مع استمرار التغول المفرط لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا اليومية، ومع احتلال هذه المواقع موقع الوسيط الذي يتعاظم دوره بين البشر، لم يعد من السهل تجاوز مثل هذا الدور الذي أصبح يؤثر وسيؤثر بشكل متعاظم على أنماط سلوكيات البشرية خلال العقود المقبلة. 

وعملية التواصل هي في الأساس لبّ الحضارات البشرية ومسار تطورها، فمنذ اختراع الحرف الصوتي والحرف المنطوق ومرورا بالحرف المكتوب وصولا إلى اللغات وتكون الثقافات، كانت البشرية ترسم مسارات حضارية كبيرة.

وقد لاقت كل تلك القفزات حالة من الترحيب والأمل المعقود عليها في إزالة الحواجز بين البشر والحضارات، إلا أن القفزة الاتصالية المتمثلة في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تخلق في حقيقتها بيئة تواصلية افتراضية شبه كاملة، لم تعد تلقى مثل هذا الترحيب الذي لاقته قفزات أخرى سابقة في عالم الاتصال.

يعبر عن هذا القلق المتنامي من تغول وحش العزلة الواقعية مع توسع الاتصال الافتراضي فيديو قصير تم تداوله بشكل واسع وبلغات مختلفة على يوتيوب وفيسبوك، الفيديو يشرح كيف أن هذا التغول لمواقع التواصل الاجتماعي أصبح عدوا للإنسان، وخلق حالة من وهم الاتصال البشري بينما هذه المواقع في الحقيقة تخلق عزلة محققة، تتوسع هذه العزلة يوما بعد آخر دون إدراك لأبعادها.

يقول المتحدث في الفيديو إن مواقع التواصل تمنحنا فيما نظن آلاف الأصدقاء على صفحاتنا الشخصية، في حين أنها في الحقيقة تعزلنا عمن حولنا والقريبين منا، مستخدما جملة تعبيرية تشرح بدقة هذا الأثر لمواقع التواصل، حيث يقول "إننا إذا فتحنا جهاز الحاسب للنفاذ إلى تلك المواقع نغلق خلفنا الأبواب الحقيقية".

واستكمالا لرسالته يسعى الفيديو للتأكيد على قضية ناقشها كثير من المتخصصين في علم النفس وقضايا التواصل، المشكلة تتركز حول القصور البنيوي في العملية التواصلية على مواقع التواصل، مما يحول هذا الكم الهائل من التواصل إلى حالة متوهمة وغير حقيقية، فلا يمكن أثناء التواصل على الإنترنت تحقيق أدنى شروط التواصل الحقيقي والفعال من التواصل بالعين وطريقة الحديث والصوت وحركات الأطراف والبدن.

كل ما سبق لدى منتجي هذا الفيديو يجعلهم يتهمون مواقع التواصل الاجتماعي بخلق الوهم الكبير، وإغراقنا في عالم من الافتراض الذي لا ينتهي بسبب قدرة هذه المواقع على خلق واقع مستمر من وهم التواصل لدى المستخدم، الأمر الذي يدفع مقدم الفيديو للدعوة إلى إغلاق الأجهزة والهواتف والامتناع لفترات عن الخضوع لمواقع التواصل، مما يمنحنا فرصة حقيقية لرؤية من حولنا من جديد، واكتشاف متعة حقيقية في عمليات تواصل فعالة وإنسانية أكثر.

يطالب الفيديو المستخدمين بمنح أنفسهم فرصة العيش بين أهلهم وذويهم وإنقاذ أطفالهم من أن يكونوا مجرد آلات بسبب نموهم وسط بيئة تشبه الجزر المنعزلة، الأمر الذي سيفقد الإنسان بطبيعة الحال فرصة أن يعيش متعة الواقع، وأن يبصر أطفاله ونموهم ويزيد من قدراتهم التواصلية الحقيقية لا الافتراضية.

المصدر : الجزيرة