أثار حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء السبت 31 أكتوبر/تشرين الأول 2015 ضجة عالمية وجدلا في الأوساط الدولية والسياسية في ظل غموض اكتنف أسباب سقوطها لتبقى كل السيناريوهات مطروحة على الساحة.

القاهرة تميل إلى إعطاء أسباب بعيدا عن ما يعزز تبني تنظيم الدولة الإسلامية إسقاط الطائرة، من قبيل انفجار في بطاريات ليثيوم في أمتعة الركاب أو انفجار في خزان الوقود أو تهالك في جسم الطائرة، فيما تميل كل من لندن وواشنطن إلى تفسير يعزز وجود قنبلة، في الطائرة في إشارة مباشرة إلى تنظيم الدولة.

يذكر أن عشرات الطائرات كانت قد أقلعت من مطار شرم الشيخ في مصر لنقل وإجلاء رعايا وسياح بعد قرار بريطاني روسي بإجلاء رعاياهم السياح في مصر بالإضافة إلى سياح من إيطاليا وألمانيا وأميركا، والذي قد يكبد قطاع السياحة المصري خسائر تصل قيمتها إلى أربعة ملايين دولار يوميا استنادا إلى مصادر رسمية مصرية.

إلى أي رواية تميل في أسباب سقوط الطائرة الروسية في سيناء؟ هل ترى أن تنظيم الدولة هو من يقف وراءها؟ وهل نجم الحادث عن تقصير أمني مصري لا سيما في مطار شرم الشيخ؟ أم إن واشنطن ولندن تسعيان لترويج ذلك؟ ولماذا؟ أم إن هناك أسبابا أخرى تقف وراء سقوط الطائرة وفق ما ترجحه السلطات المصرية؟ وهل هي محاولة غربية لتدويل قضية سيناء؟ أم أنها تهدف إلى إسقاط الطائرة محاولة لضرب السياحة في مصر؟

الجزيرة نت استطلعت آراء بعض الكتاب المتابعين لمسار القضية، ندرجها أدناه:

............................................

بشير عبد الفتاح، محلل سياسي

 

كان من بين أبرز الأمور الملفتة في مواقف القوى الكبرى حيال حادث الطائرة الروسية التي سقطت فوق سيناء المصرية، بروز التساؤل: لماذا ضنت تلك الأطراف الدولية على القاهرة بكذا معلومات ،إما لتفادى وقوع الحادث المشؤوم، أو للاستفادة منها في كشف غموضه وملابساته بما يحول دون تكرار وقوعه مرة أخرى مستقبلا؟!،ولعل هذا ما ندد به وزير الخارجية المصري سامح شكري حينما اتهم أجهزة استخبارات عالمية بعدم التعاون مع بلاده، حيث شكا  شكري في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية المجري الزائر بيتر سيارتون قبل أيام  من "أن بلاده لم تجد القدر الكافي الذي كانت تأمله من تعاون الدول الأخرى في مواجهة الإرهاب".

انطلاقا مما ذكر آنفا، يبدو أن واشنطن وحلفاءها الغربيين والإسرائيليين وعملاءها الإقليميين قد تجاهلوا عن عمد وربما عن غفلة واستخفاف حقيقة صادمة تتجلى في ضرورة التعاون من أجل درأ ذلك الخطب الجلل المتمثل فى أخطر تطور نوعى سلبى في استراتيجيات التنظيمات الإرهابية التي تدنت بخستها إلى استهداف الطائرات المدنية وما سوف يستتبعه ذلك من تهديد مباشر لأمن واستقرار العالم برمته ،ومن ثم طفقوا يتبارون في معاقبة كل من موسكو وواشنطن على تقاربهما الاستراتيجي المثير والمزعج لهم في آن خلال العام الماضي أو على الأقل كبح جماحه وتخفيض وتيرة تسارعه ، لاسيما بعد أن خولهما رفع مستوى التعاون الثنائي على الصعيدين العسكري والاقتصادي بشكل لافت فضلا عن التفاهم بشأن ملفات وقضايا إقليمية ودولية مهمة، كان في القلب منها المسألة السورية.

