جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي لتثير مخاوف جديدة في المنطقة. مصطلح "تفكيك سوريا" الذي استخدمه جون كيري لم يستخدم بشكل رسمي في أميركا من قبل، مما يثير جدلا بشأن مستقبل هذا البلد المتهالك في ظل ما يشهده من صراعات قد تنتهي برسم خرائط جديدة لمنطقة الشرق الأوسط تتعدى حدود سوريا إلى كل من العراق ولبنان وتركيا.

وتشير هذه التصريحات إلى تغيرات في السياسة الأميركية التي لا تبدو في وضع المسيطر على الأحداث في سوريا، والتي يراها البعض نوعا من الضغط على النظام والمعارضة بفرض حالة التقسيم في حال عدم التوصل إلى تسوية سياسية.

كيف تنظر إلى هذه التصريحات؟ وهل تراها بداية لتقسيم المنطقة؟ أم أنها نوع من الضغط تمارسه أميركا على طرفي النزاع السوري؟ وهل ترى أن الصراع في سوريا هو صراع بين إثنيات طائفية والتقسيم هو الحل لهذه الصراعات؟ وما تأثير هذا التقسيم على المنطقة برمتها؟

استطلعت الجزيرة نت آراء بعض الكتاب المتابعين لمسار القضية، نعرضها فيما يلي:

____________________
 

حسين عبد العزيز، إعلامي وكاتب سوري


منذ نحو سنتين درج الحديث كثيرا عن تقسيم سوريا أو الحديث عن ما بات يعرف بسوريا المفيدة التي قد تتحول بفعل الأمر الواقع إلى كيان جغرافي ـ سياسي مستقل.

حقيقة الأمر أن التقسيم بهذا المعنى في سوريا يبدو مستحيلا لأسباب داخلية وأخرى خارجية، وتصريح جون كيري أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، لا يعني أن سوريا أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التقسيم السياسي، وإنما القصد منه أن استمرار المعارك أكثر من ذلك سيؤدي إلى تقسيم مواقع القوى في عدة مناطق جغرافية مثل الأكراد في الشمال الغربي والشمال الشرقي، والنظام في الساحل ودمشق ومحيطها والمعارضة في إدلب ومناطق أخرى، وداعش في دير الزور والرقة.

لكن هذا التقسيم لا يمكن أن يتحول إلى تقسيم سياسي يؤسس لكيانات ودول جديدة على أنقاض الدولة السورية، لأسباب عدة:

1ـ لا يوجد في سوريا كتل جغرافية ذات لون طائفي موحد باستثناء السنة، فالطوائف منتشرة فيما بينها، ففي الساحل السنة والعلويون والمرشديون والمسيحيون متواجدون جنبا إلى جنب، وحتى في الشمال السوري وعلى الرغم من تزايد القوة الكردية، إلا أن الواقع الديمغرافي لا يسمح بسيطرة كردية صافية ولا سيطرة عربية صافية، وفي الجنوب وتحديدا في السويداء لا يملك الدروز أية مقومات داخلية وخارجية للانفصال. 


2ـ حتى لو فكر النظام بجعل جبال العلويين دولة له، فهناك عائقين يمنعان ذلك، الأول، أن هذه الدولة المفترضة لا تمتلك مقومات البقاء، حيث ستكون محاصرة من السنة، وثانيا أن مثل هذه الدول ستقوض الفكرة التي طالما استند عليها النظام للبقاء طوال أربعة عقود (الوحدة الوطنية كضرورة للوحدة القومية). 

3ـ فكرة التقسيم فكرة مرفوضة على المستويين الإقليمي والدولي، لأن تقسيم سوريا بهذا المعنى سيفجر المنطقة: تركيا لا تتحمل وجود إقليمين كرديين مستقلين واحد في العراق والآخر في سوريا، ولبنان لا يحتمل وجود دولة أو كيان علوي على حدوده الشمالية والشمالية الشرقية، والعراق لا يحتمل كيان كردي يكون امتدادا لإقليم كردستان في وقت لا يقبل أيضا نشوء كيان إسلامي متطرف على حدوده الغربية.

