تحل الذكرى الثالثة عشرة للغزو الأميركي للعراق اليوم، والذي جاء بحجة القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي اتضح زيفها فيما بعد، والإطاحة بنظام صدام حسين "الدكتاتوري"؛ لتذكرنا بوعود واشنطن التي تحدثت عن عراق يمثل نموذجا في الشرق الأوسط وبلدا للحريات والسلام.

فما زال عشرات الملايين من العراقيين يعانون ويلات مختلفة، ابتداء من الانهيارات الأمنية التي تلاحق العاصمة بغداد ومحافظات العراق المتعددة، ومرورا بالاحتقان الطائفي التي تعيشه البلاد ليكون سببا لعدم الاستقرار واتساع بقعة التهجير داخلها أو اللجوء إلى خارجها.

ناهيك عن اتهام الحكومة بالعجز عن القيام بواجباتها والتصعيد السياسي السلبي بين مكونات العملية السياسية، وانتهاءً بفراغ السلطة الذي مُلئ بقوى مسلحة من أمثال تنظيم الدولة الإسلامية الذي استطاع أن يجد له مكانا في هذا البلد.

كيف تنظر إلى العراق اليوم؟ وهل تراه بلدا للحريات والسلام حقا؟ وهل تحقق شيء من الوعود الأميركية على أرض الواقع؟ وما المستقبل الذي ينتظر بلاد الرافدين؟

استطلعت الجزيرة نت آراء بعض المتخصصين والباحثين في الشأن العراقي، نوردها أدناه

-----------------------------------------------

عبد الحسين شعبان، محلل سياسي عراقي

الاحتلال الأميركي للعراق كان كارثة حقيقية من نمط الكوارث التي تبقى تأثيراتها مستمرة ومتواصلة ، وهذا الاحتلال لم يستهدف النظام الدكتاتوري العراقي بل استهدف الدولة العراقية، والهوية الوطنية العراقية والوحدة الوطنية العراقية، وعمل على تكريس الطائفية ونظام المحاصصة المذهبية والأثنية خصوصا عندما ألغى مرجعية الدولة، حيث حل الجيش العراقي والعديد من مؤسسات الدولة الأمنية خصوصا شرطة الحدود وشرطة مكافحة الجريمة والقوى المتعلقة بالأمن الداخلي والعديد من المؤسسات الأخرى.

استهدف الاحتلال العقول العراقية والادمغة المفكرة، حيث انفتح الباب على مصراعيه لاغتيال العلماء والاكاديميين العراقيين والكفاءات العراقية وهجر من هجر وأبعد من أبعد وأقصي من أقصي بل أن بعضهم اعتقل لأنه يعمل كعالم أو موظف رفيع المستوى في الدولة العراقية.

وبسبب الاحتلال ارتفع منسوب العنف والإرهاب إلى درجة مريعة في العمق الذي جاء مع الاحتلال سواء من جانب القوات الأميركية والبريطانية اللتان حاولتا اذلال العراقيين وكسر الكبرياء العراقية وتدمير الذات العراقية بمحق كرامة العراقي وإخضاعه لعمليات إذلال وتحطيم للمعنويات وما حصل في سجن أبو غريب ما هو إلا أحد النماذج التي تعتبر عارا في جبين الاحتلال وللذين روجوا له  وتعاونوا معه  للحصول على مكاسب ومصالح وامتيازات انانية ضيقة.

نموذج قالت عنه المفوضية الخاصة للنزاهة أن 8 آلاف من كبار الموظفين والمسؤولين متهمون بقضايا فساد وأكثر من 16 وزيرا مشمولون بقضايا الفساد. ولا عجب من أن نرى الدولة العراقية في أعلى السلم العالمي للدول المصنفة في خانة الفساد.

مع الاحتلال جاءت المليشيات واتخذت بعدا طائفيا وأصبح العراق مرتعا لأجهزة الدول المجاورة تعبث فيه فسادا وتسهم في تحديد مسارات الدولة العراقية ولها قول فصل في تحديد اتجاهات حكوماتها المتكررة مثلما أن اليد الطولي ظلت للاحتلال على الرغم من انسحاب القوات الأميركية  في 2011 .

العراق حاليا منطقة اقتسام النفوذ الاقليمي الدولي وهو يقع بين قطبين المحتل الاميركي من جهة والنفوذ الايراني من جهة أخرى، وحتى لو افترضنا  وجود صراع  بين الطرفين فان هناك توافق ومساومة بشأن العراق.

لا يمكن للعراق ان يخرج من غلوائه دون استعادة الوحدة الوطنية والتخلص من فايروس الطائفية ورد اعتبار الهوية الوطنية  واعادة بناء مؤسسات الدولة خارج منطق المحاصصة الطائفية والاعتراف بحقوق المجاميع الثقافية والدينية واللغوية والسلالية ،ولا اقول هنا بمصطلح الأقليات لأنه يستبطن معنى اللامساواة  وعدم التكافؤ.

ويمكن استعادة الأوضاع الطبيعية في العراق والقضاء على العنف والإرهاب  والفساد المالي والإداري  ورد اعتبار الدولة وهيبتها بالشروع في اعادة البناء على اسس لا مركزية ، اتحادية وفدرالية منسجمة مع مبدأ الوحدة العراقية والمواطنة المتساوية وعدم التمييز ، الأمر الذي يستطيع فيه الشعب الكردي أن يعبر عن حقه في تقرير مصيره باختيار الصيغة الملائمة للعلاقة مع شقيقه الشعب العربي في العراق.

