بدأت الأزمة بين العراق وتركيا تتجه نحو التصعيد بعد أن هددت بغداد أنقرة بإحالة المسألة إلى مجلس الأمن الدولي ما لم تسحب قواتها التركية من الموصل شمالي البلاد في أجل ينتهي اليوم.

في سياق متصل، طالبت روسيا من مجلس الأمن الدولي بحث الغارات الجوية التي تنفذها تركيا في العراق وروسيا خاصة بعد أن أعلنت أنقرة أنها لا تنوي سحب الجنود الذين أرسلتهم لحماية مدربين عسكريين أتراك يوجدون بالأراضي العراقية وفق اتفاق مسبق مع وزارة الدفاع العراقية.

من جانب آخر أشارت تقارير في وسائل إعلام إيرانية إلى تعاون تركي مع تنظيم الدولة الإسلامية، متهمة أروغان وأسرته بالمتاجرة في النفط مع التنظيم.  

يذكر أن موسكو ما زالت تواصل تهديداتها لتركيا بعد أن فرضت مجموعة من العقوبات الاقتصادية عليها وعقوبات تتعلق بالتأشيرة والعمالة التركية في روسيا، على خلفية إسقاط تركيا المقاتلة الروسية سوخوي 24 قالت إنها انتهكت المجال الجوي التركي.

كيف تنظر لهذا التصعيد ضد تركيا؟ وهل تراه أحد المواقف الموحدة من تحالف (روسي وإيراني وعراقي وسوري) تشكّل في المنطقة؟ أم إنه موقف منفرد؟ وما الغاية من هذا التصعيد ضد تركيا؟ ومن المستفيد منه؟ وهل تنذر هذه المواقف بحرب جديدة في المنطقة في ظل محاولة الغرب احتواء الأزمة الروسية التركية؟

استطلعت الجزيرة نت أراء بعض الكتاب المتابعين، نستعرضها أدناه:

ماجد كيالي، كاتب ومحلل سياسي

اعتقد أن تركيا باتت في مركز استهداف محور روسيا ـ طهران ـ بغداد ـ دمشق، وذلك لعدة أسباب، ربما يكمن اهمها، أولاً، في موقفها المتشدد ازاء نظام الأسد، ومساندتها للثورة السورية. ما يميزها هنا انها دولة مجاورة لسورية، وأنها دولة قوية، وأنها اكثر الدول الحدودية المؤثرة في مجريات الصراع السوري، منذ ربيع العام 2011. وثانيا، تنبع اهمية هذه الدولة، أيضا، من انها بالنسبة للمحور الأول تشكل النقيض، فهي أقوى دولة "سنية" في المنطقة، إذا استعرنا التغطيات التي تغلف الصراع الاقليمي على سوريا، باعتبار ان المحور الاولى يتصرف باسم الاسلام السياسي "الشيعي"، التابع لنظام المرشد في ايران، وبكل صراحة، مع ميلشيات مثل حزب الله وعصائب الحق وكتائب ابو الفضل العباس ولواء فاطميون وغيرهم. ثالثا، وفوق ما تقدم فإن تركيا تشكل نموذجا لنظام علماني وديمقراطي، مع حكومة محسوبة على التيار الاسلامي، وهذا ليس تفصيلا عاديا، وإنما هو أمر فائق الأهمية. رابعا، تتعامل تركيا بنوع من البرجماتية مع المسألة الكردية، وهذه مسألة تهم ايران والعراق، الذين يرون في صعود الكيان الكردي في العراق خطرا عليهما، مع انهما يلعبان ذات اللعبة مع اكراد تركيا وسوريا ضد تركيا. خامسا، بالنسبة لموقف روسيا من تركيا، فثمة خلفيات تاريخية للصراع، كما ان تركيا يمكن ان يكون لها نفوذ قوي في الجمهوريات المحاذية لروسيا، وحتى بالنسبة لبعض الجماعات القومية داخل الاتحاد الروسي، لذا فهي بالنسبة لروسيا بوتين تشكل تهديدا ينبغي الحذر منه او تحجيم دوره باستمرار، وتبدو الساحة السورية بمثابة مجالا لذلك، بحسب اعتقاد بوتين، ما يفسر الحملة التي يقودها ضد تركيا.

