قدّم الشارع المصري تضحيات جليلة قبل خمسة أعوام في 25 يناير/كانون الثاني 2011، رصدت حصيلتها لجنة لتقصي حقائق الثورة وقدرتها بنحو 886 قتيلا وستة آلاف مصاب.

بدأت الثورة بمطالبات بالإصلاح، وما لبثت أن تحولت إلى مطالبات برحيل النظام، رغبة في تغيير  ممارسات سياسية واقتصادية وأمنية، والقضاء على الخوف والتجاوزات الكبيرة لأجهزة الأمن، وتوفير حياة كريمة للفرد، تتمثل في الخدمات والتعليم والصحة والقضاء على الفقر، وغير ذلك مما لسنا بصدد رصده الآن.

لكنّ كثيرين من قادة الثورة هذه أبدوا اليوم أسفهم على المشاركة فيها؛ لأنها -على حد قولهم- لم تطح بنظام مبارك ما دام رفاقه وأعوانه مستمرين في حكم مصر، ولن يغادروها إلا بحمام من الدم، فالمليارات التي سُرقت لن يُتخلى عنها لمسؤولين صالحين يخلفونهم في الحكم.

يذكر أنه مع اقتراب ذكرى الثورة تؤكد قوى ثورية معارضة للانقلاب أنها ستشارك في حراك واسع ومؤثر، وأن هذا الحراك سيقابل من قبل النظام بمزيد من الاعتقالات في صفوف الشباب وسيتم استهدافهم. 

بعد خمس سنوات على ثورة يناير كيف تنظر إلى مصر اليوم؟ وإلى الثورة ذاتها؟ وهل تراها حققت أهدافها؟ أم أن التضحية كانت بلا ثمن؟

أستطلعت الجزيرة نت أراء بعض الكتاب المتابعين للشأن المصري ، ندرجها أدناه

عبد الفتاح ماضي، كاتب وباحث أكاديمي

ثورة يناير ثورة حقيقية ضد الظلم والاستبداد، وهي كغيرها من الثورات تجري عليها سنن الكون في التغيير. 

هي أولا ثورة مستمرة ولم تنته بعد جولاتها، وهي حلقة في سلسلة طويلة من نضال المصريين من أجل الحرية والإستقلال. والثورة المضادة القائمة الأن مصيرها إلى زوال لأنها تعمل ضد حركة التاريخ. وترتكب من الأخطاء ما يعمق التناقضات التي كانت موجودة قبل ثورة يناير. وفتاوى شيوخ السلاطين والقبضة  الأمنية والتحالفات الخارجية المشبوهة لا تمنع الثورات.  

الثورة عمل حتمي وليس اختيار، والثورة المصرية والثورات العربية تعد الرد الطبيعي على فشل الدولة القطرية المستبدة التي ظهرت مطلع القرن العشرين وفشلت سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وعلى تناقض هذه الدول القطرية مع ثقافة المجتمع وقيمه الدينية، وعلى تحالفات هذه الدويلات مع القوى الخارجية.  

الثورة حققت هدفا في غاية الأهمية وهو ادخال الشعوب في معادلة السياسة بعد عقود من الاقصاء والتهميش، وحققت أيضا هدفا مهما آخر هو إدراك الشعوب أن بإمكانهم اسقاط النظام متى اتحدوا ضده.

الثورة حققت هدفا في غاية الأهمية وهو ادخال الشعوب في معادلة السياسة بعد عقود من الاقصاء والتهميش،

لا ثورات بلا ثمن، والثورة من أصعب طرق التغيير السياسي وأكثرها تكلفة، لكنها أيضا فرصة كبيرة لإحداث تغيير شامل في نمط ممارسة السلطة نحو تمكين الشعب وتغيير السياسة ذاتها من دائرتها الضيقة التي أقامها الحكام المستبدين لخدمة بقائهم في السلطة إلى مفهوم أرحب يستهدف تحقيق مصالح الناس جميعا بلا تمييز. 

تحتاج الثورة المصرية وكافة الثورات العريية إلى تطوير عقيدة سياسية جامعة أو مرجعية وطنية عليا تجمع كافة التيارات الوطنية وتحدد القيم العليا والمبادئ الأساسية لنمط السلطة المنشود وطبيعة الدولة ومؤسساتها، والأولويات الحالية وكافة معايير الضبط الاجتماعي والسياسي. وهذه العقيدة السياسية لا تصنع من فراغ ولكن لابد أن تنبع من المجتمع وتعبر عن تطلعاته وآماله وتستند إلى ثقافته العربية والإسلامية.  

وكما حوربت الثورة المصرية وبقية الثورات العربية إقليميا ودوليا باعتبارها جميعا تمثل خطرا مشتركا واحدا، فلابد للعرب جميعا أن يخرجوا من تفتتهم وتشرذمهم الحالي عبر هذه الثورات، التي لابد أن تصل أهدافها إلى إعادة تشكيل الإقليم وظهور اتحاد عربي فيدرالي يضع العرب على بداية طريق النهوض. 

نبيل الفولي، كاتب وأكاديمي

قراءة الواقع المصري لا تكتمل برصد العناصر الطافية فوق السطح وحدها، على أهميتها، ولكن بالجمع بينها وبين ما يجري في الأعماق وتفسير بعضها ببعض.

ومن هنا لا يمكننا أن نفهم حقيقة الحالة المصرية بعد مرور 5 أعوام على ثورة 25 يناير برصد التصرفات الحالية للقادة السياسيين والأمنيين واستقبالاتهم وزياراتهم الخارجية والمناسبات السياسية المهمة التي تجري في مصر - مثل تشكيل الهيئة التشريعية مهما تكن صورتها - بدون فهم دلالاتها وعلاقتها بما يجري في أعماق المجتمع المصري.