4ـ بناء على ذلك، وخوفا من أن تؤدي هذه الخطوة إن تمت إلى تشجيع الأقليات الأخرى على المطالبة بحكم ذاتي، رفضت واشنطن منذ بداية الأزمة إسقاط النظام عسكريا، خوفا من أي يؤدي ذلك إلى انهيار الدولة ونشوء حرب أهلية تنتهي إلى تقسيم جغرافي للبلاد.

__________________

عماد مفرح مصطفى، كاتب سوري

تصريحات وزير الخارجية الأمريكي هي محاولة للضغط على الأطراف المتنازعة للقبول بالتفاهمات الروسية ـ الأمريكية، المعلنة وغير المعلنة، حول الأزمة السورية، وهي لا تدل على تبدل في السياسة الأمريكية المرتبكة حول الملف السوري، تلك السياسة التي تفضل الانكفاء على الانخراط الفعلي. فواشنطن غير مهيأة لدفع أكلاف "سيناريو التقسيم"، خاصة وأنها مقبلة على انتخابات رئاسية، والإدارة الحالية ليست معنية بالدخول في مغامرات سياسية وعسكرية، قد تنعكس سلبا على حظوظ "الحزب الديمقراطي" في الانتخابات القادمة.

 صحيح أن بعض التيارات الغربية تطمح إلى رؤية كامل المنطقة مقسمة على أسس هوياتية ضيقة، لكن واقع المصالح الغربية يقول غير ذلك، والدليل أن الحرب الغربية على "الإرهاب" وبالتحديد على "تنظيم الدولة الإسلامية"، تهدف في جزئية منها، إلى إعادة الاعتبار لحدود الدول السابقة والحفاظ على الكيانات الموجودة، ذلك أن تلك الحدود هي الضامنة الرئيسية للمصالح الغربية.  

واقع الحال، سوريا الأن وبدافع الحرب والاقتتال، ليست موحدة، وهي بحاجة إلى حل سياسي يضمن لكافة المكونات السورية حياة كريمة ونظام سياسي عادل. حل سياسي، يمكن من خلاله تحييد البعد الطائفي عن النزاع المسلح، وإظهار الفرق الجوهري بين "الطائفية" كنهج سياسي لا بد من نبذه ومحاربته، وبين "الطائفة" كمجموعة بشرية، وظاهرة اجتماعية وثقافية تستوجب الدعم والمساندة.

والحقيقة، إنه ثمة بعد طائفي في الصراع الحالي، ناتج عن عدة اعتبارات، ولعل أهمها، ممارسات النظام الطائفية وانتهاجه للعنف باسم مجموعة أهلية "العلويين"، في مواجهة مطالب الثورة المحقة، التي افترض النظام بأنها "سنية"، وعليه تحول البعد الطائفي إلى عامل دافع لاستمرار الصراع، وباتت سياسة الاستثمار في الوعي الطائفي جزءا من استراتيجية أغلب الأطراف السورية المتصارعة، أملا في الحصول على المزيد من الدعم المادي والبشري. وهو ما تلقفته "إيران" بجعل هذا البعد أساس الصراع السياسي، لأنها رأت فيه العامل المشترك، والرابطة التي يمكن من خلالها بناء تحالفات مع الداخل السوري.

لكن ورغم كل المأساة السورية، يبقى السؤال الأهم، هل يرتبط حل الأزمة السورية وتحقيق مطالب السوريين بتقسيم وطنهم وتفتيت كيانهم الحضاري، أم بتغيير نظام حكمهم الذي جعل من غالبية المجتمع السوري يعيش تحت خط الفقر والموت والعوز والتشرد..؟

________________

مهنا الحبيل، كاتب سعودي، مدير مركز دارسات الشرق الإسلامي

يراهن الغرب، على أن تقسيم العالم الإسلامي، بعد حرب مذهبية شرسة لم تكتمل صفوفها، قد يخلق تحييدا كاملاً لمجتمعه، واحتاج هذا الشرق 100 عام قبل تحول شعوره بضرورة تحرير قراره وإعادة صناعة استقلاله، الى فكر تنفيذي عبر نهضة ذاتية.

