تتسلل مواقع التواصل الاجتماعي إلى كافة نواحي الحياة في عالمنا العربي، فبعد التبضع والبحث عن الوظائف والمطاعم والأخبار، ها هي تغير مفهوم الزواج والارتباط، فبدلا من "نظرة فابتسامة فكلام فموعد فلقاء" بات الأمر "طلب صداقة، فإعجاب، فدردشة، فلقاء".

أحمد السباعي-بيروت

لم يكن يتوقع أن تقود اللبناني جاد مغامرته على موقع "فيسبوك" للتعرف على التونسية فيروز إلى السفر إلى تونس عدة مرات للتعرف عليها، ولاحقا الارتباط بها.

ويروي الشاب البالغ من العمر 32 عاما كيف أرسل لها طلب صداقة على فيسبوك ثم بدأ الحديث والتعارف لمدة أربعة أشهر قبل أن تنتقل العلاقة لوسائل أخرى من التواصل (فايبر، واتساب، سكايب).

ويقول جاد للجزيرة نت إنه قرر بعد فترة التعارف في العالم الافتراضي السفر إلى تونس، والتعرف عليها وذويها عن قرب، ويضيف أنه قرر خوض المغامرة لأن مواقع التواصل لا تعطي صورة كاملة عن الشخص الذي تتحدث معه، وبعد زيارته الأولى زاد اقتناعه بها.

ويخلص أنه في الزيارة الثالثة لتونس اصطحب عائلته "وأقمنا حفلة خطوبة، على أمل أن نتزوج قريبا ويتوج الحب الذي بدأ في العالم الافتراضي إلى واقع أعيشه يوميا".

قصة جاد وفيروز تجسيد لاقتحام مواقع التواصل الاجتماعي مجتمعاتنا العربية دون استئذان، وفرض إيقاعها على الحياة اليومية للمواطن العربي، وكسر عادات وتقاليد كانت حتى الأمس القريب من المحرمات.

المحادثات هي النشاط الأكثر شيوعا بين
المستخدمين لمواقع التواصل
(غيتي)
إحصاءات
وتشير الإحصاءات إلى أن 88% من متصفحي الإنترنت بالعالم العربي يستخدمون مواقع التواصل، وأن فيسبوك هي الوسيلة الأسرع للتواصل، وأن نسبة الرجال الذين يستخدمون مواقع التواصل 65% مقابل 35% للنساء.

واللافت في الإحصاءات أن المحادثات هي النشاط الأكثر شيوعا بين المستخدمين لمواقع التواصل في العالم العربي، وهذا ما يفسر أسباب زيادة ارتفاع حالات الارتباط بين أشخاص من بلدان وبيئات مختلفة، والتي تبدأ بالتعارف عبر مواقع التواصل وتنتهي بالزواج.  

وتباينت آراء الشارع في لبنان حول النظرة إلى الارتباط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يرى الشباب أنها "فرصة لفتح آفاق جديدة" كما قال فادي من بيروت، الذي يضيف أنه لم يعد مجبرا على اختيار شريكة حياته من منطقته وبيئته وبلاده "فبات ممكنا أن أتعرف على فتاة تبعد عني آلاف الكيلومترات ونكون متوافقين فكريا وبالنظرة للمستقبل" وخلص أنه لا يقيم وزنا للعادات والتقاليد لأنها "لن تنفعني إذا فشل زواجي".

أما أم محمد، فترفض هذه الفكرة بتاتا وتفضل الطريقة العادية في الزواج والارتباط، وتروي قصة حصلت مع أحد أقربائها الذي تواصل مع إحدى الفتيات عبر "فيسبوك" لنحو سنة وعندما "طلب التعرف إليها اكتشف أنه شاب يتسلى به رغم أنه كان يرسل له صور فتاة".

التباين بالشارع انتقل إلى آراء الخبراء والمتخصصين، فيرى الأخصائي بعلم النفس العيادي نبيل خوري أن "العالم الافتراضي حل محل النسق الاجتماعي التقليدي، وأصبحت إمكانية التواصل أسهل عبر مواقع التواصل، ولذلك نشهد حالات متزايدة وكثيفة من التعارف بين الذكر والأنثى، غالبا ما تؤدي إلى لقاءات تبلغ نسبة نجاحها في البلاد الغربية أكثر من 50%".

خوري: التعارف عبر مواقع التواصل
 نسبة نجاحه 30% (الجزيرة)
ضيف ثقيل
ويشير خوري -في حديثه للجزيرة نت- إلى أنه لا يزال ينظر للإنترنت ومواقع التواصل كـ"ضيف ثقيل على المجتمعات يدخل البيوت دون استئذان، ولم نكن جاهزين لتطويعه والتعامل معه وفق عاداتنا وتقاليدنا، وبدلا من ذلك قلدنا الغربيين دون تفكير، وهذا الأمر أدى إلى حالات تعارف زواج سريعة ومتسرعة انتهت بالطلاق".

ويلفت خوري إلى أن "التعارف عبر مواقع التواصل والذي ينتهي بالزواج في الغالب يكون عملية منقوصة ونسبة نجاحه لا تتعدى 30%".

وخلص أن "فكرة الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا تزال تخيف الشباب العربي (18 عاما و25) وعليه يجب أن يتبع خطوة التعارف عبر مواقع التواصل لقاءات شخصية حتى لا تكون الخطوة ارتجالية وفاشلة".

وعلى عكس خوري، يستبعد مدير معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية رشيد شقير أن "تشكل مواقع التواصل بديلا للتعارف العادي وانقلابا على العادات والتقاليد المعمول بها في مجتمعاتنا".

ويؤكد -في حديث للجزيرة نت- أن "مواقع التواصل تشكل المحطة الأولى في العلاقة بين الطرفين ولا تكتمل دون المقابلة الشخصية وزيارة الأهل وموافقتهم، ثم الخطوبة والزواج".

وفي موضوع الطلاق، يلفت شقير إلى أن مواقع التواصل دخلت كعامل إضافي على "أبغض الحلال" حيث بات متاحا لأحد الزوجين أو للاثنين معا  "البحث عمن يظنون أنه شريك أفضل، وهذا ما يخلق مشاكل كبيرة بين الطرفين ناهيك عن الساعات الطويلة التي يقضيها الطرفان على مواقع التواصل والتي قد تؤثر على العلاقة الزوجية، وعلاقة الأهل بأطفالهم".

المصدر : الجزيرة