للمصالح المتناقضة في القضايا الحساسة، ويظهر ذلك بوضوح في الفقرة 13 من البيان الختامي المتعلقة بتجارة المنتجات الزراعية، التي نصت حرفيا على ما يلي: دون الحكم المسبق على النتائج النهائية للمفاوضات فإننا نلتزم بإجراء مفاوضات شاملة تهدف إلى إدخال تحسينات في فتح الأسواق وخفض جميع أشكال دعم الصادرات مع الأخذ في الاعتبار إمكانية إلغاء هذا الدعم تدريجيا.

تهدف المفاوضات إذن إلى إدخال تحسينات في فتح الأسواق، وهذا أمر لا بد منه لتحرير تجارة المنتجات الزراعية، ويعكس رغبة جميع البلدان المصدرة لهذه المنتجات، يدعو هذا النص بصورة غير مباشرة الدول الصناعية إلى حذف القيود الكمية وتقليص الرسوم الجمركية.

لكن المفاوضات تسعى أيضا إلى خفض جميع أشكال دعم الصادرات مع الأخذ في الاعتبار إمكانية إلغاء هذا الدعم تدريجيا. وقد وضعت هذه العبارة لإرضاء الطرف الأميركي المتكتل مع 14 دولة مصدرة للمنتجات الزراعية كالبرازيل وأستراليا وكندا التي تصر على وجود تناقض بين تحرير التجارة ودعم الصادرات. بطبيعة الحال لا ينسجم هذا الطرح مع مصالح الاتحاد الأوروبي الذي يخصص الجزء الأكبر من ميزانيته لدعم الصادرات الزراعية الأوروبية، كما يتعارض مع السياسة الزراعية الجماعية وهي معاهدة أوروبية تمنح إعانات زراعية. أضف إلى ذلك أن الحكومات الأوروبية لا ترى في الملف الزراعي مجرد تجارة، بل يتضمن كذلك جوانب أمنية ترتبط بالاكتفاء الذاتي وجوانب سياسية تتعلق بأصوات المزارعين وضغوط الشركات الزراعية.

بيد أن المفاوضات تجري دون الحكم المسبق على النتائج النهائية. وهذه العبارة جعلت الاتحاد الأوروبي يوافق على الفقرة (13) من البيان الختامي، إنها تعني عدم وجود تاريخ محدد لإلغاء الدعم الزراعي، وبالتالي فإن أوروبا غير ملزمة بتعديل السياسة الزراعية الجماعية وفق جدول زمني مفروض عليها من خارج مؤسساتها، وهكذا تشكل هذه الصيغة التوفيقية لملف تجارة المنتجات الزراعية الحد الأدنى لجميع الأطراف، وبدونها تصبح الدوحة سياتل ثانية.


مؤتمر الدوحة بداية عهد جديد يتسم بالتوزيع العادل نسبيا للمكاسب والالتزامات الناجمة عن تحرير التجارة العالمية

بدون شك نجح مؤتمر الدوحة لأنه حقق هدفه في إطلاق جولة جديدة للمفاوضات التجارية، لكن أهمية هذا المؤتمر لا تتوقف عند هذا الحد، فقد أصبحت البلدان النامية تنسق مواقفها وتطالب بالمشاركة في تنظيم التجارة العالمية بعد أن كانت تتحمل ما يفرض عليها من قبل الدول الصناعية الكبرى، ومؤتمر الدوحة بداية عهد جديد يتسم بالتوزيع العادل نسبيا للمكاسب والالتزامات الناجمة عن تحرير التجارة العالمية.
______________________
باحث اقتصادي - فرنسا

المصدر : غير معروف