اما بخصوص مالات هذه التصعيد، فأعتقد ان الأمر لن يتجاوز حدوده الحالية، لأن المجتمع الدولي، وبخاصة اوروبا والولايات المتحدة، ستشتغل على محاصرة اي حرب، ولا ننسى ان الولايات المتحدة لم تقل كلمتها بعد، وان الغطرسة الروسية (والايرانية) في المسألة السورية، هي نتاج انكفاء الولايات المتحدة او لا مبالاتها. عموما حتى اذا تفاقم الامر فربما يصل الى حد نوع من حرب بالوكالة على الارض السورية وربما العراقية، لا اكثر.

القصة تتعلق بمدى التهور الذي يمكن ان يصدر عن بوتين، الذي لا يوجد من يقول له لا في روسيا، لا حكومة ولا برلمان ولا معارضة. لكنه يتوقف اساسا على ما ستقوله او تفعله الولايات المتحدة.

 

سعيد وليد الحاج، كاتب فلسطيني

 

بنظرة متأنية، لا يمكن فصل التوتر التركي - العراقي الأخير عن تداعيات الأزمة التركية - الروسية، نظراً لتوقيته وسياقه وتفاصيله، وبالنظر إلى تموضع الحكومة المركزية في بغداد ضمن الحلف الرباعي الممتد بين موسكو وطهران وبغداد ودمشق، وأيضاً بالربط مع تصريحات وإجراءات متزامنة صدرت عن نظام الأسد وطهران. وبالتالي فهو لا يخرج عن سياق الضغوط السياسية التي تمارسها موسكو على أنقرة من خلال حلفائها في الإقليم.

فرغم أن القوات التركية موجودة في شمال العراق بناء على اتفاق مع الحكومة المركزية وإدارة الإقليم الشمالي، ورغم أن التغيير جاء على مستوى العدد والعتاد لتأمين الجنود وليس على مستوى الرؤية والأهداف، إلا أن تصريحات المسؤولين العراقيين سارعت إلى تأزيم الموقف وتصعيده ضمن خطوات متسلسلة وسريعة توحية بالتحفز المسبق، في مشهد شبيه بالخطوات الروسية بعد إسقاط طائرتها.

ذلك أن الردود الروسية لم تكن لتخرج عن عدة خيارات: مواجهة سياسية لا يريدها الطرفان ويتجنبانها قدر الإمكان، وبروباغاندا سياسية وإعلامية لن تؤتي أكلها، وعقوبات اقتصادية قد تضر بروسيا أكثر من أنقرة، وتفعيل الحلفاء ضد الأخيرة لإعادتها إلى مستوى الدفاع بعدما بادرت بالرد، فضلاً عن المواجهة الرئيسة على الأرض السورية.

ووفق هذه الرؤية فلا يبدو أن العقوبات الاقتصادية الروسية ستبلغ مداها الأقصى لتشمل أمن الطاقة التركي، كما لا يبدو أن منظومة التحالفات الروسية الإقليمية قادرة حالياً على التأثير على أنقرة، بعد خيبة الأمل الروسية في مجلس الأمن ومضي مهلة بغداد دون تحرك عراقي أو تراجع تركي. وعليه فإن المتوقع والمأمول هو أن تشكل منظومة المصالح المشتركة بين موسكو وأنقرة - سيما الاقتصادية منها - شبكة أمان لهذه الأزمة، لتعبر تدريجياً جسر الحدة الحالي نحو شيء من الهدوء وكثير من الحوار.

بيد أن المواجهة المسلحة، وإن كانت ضئيلة الفرصة، تبدو قائمة في ظل الخلافات الكبيرة في الملفات الإقليمية والاستفزازات الروسية المستمرة ومغامرات روسيا "البوتينية" من جورجيا إلى أوكرانيا إلى روسيا، فضلاً عن تواجد حوالي 36 سفينة حربية من 12 دولة مختلفة في شرقي المتوسط، وهي تفاصيل تجعل من أي حدث عادي أو عرضي أو مفتعل فتيلاً محتملاً لحرب إقليمية و/أو عالمية.

هذا السيناريو الكارثي يمنعه حتى الآن الردع المتبادل بين الناتو وروسيا والهدوء التركي لامتصاص الغضبة الروسية. بيد أن سعي موسكو الحثيث لوجود مستدام ومسيطِر لها في المنطقة قد يصطدم في مرحلة ما مع مصالح شمال الأطلسي بشكل لا يمكن معه تجنب المواجهة، أو قد يؤدي فشل مسار اتفاق فيينا السياسي إلى ارتفاع حدة الاستقطاب مرة أخرى، وهي حرب - إن نشبت - لا يمكن التنبؤ بمداها الزمني أو نتائجها، اللهم إلا أنها ستكوي الجميع بنارها.