لم يستطع أن يصل اليها الشرق الإسلامي الى اليوم، وكان وأد ربيع العرب الدموي، أحد عناصر تحجيم هذا الشرق وتمرده النهضوي ضد الهيمنة الغربية.

 وتبقى هذه الحسابات خاضعة لمراقبة الغرب، الذي يُحسن نقل قراره فيما يكرر العرب وعمقهم الإسلامي تجاربهم النازفة، خاصة حين يذهب جناح من تيارهم الإسلامي، لحروب موسمية طاحنة تذهب بهم، وتُسقط طموح الشعب المظلوم ومقاومته، وينتهي المشروع إلى أرض محروقة جديدة.

ولا أعرف إذا كان طرح مشروع التقسيم لسوريا وتحديداً في هذه اللحظة موضوعي، كون أن الخيار الآخر لقوة الحسم التي تتقدم على الميدان السوري في وضع زاحف، يتيح لها المجال للحسم النهائي وتصفية الثورة السورية كلياً، وبالتالي لماذا تلجأ للتقسيم؟

لكن ربما السؤال الآخر يحقق توازن دقيق لفهم القضية، والسؤال الآخر هو:

 ماذا لو سقطت حلب وتم مطاردة جيوب الثوار ودعم الروس عمليات إبادة جماعية في كل سوريا يستعد لها النظام اليوم، عند وقف إطلاق النار النهائي، وبالتالي يضمن التحالف الإقليمي كامل الأرض، وسيحتاج في حينه الأمر من جانب موسكو، وضع سوريا تحت الانتداب الإيراني.

أسوة بما جرى في العراق، مقابل قواعد وعقود ضخمة وقعها النظام منذ اليوم، لكن لا يفضّل الروس مطلقا، البقاء كقوات منتشرة ويفضلون أن تقوم إيران بهذه المهمة، كما نفذتها لواشنطن في العراق 2003، ولذلك فالفشل الذي صاحب واشنطن مع مشروع إيران هو ربما ما سيُحدد خيار التقسيم الجديد من عدمه.

______________________

مرح البقاعي، مستشارة في العلاقات الدولية

أمام ‏لجنة ‏العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي ليقدّم رأياً أو تحليلاً سياسياً بل ليدلي بشهادة من يملك صناعة‏ للقرار للسياسات الأميركية الخارج وتحديداً في ما يخص الأزمة السورية المتفاقمة،  بالتالي يجب أن تؤخذ شهادته على درجة من الجدية ما يسمح لنا بتفنيدها وقراءة ما وراء سطورها ومراميها أيضاً 

