تحكي مضايا قصة شح الضمير الإنساني العالمي بعدما حرم النظام السوري وحزب الله أهالي هذه المدينة حقهم في الأكل، ويتضاءل الأمل لديهم في الحياة، بعد أن أصبحوا يتخوفون من انتهاء أشجار الورق التي يقتاتون منها.

وتشير المصادر إلى وفاة أكثر من 15 شخصا جوعا في الأيام القليلة الماضية، فيما ينتظر أكثر من أربعين ألفا رغيف خبز قد يصلهم من هنا أو هناك عبر لفتة إنسانية لإدخال مواد غذائية بعد حصار  طالهم لأكثر من 175 يوما، إذ لم  تدخل أي شاحنة مواد غذائية إلى البلدة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، كل هذا دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكنا تجاه ما يمارسه الجيش السوري وحزب الله من عملية انتقامية للضغط على المسلحين في الزبداني.

كيف تنظر إلى موقف المجتمع الدولي تجاه أفظع جريمة ترتكب في مضايا السورية؟ ولماذا يسكت العالم عن إبادة الأسد لمضايا؟ هل مات الضمير العالمي؟ أم أن المجتمع الدولي غير قادر على ردع الأسد؟

الجزيرة نت استطلعت آراء بعض الكتاب المتابعين لمسار القضية، نعرضها في ما يلي:

 

سعيد الحاج، كاتب فلسطيني

 

لا يمكن فهم الصمت الدولي إزاء حصار وتجويع مضايا إلا في سياق فهم الموقف الدولي من الأزمة السورية بشكل عام، فالأول مجرد تفصيل في إطار الصورة الكبيرة.

فالرؤية الدولية - أو لنقل الأمريكية - للأزمة السورية تبدو منذ سنوات معتمدة على عدة أسس، أولها إدامة الصراع وعدم السماح لطرف بالتغلب على الآخر وقد صدرت في هذا الخصوص تصريحات لكبار المسؤولين الأمريكيين تتحدث عن ضرورة الحفاظ على  "التوازن" في سوريا. والثاني هو الحل السياسي الانتقالي المتضمن بقاء الأسد على رأس السلطة خلال الفترة الانتقالية. والثالث هو أولوية مواجهة "تنظيم الدولة" وليس نظام الأسد، بل التعاون أحياناً مع الأخير لمواجهة الأول.

هذه الأسس الثلاثة تلقي الضوء بشكل واضح على مرتكزات الموقف الغربي والدولي من سوريا ومن معاناة شعبها، سيما وأننا نلمح الإرهاصات الواضحة لسيناريو تقسيم محتمل لسوريا إلى دويلات صغيرة على أسس طائفية وعرقية. ولا تبدو سياسة الحصار والتجويع هنا مجرد سلاح في حرب، بل وسيلة للتهجير وتفريغ بعض المناطق من أهلها في إطار هذا السيناريو.

وإلا فطائرات التحالف الدولي ومقاتلات روسيا التي تلقي بحمم القذائف والمساعدات العسكرية على مختلف المدن والمناطق في سوريا - والعراق - قادرة على إلقاء الغذاء على المحاضرين في مضايا والزبداني. كما أن الولايات المتحدة غير عاجزة عن الضغط على نظام الأسد ليسمح بمرور قوافل المساعدات الإنسانية إلى المحاصَرين.

إن إدامة الصراع واستمرار المعاناة والحاجة استراتيجية متكررة ومصلحة أكيدة في الحروب والنزاعات المسلحة، وإلا فقد الداعمون نفوذهم وتأثيرهم. ومن هنا سيكون من مصلحة بعض الأطراف "إظهار" المعاناة دون "إنهائها".

ولذلك، فالأنباء حول موافقة النظام على دخول المساعدات ليست سوى إحدى حلقات تطور الأحداث، ولا تعني إنهاء الأزمة بشكل كامل، بل مجرد تهدئة الملف مؤقتاً. فسياسة الحصار والتجويع ستبقى سلاحاً بيد النظام وداعميه ما بقيت المشكلة الأساس في سوريا قائمة، ولذلك فالحل الإنساني المؤقت دون الحل السياسي الجذري مجرد مسكنات مرحلية مطلوبة لإدامة الصراع، بحيث تحمي الناس من الموت جوعاً ليموتوا تحت القصف.