 فمصريا، يشكل اعتماد فرضية العمل الإرهابي في إسقاط الطائرة الروسية صفعة لتعهدات الرئيس السيسي بإعادة الأمن والاستقرار ومبرراته إبطاء مسيرة التحول الديمقراطي باستعادة الدولة ومحاربة الإرهاب ،كما يسدد ضربة قوية لمساعي وجهود إنعاش الاقتصاد المصري ،لاسيما وأن قطاع السياحة يعد مصدرا هاما للعملات الأجنبية بالنسبة لمصر، كما يقدم فرص عمل لآلاف المصريين، علاوة على تنشيط الصناعات المغذية التي يعتمد عليها قطاع السياحة، مثل الصناعات الغذائية والحرف اليدوية والمفروشات والنقل وغيرها.

وبناء عليه، ربما ينتظر السياحة في مصر مستقبل مظلم بعد تعليق الدول الرئيسية التي تمد سوق السياحة المصري بالسائحين رحلاتها إلى مصر وإعادة سائحيها إلى بلادهم على نحو دفع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن يحذو حذوهم ويعلق جميع الرحلات الروسية إلى مصر بعد توصيات من الاستخبارات الروسية ونصائح من قادة غربيين.

وعلى الصعيد الروسي، من شأن ثبوت رواية استهداف طائرة الإير باص الروسية فوق سيناء المصرية بفعل عمل تخريبي من قبل تنظيم ولاية سيناء الإرهابي الموالي لـ"داعش" ردا على العمليات العسكرية الروسية في سوريا،أن يدفع بالرأي العام في موسكو لممارسة الضغوط على القيادة الروسية بغية حملها على الوقف الفوري وغير المشروط لتلك العمليات ،التي ينشد بوتين من ورائها إلى تعزيز النفوذ الروسي في المنطقة مستفيدا من غياب الرؤية لدى الرئيس أوباما وجنوح واشنطن لتقليص مستوى حضورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط توطئة لتوسيع نطاقه وترسيخ مرتكزاته في منطقة الشرق الأقصى.

.........................................

مصطفى زهران، كاتب وباحث في حركات الإسلام السياسي

 

تدفع المعطيات الحادثة على الأرض منذ سقوط الطائرة الروسية في الـ 31 من أكتوبر الماضي ومقتل من عليها من ركاب إلى أن هناك من يخرجها من حادثة تقليدية إلى أخرى تحيط بها شبهات العمل الجنائي، ما يعنى أن  ثمة عملاَ إرهابيًا قد يكون السبب الرئيس في سقوط الطائرة، وليس إلى أمور فنية أو عطل قد حدث أدى إلى هذا المشهد المأساوي.

وتصاعدت الشبهات أكثر فأكثر حينما أعلنت "ولاية سيناء" التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، مسؤوليتها المبدئية عن إسقاط الطائرة، دون إيضاح التفاصيل، وكيفية إسقاطها.

وبعد الاجتهاد في تأمل حادث سقوط الطائرة ومعطياته تتجمع الصورة لدي لتدفع نحو إمكانية القول بأن "ولاية سيناء" هي من تقف وراء الحادث بنسبة كبيرة، وذلك لسببين رئيسيين:

أولهما: إنه منذ ظهور هذا التنظيم الراديكالي تحت مسمى "تنظيم الدولة بالعراق والشام"، ثم خلق ولايات منقادة له، ومبايعتها لـ"أبو بكر البغدادي" كخليفة لهم، في أكثر من بلد في المنطقتين العربية والإسلامية، لم نعهد عليه الالتفاف حول الأعمال الإرهابية، التي قد تتوزع بينه وبين القاعدة أو جماعات راديكالية أخرى، أو آخرين من خارج الدائرة الإسلامية، من خلال المسارعة إلى إعلان مسؤوليته عن حادثة ما لم يكن قد ارتكبها، وفي الجانب المصري  ما يدفع نحو ذلك: فعلى سبيل المثال لا الحصر لم تعلن "ولاية سيناء "مسؤوليتها عن مقتل النائب العام المصري "هشام بركات" في يونيو 2015 وهو هدف استراتيجي لهذه الجماعات الراديكالية والجهادية، وحال ادعائهم بمسئوليتهم عنها, كانت ستكون بمثابة نصرًا يكسبهم المزيد من النجاحات على الأرض رغم المضايقات والتطويق الأمني الشرطي والعسكري، لكنهم لم يفعلوا.

وفي موازاة ذلك لم تسارع ولاية سيناء إلى الإعلان عن مسئوليتها حول "تفجير القنصلية الإيطالية" بالقاهرة في يوليو /تموز الفائت, بل جاءت بإمضاء تنظيم الدولة الأم, ما يعكس حجم الدقة والخصوصية التي يتميز بها هذا التنظيم في توزيع الأدوار وتحديد المهمات بين الأصل والفرع.