الخطوة الأولى تبدأ بإلغاء الدستور وإعادة النظر فيه وإزالة الألغام الكثيرة التي احتواها ، ورد اعتبار العروبة التي اعتبرت مرذولة ومنبوذة في ظل الدستور الحالي، في حين أن العرب يؤلفون أكثر من 80% من المجتمع العراقي وهو مالم يرد له ذكر في الدستور الذي تحدث عن المكونات في ثمانية مواقع في حين كان ينبغي عليه أن يؤكد على مبادئ  المواطنة وأركانها الاساسية وأعني بها الحرية والمساواة والعدالة والشراكة وإذا ما أراد الدستور أن يوصف المجتمع العراقي فيقول أنه مؤلف من عرب يكونون أكثر من 80%  ومن الكرد ( القومية الثانية) إضافة إلى التركمان والأشوريين والكلدان، ولو أراد الاشارة إلى الدين فهو مؤلف من مسلمين ومسيحيين ويزيديين وصابئة وغيرهم ولكل هؤلاء طوائف ومذاهب واتجاهات.

أملي أن أرى العراق موحدا وديمقراطيا دستوريا تحكمه دولة القانون وفيه قضاء عادل ومستقل ، وأن يستعيد العراقيون هويتهم العابرة للطوائف والاثنيات، وأقصد هويتهم الجامعة مع حفاظ المجاميع الثقافية على هوياتهم الفرعية التي ينبغي أن تقدر وتصان كجزء من احترام حقوق الإنسان.

____________________

نزار السامرائي، كاتب ومحلل عراقي

أرى العراق اليوم كما خططت له دول العدوان فالولايات المتحدة الأميركية تريده بلدا منقسما على نفسه متنازعا مع نفسه كي ينشغل بهمومه الداخلية  ولايتفرغ للمنظومة القومية العربية، ولتوازن القوى الأقليمية. هذا ما خططت له بالتأكيد الولايات المتحدة الأميركية.

ونستطيع أن نتلمس ذلك من قانون إدارة الدولة العراقية وتشكيلة مجلس الحكم التي بنيت على أساس المحاصصة الطائفية العرقية وهو ما فتح أبواب العراق على نزاعات مسلحة بين الطوائف ثم انتقلت إلى الطائفة الواحدة والعرق الواحد كما هو حاصل اليوم.

فالتحالف الكردي على سبيل المثال تتقاذفه ثلاث قوى كبيرة وغيرها صغيرة، والتحالف الشيعي موزع على نحو ستون ميليشيا تنتظر الفرصة للانقضاض على بعضها البعض، والسنة مغيبون عن المشهد تماما.

 وهذا يدل على أن القوى الدولية والأقليمية تريد العراق مقسما إلى ثلاث دويلات كردية وسنية وشيعية تتنازع على الثروة والأرض والمياه، وكل إقليم سيعيش صراعا سياسيا مختلفا.

لذلك أظن أن هذه هي صورة العراق اليوم بعد ثلاثة عشر عاما من إطلاق أول صاروخ أميركي على بغداد، ولكن نستطيع أن نتلمس قليلا من الضوء في نهاية النفق إذا ما قرأنا طبيعة المشهد الذي بدأ بتظاهرات مدنية قبل ثمانية شهور انطلقت من البصرة ووصلت إلى بغداد على الرغم من أن أحزاب الإسلام السياسي حاولت ركوب الموجة وتجيير نتائج هذه التظاهرات لصالحها كما هو حاصل اليوم في تظاهرات التيار الصدري ولكنني مطمئن إلى أن الإسلام السياسي الذي فشل فشلا ذريعا في العراق سيخلي الساحة للقوى الفاعلة الحقيقية البعيدة عن التيارات الدينية الطائفية. 

 ________________________

فارس حسن الخطاب، أكاديمي إعلامي  عراقي

اليوم عندما نتذكر اليوم الأسود لغزو العراق والذي يصاحبه دائما غصة كبيرة وبعد ثلاثة عشر عاما ندرك تماما سواء نحن العراقيون أم بقية الأشقاء العرب لماذا تم استئصال الحبل السري بين العراق والوطن العربي بل وبين العراق والعالم أجمع، فقد أرادوا في هذا اليوم الأسود تدمير الأمة بتدمير العراق... من خلال إدارات سياسية وعسكرية فاشلة أوغلت في تقطيع الجسد العراقي والروح العراقية .

العراق الذي تحمل العبئ في كل شيء وكان خط الصد الأول للأمة والملجأ الأخير لها بات الموت اليوم فيه سيد المشاهد وفي كل الأشياء.

العراق اليوم يعني كل معاني الحزن والاستنزاف، ولكنه سيبقى ورطة من أتوا لغزوه وإحتلاله كما هو اليوم ورطة من حكموه ثلاثة عشر عاما.

ويبقى العراق ونحن أبناءوه طوق نجاتنا وحياتنا القادمة، وبعودته معافى تعود الأمة معافاة وإن انتصرنا في هذا فهو انتصار للأمة كلها.

المصدر : الجزيرة