أخيراً، لئن فهمنا سياقات وأسباب الصمت الدولي عن هذه المأساة الإنسانية، فما هو تفسير الصمت العربي شبه المطبق على ما حصل ويحصل؟؟!!!. 

.........................................................

 

فايز الدويري، الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية

 

بعد مرور أسابيع عدّة على انطلاق الثورة السورية بدأ ما أصطلح عليهم لاحقاً الشبيحة بترديد شعار " الأسد أو نحرق البلد" ، ولقد أدت دمويتهم  المفرطة في قمع المظاهرات السلمية الى تحول الثورة عن مسارها السلمي والجنوح نحو الثورة المسلحة .

أدت التطورات المتسارعة لأحداث الثورة السورية وبدء عمليات الانشقاق الى تَشَكُل جماعات مسلحة تمكنت من السيطرة على بعض المناطق المحدودة والتي كانت في بداياتها تمثل جزر منعزلة ، مما يسهل على قوات النظام والشبيحة محاصرتها .

بدأ النظام السوري باستخدام سياسة الحصار منذ الشهر الثاني لانطلاق الاحتجاجات الشعبية ، حيث طبق آنذاك على مدينة درعا ليتم تطبيقه لاحقاً وعلى نطاق واسع منذ منتصف عالم 2012 في عدد من المناطق من أهمها : داريا والمعظمية وقدسيا  ودوما  في محيط دمشق القريب ، فيما تم محاصرة الغوطة الشرقية لاحقاً وبلدتي مضايا والزبداني  في ريف دمشق ، فيما طال الحصار الحجر  الأسود ومخيم اليرموك وحي القدم في مدينة دمشق ، كما حاصر الأحياء القديمة في حمص وحي الوعر ومدينة القصير وبعض أحياء مدينة حلب ، فيما حاصرت قوات المعارضة بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب وبلدتي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي .

تحت طائلة الحصار وتبعاته وتطبيق شعار" الجوع أو الركوع" تم عقد العديد من الهُدن بين قوات النظام  والقوات المدافعة عن المدن والبلدات والأحياء المحاصرة منها داريا والمعظمية وقدسيا والقصير وحمص القديمة وحي الوعر ، وكان آخرها وأهمها الاتفاق الذي تم بموجبه خروج مقاتلي تنظيم الدولة وعائلاتهم من حي القدم ومخيم اليرموك في دمشق.

خرجت مدينتي الزبداني ومضايا عن  سيطرة النظام منذ شهر سبتمبر2011 ورغم محاولات النظام المتكررة لم يستطع إستعادهما إلا أنهما وقعتا تحت حصار جزئي منذ بداية عام 2012 . بعد الخسارات المتتالية لجيش النظام وحلفاءه في محافظة إدلب بدءاً من معسكر وادي الضيف وصولاً الى جسر الشغور والوقوف أمام بلدة جورين ، وعدم قدرة حزب الله على تحقيق نتائج حاسمة في معارك القلمون ، ورغبة  النظام وداعميه في تحقيق تغيير ديمغرافي لصالح الطائفة الشيعية لتحقيق التواصل الجغرافي مع البقاع اللبناني ولرفع الروح المعنوية لجنودهما شن حزب الله  وقوات النظام هجوماً واسع النطاق على مدينة الزبداني استمر لأكثر من شهرين  استخدمت فيه كل أنواع الأسلحة بما فيها قنابل النابالم المحرمة دولياً ، مما أدى الى تدمير مدينة الزبداني ونزوح أكثر من عشرين الفاً من سكانها الى مدينة مضايا ليصل عدد السكان في مدينة مضايا أكثر من أربعين ألف نسمة .

