لم يعد خافيا على أحد منذ الربيع العربي مدى قوة وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي على مجريات الأحداث، فمواقع التواصل أصبحت فاعلة في الساحة السياسية في السنوات الماضية، وإحدى أهم أدوات تشكيل الرأي العام بها، إلا أن سؤالا يطرح دوما أين تبدأ وأين تنتهي حدود تأثيرها؟

حادثة المذيعة المصرية ريهام سعيد والحملة التي أطلقها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، وأبرزهم المذيع الساخر باسم يوسف، دفعت الشركات المعلنة على البرنامج لإعلان إيقاف رعايتها، وتبرئها من مضمون البرنامج وتضامنها مع الحملة وأصحابها.

نجاح خطوة كهذه يعد إنجازا كبيرا لمواقع التواصل في بيئة مناخها غير شعبي كمصر الآن، حيث تعاني البلاد من موجة سلطوية لا تعبأ كثيرا لرأي الجمهور ولا للرأي العام، وذلك ما أعاد طرح السؤال مرة أخرى، لماذا فشلت مواقع التواصل في التأثير بجوانب سياسية كبيرة تعاني منها مصر؟

البعد الأمني
مواقع التواصل الاجتماعي هي في النهاية أداة ضغط إعلامية ومدخل لتشكيل رأي عام، لكن ينازعها في ذلك جهات إعلامية كثيرة كالقنوات والصحف التي ربما تمتلك مساحات وصول أكبر وأعمق، مما يمكنها من خلق توازن أمام ما يعده البعض انفلات مواقع التواصل وعدم قابليتها للسيطرة والتحكم، ويجعلها كابوسا تستعد له الأنظمة جيدا فيتم التعامل معها في مصر كقضية أمن قومي.

وشهدت الأيام الماضية في مصر اعتقال عدد لافت من مديري الصفحات المعارضة ومؤسسيها ومحاكمتهم بتهم تعد من النوع الثقيل من حيث عواقبها، حيث يتم اتهام من يؤسس صفحة تعارض الرئيس أو النظام بمصر بعدة تهم أبرزها "التحريض على قلب نظام الحكم وتهديد الأمن والسلم المجتمعي"، وبالتالي يعكس كل هذا اهتماما أمنيا غير مسبوق بمنع وخنق المعارضين على هذه المساحات.

إلا أن هذا الاهتمام الكبير من قبل الأجهزة الأمنية لخنق المعارضة السياسية على مواقع التواصل لا يوجد مثله في مساحات التفاعل الاجتماعية البعيدة قليلا عن التسييس الواضح، وبالتالي تكون قضية كإيقاف برنامج المذيعة ريهام سعيد أو حتى رفع الرعاية الإعلانية للبرنامج في إطار المفهوم والممكن، حيث إن النظام يخلي هذه المساحة تدريجيا للتفاعل بعيدا عن تدخله المباشر طالما أن الأمر خارج النطاق السياسي.

وذلك ما يدفع رواد مواقع التواصل الاجتماعي للتركيز بشكل ملحوظ على القضايا الاجتماعية والاقتصادية اليومية التي تهم المواطن البسيط، إلا في حالات المناسبات السياسية الكبيرة كالانتخابات.

لكن ضيق الأفق السياسي والخنق الأمني في البلاد يجبر ناشطي هذه المواقع على التوجه نحو القضية الاجتماعية والتفاعل معها كمدخل رئيسي للفاعلية على مواقع التواصل.

سقف الاستخدام
يتضح إذن أن سقف تأثير مواقع التواصل مرتبط بالسقف السياسي والأبعاد الأمنية، ففي النهاية ليس بإمكان كل الناس في دول تعاني من أنماط قمعية أن يتخفوا بشكل محكم عن أعين الأجهزة الأمنية لفترات طويلة، إلا في حالات السفر خارج البلاد أو استخدام أدوات تأمين احترافية لا يملكها المستخدم العادي لمواقع التواصل، مما يحيل المسألة برمتها مرة أخرى لحدود السقف الأمني والسياسي، ونحن هنا نتحدث عن سقف التأثير وليس سقف الاستخدام.

ويعد سقف الاستخدام مسألة مفتوحة بإمكانيات كل شخص، فوسائل التواصل قلما تحظر السياسيين أو تمنعهم ما لم يكونوا أصحاب رسالة تصنف دوليا بكونها إرهابية، دون ذلك فسقف استخدام مواقع التواصل في التعبير مفتوح ولا يمكن حده بحدود من قبل الدولة.

لذلك تحاول الدولة ذات التوجهات الأمنية الحد من الأثر والانتشار الخاص بالاستخدام المعارض والمسيس، لكنها تعجز فعليا أمام معادلة خفض سقف التناول السياسي على مواقع التواصل، وتحاول الدولة في مصر وغيرها من الدول ذات التوجهات الأمنية فرض نوع من الرقابة الذاتية، لكن يمكن الاحتيال عليها عبر الحسابات والأسماء المزيفة وقليل من الاحتياط الأمني.

مما يعيد إمكانية عودة سقف التأثير مجددا في حال سمح الظرف الأمني والسياسي، حيث إنه في لحظات انهيار منظومة السيطرة الأمنية ولحظات الانفجار السياسي يرتفع سقف تأثير مواقف التواصل مجددا في البعد السياسي، ويمكنه أن يقود ويحرك قطاعات كبيرة من الشارع، وإلى ذلك الحين يظل السقف الخاص بالتأثير السياسي محدودا مقابل توسع كبير للتأثير في القضايا الاجتماعية ذات السقف الآمن نسبيا.

المصدر : الجزيرة