 

 
علي بدوان، كاتب فلسطيني

بالطبع، مع تزاحم مقترحات الحلول المبتورة وغير المبتورة للأزمة السورية، ومقترحات الحلول المُقابلة، والترتيبات الجارية لأطياف المعارضة السورية في مؤتمرها الرياض، فإن المنطقة تَمُرُ بتصعيدٍ كبير، وخلط الأوراق يتزايد، وتركيا في قلب العاصفة، مع بروز الورقة الكردية الآن بشكلٍ ساطع أكثر من الفترات السابقة في سياقات التثمير والاستخدام العسكري على الأرض، والتثمير السياسي على مستوياته المُختلفة، حيث يُشكّل الوجود الكردي الجغرافي والبشري عامل هام في سياقات الأزمة الداخلية السورية، وفي سياقات الموضوع العراقي والعلاقات التي تربط أنقرة مع بغداد. وفي سياقات إمكانية استخدام تلك الورقة في الضغط على أنقره.

بغداد وأطراف أُخرى، تتهم أنقره بمحاولة قَضم مناطق من مثلث الحدود التركية السورية العراقية. وأنقرة تَرُد بأنها تدافع عن أًمنها الإقليمي في مواجهة محاولات تنشيط دور حزب العمال الكردستاني الـ (PKK) للضغط على أنقرة عسكرياً على الأرض والمشاغبة عليها وعلى دورها وموقفها المطروح بشان الأزمة السورية وطريق الحل.

التصعيد العام في المنطقة في مواجهة الموقف التركي بعد حادثة إسقاط طائرة (السوخوي 24) الروسية، ودخول مجموعات من القوات العسكرية التركية الى مثلث الدود السورية التركية العراقية، يُعبّر في أحد وجوهه عن سياسات ومواقف التحالف (الروسي + الإيراني + العراقي + السوري) المُتشكّل في المنطقة منذ فترة ليست بالقصيرة، وبالتالي فهو ليس موقف منفرد للطرف العراقي فقط دون غيره. كما في محاولة موسكو معاقبة اَنقره بما يتوفر لديها من إمكانيات مُتاحة.

إن التصعيد إياه، وارتباطا مع الأزمة السورية، يَكبَح المساعي السياسية ولإيساعد على إيجاد حلولٍ واقعية ومُمكنة للأزمة الداخلية السورية، التي يَصرخ البعض من مُختلف الأطراف الدولية بالحديث عن ضرورات الحل السياسي. حيث المُستفيد في نهاية المطاف من يريد ديمومة الأزمة ونزيف الدم والدمار على حساب الشعب السوري المنكوب والشعب العراقي وأبناء المنطقة.

وأعتقد أن الحال المتوترة قد تَصل الى حدود عالية من التصعيد، لكنها لن تَصل الى حدود اندلاع حروب جديدة واسعة في المنطقة كما يَعتقد البعض. فالحرب وعند التفكير بعقلٍ مُنفتح ليست من مصلحة أحد، وبالتالي فإن دول الغرب وكما تشي مجموعة من المؤشرات والترجيحات، تسعى جدياً لاحتواء التصعيد المُتبادل الروسي التركي وفرملته عند حدوده التي وصل اليها دون تصعيد قد لا تحمد عقباه.وهذا الترجيح لا ينفي احتمالات تزايد حدة الاحتكاكات العسكرية على الأرض بين القوات العراقية والتركية الى وقت قد يطول قليلاً.

محمد زاهد كل، كاتب وباحث سياسي تركي

إن الراجح من تصاعد ردود الأفعال الروسية أن روسيا تريد أن تختلق خلافاً مع تركيا، ولم يكن صدفة ان يبدا الرئيس الروسي هجومه على القيادة التركية يوم 24/11/ 2015 بعد يوم واحد من زيارته لطهران ولقائه الزعيم الإيراني خامنئي يوم 23/11/2015، أما إسقاط الطائرة فليس بمستبعد الآن القول بان بوتين تعمد إصدار اوامره للطائرات الروسية بانتهاك الحدود التركية وعدم الخروج منها إلا بعد افتعال مشكلة مع سلاح الجوي التركي، في هذه الرؤية يصبح طبيعيا أن تجد تأييد الموقف الإيراني للعدوان الجوي الروسي على الحدود التركية، وكذلك موقف حكومة بشار الأسد، ومن بعدها حكومة العبادي العراقية، فبدأت الحبكة من التأييد حكومة الأسد اولاً، ثم تبعتها إيران واخيرا الموقف العراقي الذي انتهز إرسال وردية عسكرية تناوب في الأراضي العراقية في اقليم كردستان، بحسب اتفاق تركي عراقي من قبل، ولذلك طان طبيعيا في ظل هذه الجواء أن تسعى الحكومة العراقية إلى افتعال هذه الخلاف الدولي مع تركيا، وهي الحكومة التي كانت تناشد الأتراك دائما بزيادة دعمهم للحكومة العراقية في محاربة داعش.