مرجعية مصطلح "تفكيك" سوريا الذي أطلقه كيري في شهادته هو مرادف سياسي للتقسيم الذي لا يريد أن يتلفّظ به حتى لا تحسب على الولايات المتحدة أنها ترّوج للتقسيم المحتمل. فمشروع التقسيم   المتداول بقوة اليوم في المحافل الدولية له شق تاريخي يرجع إلى مجريات ما بعد الاستقلال السوري الأول، وشق آخر آني فرضته الحرب الحاليةً في سوريا.  أما التاريخي فيعود إلى الأربعينات من القرن الفائت وتباشير تشكِّل الدولة الوطنية بعيد الحرب العالمية الثانية والاستقلال؛ إذ لم تنعم سوريا بحكم وطني مستقلّ مدني وتعدّدي إلا لفترات قصيرة جداً. فسوريا ودولتها الوطنية  لم تَر النور إلا لفترة وجيزة جداً إثر الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وهي فترة حكم شكري القوتلي التي أطاحها انقلاب العقيد حسني الزعيم في 30 آذار/مارس 1949، الانقلاب الأول في العالم العربي، والذي شكّل سابقة ومهّد لسلسلة انقلابات وصلت في عام واحد إلى ثلاثة أصحابها: الزعيم، الحنّاوي، الشيشكلي. وهكذا بدأت تتطاول يد العسكر على بيت الحكم في دمشق حتى وصول آل الأسد إلى السلطة بقوة السلاح أيضاً وإخضاع سوريا من قِبَل حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار لأكبر وأطول عملية اغتصاب للسلطة وتهديم للمقدّرات واستبداد بالشعب، عملية مدمّرة آلت إلى حملة قتل وتهجير جماعي لملايين من السوريين إثر اندلاع الثورة السورية الماجدة في آذار 2011، وكذا فتح بوابات البلاد للمرتزقة الذين قدموا من كل حدب وصوب على شكل مجموعات تكفيرية متطرّفة من أمثال داعش، أو على شكل مقاتلين أجانب استقدمهم العسكري الإيراني قاسم سليماني لدعم قوات بشار الأسد المتهاوية في غير جبهة. هكذا وقعت الصحوة الوطنية لاستعادة الحكم الوطني المدني الديموقراطي أو «ربيع سوريا»، والتي تجلّت في الخروج الكبير لشبابها ونخبها السياسية على هيئة ثورة شعبية جامعة وجامحة انتقلت من درعا جنوباً إلى دمشق ثم حمص وحلب وصولاً إلى القامشلي ودير الزور في أقصى الشمال الشرقي، وقعت تلك الصحوة بين براثن الغزو الإيراني المدعوم باستعلاء روسي عسكري ومخابراتي داعم للنظام، وبين تغوّل مجموعات التطرّف الديني التي غدت تحتلّ مساحة تقارب ثلث مساحة سوريا، تلك المجموعات الإرهابية التي بدأت إلى جانب اعتمادها لغطاء الشريعة الإسلامية في حكم مناطق واسعة في سوريا والعراق، بمشروعها الأخطر الذي تجلّى في إلغاء منهجي للحدود أينما حلّت، وكذا في تفتيت ممنهج ومتّصل للنسيج الاجتماعي السوري من خلال تطبيق أحكام جائرة على الطوائف والمذاهب والإثنيات، وعزلها عن المسلمين السنة، ثم اللجوء إلى إلغائها قسراً من نسيج المجتمع السوري الواحد في سياق عملية تطهير ديني وعرقي مريعة. ويمكننا أن نعتبر في هذا السياق أن الشق الثاني لتفكيك سوريا بدأ مع ظهور داعش واستشرائها وقاستقوائها على الأقليات العرقية والدينية والقومية


ضمن هذه الأجواء العكرة بدخان نيران الحرب التي تخنق الأجواء السورية يطلق الأميركيون مخارفهم ويلبسونها مصطلحات سياسية قد تكون صورة الجغرافيا السياسية للمنطقة على امتداد القرن الحادي والعشرين لترسم في النهاية كانتونات هي نتيجة تحلل أحلام الدولة الوطنية التي فشلت في استيعاب أحلام شعبها في دولة المواطنة والعدالة والتعددية. وما فعله داعش بحدّ السكين سبق ورسمه بالمسطرة الديبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، وشريكه البريطاني مارك سايكس، المسطرة التي رسمت مناطق النفوذ الأوروبي في جسم الخارطة العربية عام 1916 إثر انهيار امبراطورية «الرجل المريض» بعد الحرب العالمية الأولى، والتي جاءت نتيجة تفاهم سرّي بين فرنسا والمملكة المتحدة وبمصادقة من الإمبراطورية الروسية في ذلك الوقت، بهدف اقتسام الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا، فقد قدّمت إلى أبناء المنطقةِ الخارجةِ من أقدارٍ سوداء واستعمارية خارطة مقسّمة بشرعة مسطرة الرجلين، حيث خطّت حدوداً مفترضة بين «الدول المستقلّة» التي كان عليها أن تتطوّر باتجاه دول مدنية تحكمها نخب وطنية تحافظ على الحريات والوحدة والمساواة

إذاً أقول أن الحكومة الأميركية وبتفاهم في مسبوق مع الكرملين يمكن أن تلجأ إلى آخر الطب وهو الكي في المنطقة بأسرها والتي تتهاوى كأحجار الدومينو بلداً إثر بلد.