مصر اليوم لا تختلف عن مصر قبيل الثورة من حيث النوع، فقد عاشت حينئذ وتعيش اليوم أزمة مستحكمة بين النظام الحاكم وجانب كبير - على الأقل - من الشعب المصري، يتربص فيها كل طرف بالآخر الدوائر ويتحين الفرص للخلاص منه، وقد يصنع فرصه بنفسه، على الرغم من التفاوت الكبير في نوع وحجم الأدوات والوسائل المتاحة لكل منهما.

وإذا كان معارضو النظام قبل الثورة ينادون بالإصلاح وإن بقي النظام، فهم اليوم ينادون بتغيير النظام كله، فالدولة التي لم تتغير قبل يناير 2011 من تلقاء نفسها أو بالدعوة الهادئة للإصلاح ما عاد المواطن الذي خرج إلى الميادين ثائرا عليها مضحيا من أجل حلحلتها عن مواقعها راضيا بأقل من سقوطها تماما، وعودة حقوق الشعب إليه كاملة.

كما أن المعارضة المصرية قبل الثورة كانت ظاهرة بشخوص قادتها وزعمائها السياسيين والثقافيين وكثير من ناشطيها، لكنها بعد الثورة ثم الانقلاب عادت - على حد تصوير بعض الناشطات - كأشباح تتحرك في الظلام، وهذا سبب مهم من أسباب اضطراب النظام وأجهزته الأمنية في مواجهة القادم في 25 يناير وما بعده.

نستطيع أن نقول مطمئنين: إن أهداف ثورة 25 يناير لم يتنصل منها النظام الذي انقلب عليها فقط، بل زاد من عسكرة الحياة بمستوى قياسي، وتراجع بالحالة الاقتصادية إلى أوضاع متردية جدا، وتعدى على حقوق الإنسان بصورة غير مسبوقة في مصر، وتهاون في حقوق مصر الثابتة في الماء والطاقة، وأباح حدودها لخصومها التاريخيين، وضحى بمزيد من المصالح العربية لصالح تحالفه مع إسرائيل؛ فهل كانت الثورة هي السبب؟

نعم، وبلا شك، لكن كما أن توتر سطوح السوائل يمثل لها قوة تحمل، فإن الثورة وتطوراتها قد زادت توتر السطح الاجتماعي المصري وقامت بعملية فرز كبيرة له، وأعطت جانبه المعارض نوعا من التماسك والخبرة الثورية التي يمكن توظيفها للعمل في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية للثورة. وسلوك الدولة العميقة وتطوراتِها السياسية فيما بعد تجاه الثورة طبيعي تماما - وإن لم يكن مشروعا -؛ لأنه دفاع عن الوجود، والمهم هو تحمل ضرباتها، واستئناف الحركة ضدها حتى زوال سلطانها.

إن دخول مصطلح "الثورة" في قاموس الحياة المصرية اليومية - باعتبارها فعلا ممكنا في الواقع لا تاريخا واحتفالا بماض - حتى استعملها النظام الحالي نفسه في إلغائه للتجربة الديمقراطية، يمثل نقطة ضوء مهمة لثورة 25 يناير، فقد تجاوزت النخبة الثورية بقاعدتها الشبابية الكبيرة ترددات ما قبل الثورة وإحجاماتها وحساباتها الكثيرة خوفا من بطش النظام، وأثبتت استعدادها لدفع ثمن التغيير، لكن يبقى التسيير الواقعي الصحيح لهذا المزاج الملائم جدا لأي عملية تغيير؛ حتى تتوافق الخطط والترتيبات معه.

كذلك من إنجازات الثورة أنها جعلت للشعب حقوقا واضحة، فلم تعد تنادي نداء عاما بالحرية والعدالة مثل 25 يناير، بل صار لها ممثلون منتخبون اختارهم الشعب نفسه،

كذلك من إنجازات الثورة أنها جعلت للشعب حقوقا واضحة، فلم تعد تنادي نداء عاما بالحرية والعدالة مثل 25 يناير، بل صار لها ممثلون منتخبون اختارهم الشعب نفسه،

وهم الذين تأمل أن يلبوا مطالبها في تحقيق "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية"، ومثل هذه الثوابت أو الإنجازات المحسوسة تمثل من خلال المنادين بها - من جهة أخرى - مظلة مهمة تفيء إليها أي معارضة تظهر في صفوف الشعب نتيجة فشل النظام أو تصرفاته الأمنية المتعسفة.

أما النادم على مشاركته في الثورة وخروجه على نظام مبارك قبل خمسة أعوام، فقد يكشف سلوكه هذا عن الأزمة المستحكمة التي تعيشها مصر في ظل الانقلاب حتى اشتاق إلى استبداد أقل شراسة من الاستبداد القائم، لكن هذا النادم لا يعدو هنا أن يكون مثل عبد مظلوم سامه سيده الخسف وحرمه حقوقه، فلما أراد أن يتحرر من القهر والعذاب وينطلق إلى الحرية، فشل، فرده سيده إلى أسوأ مما كان فيه، فعاد نادما على ما فعل!

ومثل هؤلاء لا تحركهم المبادئ والغايات الرفيعة، ولكن تسير نفوسهم الرغبات والمطامع وحدها، وهم عوامل تثبيط ورسل إحباط، وأفضل للثورة أن يغادروا سفينتها {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاّ خَبَالاً...}.

 

 

 

المصدر : الجزيرة