أنس حسن

لم يعد تداخل مواقع التواصل الاجتماعي في حياتنا بالأمر الثانوي، بل أصبحت ترسخ وجودها يوما بعد آخر وتسعى للسيطرة على عصب حياتنا الاجتماعية والسياسية. وبينما يولي موقع فيسبوك قدرا أكبر للتفاصيل الاجتماعية والشخصية والتجارية في توجهه نحو سوق المستخدمين، يتجه تويتر بشكل أكبر لترسيخ وجوده في عالم السياسة والصحافة والمشاهير.

يعرف تويتر بشكل جيد ميزته التنافسية ولذلك فهو لا ينشغل كثيرا بالتشعب خارجها، فهو يسير بمنطق تكثيف وتقوية نقاط التميز، ولا يسعى بشكل ملحوظ إلى إضافة نقاط جديدة إلا في حال ارتباطها مباشرة بفلسفته الخبرية، ولذلك يشكل نجوم السياسة والصحفيون والباحثون عن المعلومة السياسية والخبر السريع عصب هذا الموقع، ويدخله صغار المتابعين لمتابعة نجومهم لحظة بلحظة.

ولقد تميز تويتر في فترات الانتخابات الرئاسية بكونه أحد أهم المصادر للتصريحات الرسمية للمرشحين، وعليه تشتعل حملات الهجوم والدفاع عن الخيارات السياسية، ولذلك يتسيد تويتر مركزا هاما في الحياة السياسية داخل الدول الديمقراطية، كما يمثل متنفسا للسياسيين في مناطق تضاؤل الهامش الديمقراطي.

تبرع لمرشحك
ومع إدراك أهميته المتزايدة في الحملات الرئاسية خاصة في الولايات المتحدة، عزز تويتر مؤخرا هذه المساحة من التوغل عبر إتاحته خدمة التبرع المباشر للحملات والمرشحين بالتعاون مع شركة الخدمات المالية "سكوير". وسيتمكن المؤيد لمرشح ما من التسجيل لمرة واحدة على حساب "كاش سكوير"، وسيتم ربطه تلقائيا بحساب تويتر للمستخدم ليتمكن لاحقا من تنفيذ رغباته المباشرة في التبرع.

وستشكل عملية إتاحة التبرع المباشر والفوري للمرشحين تحولا ضخما في المفهوم السياسي الحالي وموازين القوى في الانتخابات، فإذا نجح مرشح ما في جني تعاطف واسع من الجماهير دون المرور عبر بوابة الرأسماليين الكبار وقنواتهم الإعلامية، فقد يشكل هذا النجاح ترجمة فورية من ناحية توفير أكبر قدر من المال الضروري للحملات عبر التبرع المباشر.

وبهذا التصور نحو تحوّل مركز المال السياسي من جيوب الأغنياء فقط إلى مصالح الأغلبية ومحدودي الدخل، فربما ينعكس ذلك جليا على برامج المرشحين الرئاسية، حيث كان من المعتاد أن يحابي المرشحون مصالح الكبار في عالم المال والأعمال مقابل دعم غير محدود لحملاتهم ماليا، حيث إن الديمقراطيات الانتخابية أصبحت خاضعة لمنطق السوق ومركزية الدعاية.

ولهذا فقد تتيح خدمة تويتر للتبرع للمرشحين ووجود ملايين من المستخدمين عليه تحولا حقيقيا في عالم التمويل السياسي للحملات، وربما حذت مواقع تواصل أخرى كالفيسبوك واليوتيوب والواتساب والإنستغرام نحو توفير مثل هذه الخدمة، مما يعني نقلا أكبر للسلطة بيد محدودي الدخل وتقليل تغوّل أصحاب المصالح والرأسماليات الكبرى.

المصدر : الجزيرة