أدى تزايد خسائر حزب الله التي بلغت أكثر من مئتي قتيل وتشديد الحصار على بلدتي كفريا والفوعة ومحاولة اقتحامهما لاحقاً  الى قبول أيران ( بالنيابة عن النظام ) بالتفاوض مع حركة أحرار الشام  على قاعدة مضايا الزبداني مقابل كفريا الفوعة .

رغم تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق إلا إن قوات النظام السوري وحزب الله استمرا في تنفيذ حصار محكم على مدينة مضايا من خلال التواجد العسكري لمسك الطرق المؤدية اليها وتعزيز ذلك بزراعة أعداد كبيرة من الألغام وبناء الحواجز الترابية والأسلاك الشائكة والقناصين وتدمير الأنفاق ، مما أدى الى وضع مأساوي ، نتج عنه وفاة 37شخصاً  حتى هذا اليوم وتهديد حياة الآلاف ، كل ذلك أمام سمع وبصر الدول الإقليمية والعالمية وهيئة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان.

أقل ما توصف به الثورة السورية أنها ثورة أيتام ، لم تجد من ينصفها ويساندها لتحقيق أهدافها ، حيث خضع التعامل معها على قاعدة المصالح وليس على قاعدة نصرة المظلوم والمحافظة على حقوق الإنسان .

 أدت استراتيجية الرئيس الأمريكي أوباما والمتمثلة في عدم التورط في رمال الشرق الأوسط  المتحركة ، وتردده في تنفيذ ضربة عسكرية بعد مجزرة الكيماوي في آب 2013 ،وعدم رغبته بإسقاط النظام السوري بحجة عدم وجود البديل المناسب وحرصه على أمن إسرائيل ( ساهم النظام السوري في الحفاظ على حالة اللاحرب واللاسلم طيلة العقود الأربعة الماضية)  الى تراجع الدور الأمريكي  لصالح تنامي الدور الروسي والإيراني والذي بلغ حد التدخل العسكري المباشر ، فإيران تسعى لتحقيق الهلال الشيعي ، فيما تسعى روسيا للتخلص من المقاتلين الإسلاميين الروس والذين يزيد عددهم عن ثلاثة الاف مقاتل قبل عودهم الى روسيا كما ترغب باحتفاظها بآخر موطئ قدم لها في المياه الدافئة ولا يتحقق ذلك إِلَّا من خلال المحافظة على نظام الأسد .

ورغم أن التدخل الروسي جاء لمحاربة تنظيم الدولة إلا أن تسعين بالمئة من الطلعات الجوية توجه ضد المناطق الخاضعة للمعارضة السورية ، حيث تسعى روسيا للقضاء عليها وإذا تحقق لها ذلك فإنها ستضع أصدقاء الشعب السوري أمام المفاضلة بين النظام السوري أو تنظيم الدولة .

ورغم التباين الجزئي في مواقف الدول الأوربية إلا أنها تسير وفقاً للاستراتيجية الأميركية فأكتفت بمحاربة الإرهاب الذي ساهم  النظام السوري في صنعه ، وتعزز موقفها ذلك  بعد الهجمات الإرهابية التي أصابت بعض تلك الدول.

قدمت كل من السعودية وقطر وتركيا مساعدة عسكرية وسياسية للثورة السورية إلا أنها بقيت نسبياً حبيسة القرار الأميركي فيما يخص تزويد قوات المعارضة المسلحة بالأسلحة النوعية المضادة للدروع ، فيما لم تستطع كسر الإرادة الأمريكية فيما يخص الأسلحة المضادة للطائرات والتي لو تم تزويد المعارضة المسلحة بها لسقط النظام السوري في منتصف عام 2012 ، وكان ذلك سيحول دون ظهور تنظيم الدولة  أو مأساة مضايا والزبداني وغيرها الكثير.

عجز مجلس الأمن عن إتخاذ أي قرار حازم تجاه النظام السوري وبقي حبيساً للفيتو الروسي الصيني فيما  اكتفى الأمين العام بإبداء قلقه لما يجري في سوريا .