 

_____________________


طارق بلال، مدير المركز السوري للأحصاء والبحوث


ليس غريباً على الإدارة الأمريكية أن تقود المواجهات العسكرية نحو تقسيم البلاد والسلطة، والعراق مثال قريب من العقد الماضي برغم الإقرار بوجود اختلاف بين إدارة أوباما وإدارة بوش الابن. صدور مثل هذا التصريح عن وزير خارجية في اجتماع دولي رفيع المستوى هو لا شك إعلان موقف جاد ضمن استراتيجة جادة أيضاً، وحتى لو لم يكن هذا هو الحال على _اعتبار ترهل الإدارة الحالية_ فليس علينا أن نؤول كلام كيري معتبرينه أداة ضغط  لا هدف.

على الصعيد السوري لم يعد حديث التقسيم غريباً، ربما بات مطروحاً لدى الكثيرين كسبيل خلاص من الحرب أو نتيجة حتمية لها بما حطمته من روابط بينية واستبدلتها بأخرى طائفية.

المنادين بالانقسام اليوم هم بالدرجة الأولى طيف واسع من المكون الكردي، أما المستفيدين من التقسيم فهم بالدرجة الأولى المكون العلوي الذي لم يعد يأمن على نفسه جريرة ما اقترفه النظام باسمه.

على الصعيد الإقليمي ليس لأي من دول الجوار السوري مصلحة في تقسيم سوريا إلا ما يمكن أن يحقق من إضرار ونكاية في الآخر المنافس. فوجود كيان كردي مستقل في سوريا هو مدعاة اضطراب في كل من تركيا والعراق وحتى إيران.

أما دولياً فمن الصعب تصور الوصول لتوافق حول مكان دمشق من الخارطة الجديدة، ولئن استطاعت الولايات المتحدة بذريعة الإرهاب سحب بغداد من المعسكر الشرقي ومن ثم تركها لعمائم إيران فلا يبدو أنها اليوم تمتلك نفس الاستطاعة سيما مع رصيدها الكبير في النأي بالنفس في الشأن السوري فضلاً عن احتلال عسكري بري لا شك أنه سيصطدم بقوات تركية سعودية تبدو أقرب منها وصولاً للأراضي السورية، برغم كل الشكوك من إمكانية وصولها أصلاً.

ومن منظور روسي فالتقسيم يمكن أن يكون بين دولة الأسد ودولة البغدادي بما ينفي وجود المعارضة ويشرع أبواب السماء فوق سوريا لاستمرار الطلعات الروسية، وهذا ليس سناريو تقسيم إنما وصفة حرب لن تنتهي بل تتسع لتهدد موسكو.

والخلاصة أنه لا يزال من المبكر التكهن باللمسات النهائية لمشروع تقسيم.. ربما من غير المفيد الذهاب بعيداً في تناول هذا الطرح كما لو كان قدراً، فالواضح أن الأمريكان متمسكين بسيادة كردية في شمال سوريا، وأن الروس متمسكين بسيادة علوية في طرطوس والساحل، ولكن لا يبدو أن هناك اتفاق على السيادة في دمشق، وهي محط تنازع إقليمي إيراني سعودي أكثر منها دولي.. والأقرب للتصور هو توافق عالمي على إعادة تأهيل نظام أقلوي يسيطر في دمشق، بهذا يصبح التقسيم خياراً مطروحاً حتى للسنة لطالما أنه يعزل دمشق عن الكتلة العلوية والكردية ويجعلها في بحر من السنة، سيتفق العالم على أن مسؤولية السنة محاربة داعش، لكن لن يقوم أحد بحماية كامل التراب السوري إلا الثوار المتحركين خارج هذه المصفوفة، وإفشال سناريو التقسيم يبدأ من حماية مواقع الثوار في اللاذقية و اعزاز.