فالأصل في المشكلة هي السياسة الروسية التي جاءت بمشروع توسعي استعماري إلى سوريا بعد أن تفاهمت مع امريكا وإسرائيل، بحجة محاربة داعش، وقد تبين ان محاربة داعش آخر اولويات الغزو الروسي في سوريا، وحيث أن القيادة التركية من اكثر المرشحين لمعارضة المشروع الروسي التوسعي، لأنه يخل بالمن القومي لكل دول المنطقة، فإن روسيا تريد إبعاد المعارضة التركية عن مشروعها التوسعي في سوريا، وهي تملك عدة اوراق في خوض هذا الصراع مع تركيا، ومنها:

1 ـ أن أمريكا لن تمانع نشوب خلاف بين روسيا وتركيا، طالما ان جنودها ومصالحها خارج هذا الصراع، بل قد تستثمره في توريط البلدين في صراع سياسي واقتصادي، لا يصل إلى مستواه العسكري الكبير حتى لا يتورط الناتو في هذا الصراع، طالما بقي في حدوده الاقتصادية والسياسية.

2 ـ أن إيران وتابعتها الحكومة العراقية والأسد لا تملك معارضة الأوامر الروسية السياسية والعسكرية في الاصطفاف إلى جانب روسيا، فروسيا هي المنفذ الوحيد لإيران لحفظ ماء وجهها في عدم إلحاق الهزيمة بها وبمحورها المتشيع في سوريا، وروسيا تريدهم قوات برية حفاظا على جنودها من القتل، وبذلك فإن الحكومة العراقية تتلقى الأوامر الروسية سواء مباشرة أو من طهران.

لذلك فإن روسيا تريد أن تحرج القيادة التركية في مجلس الأمن، بحجة تدخله في الأراضي العراقية والسورية، والدليل الوحيد لديها هو وجود جنود اتراك في العراق، ولكن روسيا تريد ربط سوريا بالأمر لإبعاد تركيا عن سوريا، فهي مكمن الهدف من الشكوى، ولذلك تفاجأت الحكومة العراقية أن روسيا قدمت الشكوى قبل علم الحكومة العراقية، فلا وزن للحكومة العراقية عند الروس، بل لا وزن لإيران التي سقطت من اعين الروس بعد خضوعها لأوامرهم بالقتال في سوريا تحت اوامرهم العسكرية.
تركيا تملك بين يديها اتفاقيات عسكرية مع حكومة بغداد، وهي موجودة في العراق بموجب تلك الاتفاقيات، ولكن مسعود برزاني ذهب إلى انقرة بهدف المطالبة بعدم التصعيد في الغالب، لنه لا يريد ان يكون عنصرا ضعيفا في اقليم كردستان، بعد ان عقد الحرس الثوري الإيراني اتفاقياته مع حزب العمال الكردستاني ومواليه من الأحزاب الكردية في شمال العراق وشمال سوريا للمشاركة في مواجهة الأتراك ومن يناصرهم، فروسيا سوف تسعى لمواجهة تركيا عسكريا على الأراضي السورية والعراقية والتركية أيضاً، ولكن بميليشيات أحزاب كردية يسارية، وليس بجنود روس، والمليشيات الكردية تأتمر بأوامر الحرس الثوري ودعمه العسكري والمالي، ولذلك انسحبت أمريكا من علاقاتها مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري لعلمها بأن روسيا تسعى لتوظيفه ضد تركيا عسكريا.

لذلك فإن ما يجري ليس تحالفا بين روسيا وإيران والعراق والأسد، بل هناك قيادة روسية فقط، وتستخدم الحكومات الإيرانية والعراقية والأسدية كجنود مرتزقة في صراعها مع تركيا، والحرب المحتملة ليست بين تركيا وروسيا، وإنما بين ميليشيات هذه الحكومة الخادمة للمشروع التوسعي الروسي في تهديد الأمن القومي التركي في جنوب وشرق داخل تركيا وخارجها.

 

المصدر : الجزيرة