 

تبقى المأساة السورية وصمة عار في جبين الإنسانية  كشفت مدى التخاذل الدولي، وكيف غلّب مصالحه السياسة على حساب الدم السوري،  نعم لقد مات الضمير الإنساني لدى الأنظمة الحكومية وصناع القرار ، كما يبدو أن شريحة كبرى من الشعوب قد أدمنت رؤية  الدم السوري يراق ولم تعد صور الهياكل العظمية نتيجة الجوع تحرك فيهم ساكناً، رغم أنه كان بإمكان أصدقاء الشعب السوري دعم الثورة السورية في بداياتها وإسقاط النظام دون حدوث مواجهة مع روسيا وإيران، وتجنب عشرات المجازر التي يرتكبها الطيران الروسي وقوات النظام وحلفاءه.

...................................................

 

علي العبد الله، كاتب سوري

 

لم يكن موقف المجتمع الدولي من تجويع اهالي مضايا، واغلبهم من النازحين من الزبداني ومدن القلمون الأخرى، موقفه السلبي الاول من معاناة السوريين في مدن وبلدات تعرّضت لحصار قاس من حمص القديمة الى حي الوعر فيها الى داريا والمعضمية المحاصرتين منذ ثلاثة سنوات، وقد اكل سكانها ورق شجر الزيتون والقطط والكلاب، الى الغوطة الشرقية، دوما وجوارها، وكذلك موقفه من مأساة سكان مدينة دير الزور التي يحاصر النظام جزءا كبيرا من سكانها والجزء الآخر يحاصره تنظيم داعش وقد مات العشرات بسبب الجوع وعدم توفر الادوية للأمراض المزمنة، القلب والسكري، ناهيك عن تعايشه مع جرائم النظام وحلفائه الايرانيين والميلشيات الشيعية التابعة لهم، واستخدامهم للقتل بكل صنوف الاسلحة بما في ذلك الاسلحة الكيماوية والقنابل العنقودية والفسفورية والبراميل المتفجرة واتباعه سياسة الارض المحروقة لدفع المواطنين الى النزوح واللجوء لخلق مشكلة لدول الجوار لدفعها الى تغيير موقفها من ثورة الحرية والكرامة. فالدول تنطلق في مواقفها، حتى في المواقف الانسانية والاخلاقية، من منطلق نفعي مرتبط بتحقيق المصالح القومية، وقد ظهر ذلك جليا في مواقفها من تطورات الصراع في سوريا وعليها حيث عكست اصطفافاتها ومواقفها الآنية اولوية مصالحها على التضامن الانساني والاخوي وخططها لتحقيق ذلك فقد توزعت في ضوء ذلك بين من يريد توظيف المآسي لإقناع الاطراف المحلية في الصراع للقبول بتصوراته، موقف واشنطن خير دليل على ذلك، وبين من يريد كسر ارادة الثوار واجبارهم على الاستسلام عبر مد النظام بكل اصناف الدعم المالي والعسكري والتسليحي والبشري عبر التدخل المباشر ودفع الموالين الى التوجه الى الساحة السورية لنصرة النظام بذرائع عديدة، كما تفعل روسيا وايران وميليشياتها. وهذا دون ان نغفل حالة الموات التي يعيشها الراي العام الدولي نتيجة لحالة العدمية الانسانية التي ترتبت على سيادة ثقافة المنفعة والمصلحة الفردية في المجتمعات المتقدمة وهيمنتها على السلوك الاجتماعي والانساني، كل هذا جعل تفعيل القانون الانساني والاخلاقي استنسابي مرتبط بالمصلحة القومية والفردية. ولعل الامّر والادهى ما ترتكبه الامم المتحدة، عبر مبعوثها الى سوريا السيد ستيفان دي ميستورا وفريق عمله، من جرائم بحق المواطنين السوريين بقبولها بتهجير المواطنين من مدنهم وبلداتهم وقراهم في اطار هدن مرحلية ما يقود الى تعديل في التوزع الديني والمذهبي والعرقي ويخلق مشكلات دائمة سيبقى المجتمع السوري يعاني من تبعاتها لقرون.     

 

 

المصدر : الجزيرة