_____________________

فواز تيللو ، سياسي وباحث سوري

 
موقف بل هاتف "بدون تحرك عسكري" حقيقي واحد حازم من أوباما كفيل بأن يحزم بشار أسد ومئات من أركان نظامه أمتعتهم ويرحلوا مع عجز الروسي ورضوخ الإيراني، لكن أوباما لم ولن يفعل، فهو شريك كامل للروسي والإيراني ونظام أسد الطائفي ويسعى معهم إلى تقسيم سوريا اليوم بعد أن عجز الإيراني عسكرياً من حماية النظام من السقوط فتدخل الروسي بصمت الرضى الأمريكي لتنفيذ الخطة ب المتمثلة بتقسيم سوريا، فما يجري اليوم هو رسم حدود التقسيم على يد الروسي والإيراني عسكرياً بغطاء سياسي أمريكي تحت مسمى بيان فيينا والقرار 2254 وأخيراً القرار السريالي بوقف إطلاق النار أو الأعمال العدائية وغيرها من تسميات ومضامين يفسرها كل على ليلاه مع قائمة مفتوحة لتجريم قوى الثورة العسكرية.

تقسيم سوريا يعني حصول النظام الأسدي ومؤيديه الطائفيين والانفصاليين الكرد على موارد سوريا الطبيعية وشواطئها وعاصمتها وتجنبهم العدالة وتثبيت واقع تهجير ديموغرافي يكون فيه السنة العرب أقلية معزولة مفقرة ومحاصرة، مع انتصار إيران ومشروعها في كل المنطقة.

أوباما حليف معلن لإيران على حساب حلفاء أمريكا التاريخيين من العرب وهو يسعى لتثبيت واقع لا يمكن تغييره بعد رحيله، ومنه تقسيم سوريا، وهو أمر بات يدركه المحور "التركي القطري السعودي"، والرد عليه لا يكون إلا بإسقاط هذا المشروع عسكريا وفي سوريا حيث ينتصر أو يسقط المشروع الإيراني في كل المنطقة، وإسقاطه لا يكون إلا بتسليح الثوار السوريين بدون قيود على النوع والكم لخوض المعركة العسكرية الحاسمة فالإيراني والروسي لن يخرجوا من سوريا إلا عسكرياً.

الثورة السورية لم ولن تكون يوماً طائفية، عكس ما يراه ويعمل وفقه الطرف الآخر الأسدي الإيراني الروسي الأمريكي، قام السوريون بثورة حرية ردوا عليهم بقمع طائفي مدعومٍ عالمياً، وهو ما استدرج تطرفاً لم ولن يكون اصيلاً في جسم الثورة والعرب السنة السوريين بعكس الأطراف الأخرى.

ما يُطرح سياسيا "أمريكياً" اليوم هو تهيئة لتقسيم سوريا تحت مسمى الفيدرالية على الطريقة البوسنية، بخريطة تقسيم تثبت حدود الأمر الواقع، لكن تقسيم سوريا مستحيل، سوريا ليست البوسنة، و سوريا ليست تجمعاً للأقليات، سوريا بلد يمثل العرب السنة فيه "الأمة" وليس مجرد أكثرية، لم تتسموا يوما بالطائفية وحموا كل الأقليات، وكما كل بلاد العالم ففرنسا والمانيا وامريكا لها هويتها حتى لو تواجد فيها اقليات عربية وتركية ومسلمة ومكسيكية، أما محاولة تغير الديموغرافيا بهذه الطريقة الوحشية فلن تجلب إلا التطرف الذي سينهي وجود هذه الأقليات، وفي النهاية حتى لو استمر السوريون بالقتال وحدهم كما يفعلون منذ خمس سنوات فهم سينتصرون في النهاية وسيسقط مشروع التقسيم لكن بثمن كبير وسيسود التطرف كل المنطقة وسيدفع العالم الثمن في هذه الأثناء.

 

_________________

 

 

المصدر : الجزيرة