ثانيهما: إجماع كافة التقارير الغربية - على الرغم من خروجها متأخرة - وأعني بذلك البريطانية والروسية والايرلندية وغيرها - إن ثمة انفجار قد حدث ناجمًا عن عملًا إرهابيًا, وأن الطائرة قد تحطمت وافترشت الأرض على مسافة ما يقارب من 5 كيلو مترا, ما يعنى أن هناك عملًا إرهابيًا بالفعل, بخلاف ما أثير الاشتباه بعطل فني أودى بالطائرة إلى هذا المشهد المأساوي.

سيناريوهات وآليات ولاية سيناء في استهداف الطائرة:

يمكننا القول إن هناك ثلاثة سيناريوهات لاستهداف الطائرة الروسية وهي على النحو التالي:

أولها: احتمالية استهداف الطائرة بصاروخ متطور "أرض جو" من قبل "ولاية سيناء" على الرغم من طيرانها على مسافة 30 ألف قدم، ما يعني أن لدى هذا التنظيم قدرات صاروخية عالية، وهو أمر غير مستبعد خاصة بعد انتقال التنظيم من الإطار المحلي متمثلًا في "أنصار بيت المقدس" إلى الآخر الإقليمي بعد انقياده وتبعيته لـ "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام", ويجب الإشارة إلى أنه كان لسقوط نظام القذافي في ليبيا أثرًا كبيرًا في تيسير حركة التنقل في منطقة الصحراء بين مصر وليبيا, ساهمت بقدر كبير في استحواذ الجماعات الراديكالية على حظًا كبيرًا ونصيبًا وافرًا من أسلحة النظام الليبي السابق وغيرها من الأسلحة العابرة للحدود.  

ثانيها: احتمالية أن يكون هناك انتحاريًا داعشيًا روسيًا أو قوقازيًا منضويًا تحت ولاية سيناء ولم يتم الكشف عنه منذ ظهور هذا التنظيم, ولعل ما يعزز ذلك هو وجود العشرات من العناصر الأجنبية المتشددة وسط عدد من التنظيمات الجهادية في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة من دول القوقاز والشيشان والروس وغيرها الكثير.. ربما لم يرغب التنظيم في الكشف عنهم لحين استخدامهم وتوظيفهم لأغراض محددة ربما كانت الطائرة الروسية واحدة منهم.

ثالثها: عبر زرع قنبلة بالطائرة من خلال  تسلل أحد الأشخاص إلى الطائرة قبل إقلاعها أو عبر وضع مواد شديدة الانفجار في إحدى الحقائب لا يمكن اكتشافها بالأجهزة التقليدية في مطار شرم الشيخ أو غيرها من المطارات سواء في مصر أو خارجها, مع افتراضية أن هذا المتسلل  لم يقم بالعمل وحده, بل له متعاونين وشركاء في إتمام العملية, وتكمن الأسباب في عدم نشر التفاصيل الكاملة من قبل ولاية سيناء للحادث رغم تبنيها لإسقاط الطائرة يكمن في انتظارها لمحو أثار هؤلاء المتعاونين و الشبكة الافتراضية من الأفراد.

وفي الحقيقة يصعب التكهن بأي هذه الآليات والسيناريوهات هي الأصح والأصوب والأقرب إلى ما حدث, ولكن ما يمكن قوله إن هذا الحادث هو عملا داعشيًا صرفًا ولا يمكن القول بغير ذلك.

وبالتوازي مع ذلك يمكن القول إن التناول الغربي لحادث سقوط الطائرة الروسية والحملات الإعلامية ضد السلطة في مصر وتحميلها مسئولية ما حدث إنما يرجع بالأساس إلى رغبة جامحة من تلك الدول خاصة بريطانيا إلى إعادة النظر في تمركز القوات المتعددة الجنسيات في شبة جزيرة سيناء, بخلاف وضعيتها في اتفاقية كامب ديفيد الشهيرة مع الجانب الإسرائيلي عام 1978م,  بما يتيح لها تواجد أكثر وتموضع جديد يتيح لها تامين حدود الدولة الإسرائيلية مع مصر, خشية أن يمثل التواجد الجهادي في شبة الجزيرة تهديدًا مباشرًا على الدولة الإسرائيلية, ما يعني أن الغرب يبحث عن وجود عسكري أجنبي في مصر خاصة داخل سيناء وتحديدًا كلاً من أميركا وبريطانيا لعقد توازن مع نظيره الروسي في الداخل السوري.

المصدر : الجزيرة