تشهد مصر المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، في أول انتخابات تشريعية منذ الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي عام 2013، لاختيار أعضاء البرلمان. وتنحصر المنافسة بين تكتلات مؤلفة من أحزاب موالية لرئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، ومن "المستقلين" المؤيدين له، للتنافس على 596 مقعدا نيابيا.

وتجري الانتخابات في ظل غياب كامل للمعارضة على رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وحضور واضح لمئات من الأعضاء والنواب السابقين المنتمين لحزب الرئيس المخلوع حسني مبارك، بعد إلغاء قرار سابق يمنع ترشحهم.

كيف تنظر لهذه الانتخابات؟ وهل تراها ترسخ سلطة السيسي، كما يراها مراقبون؟ وهل تؤيد المعارضة في وصفها لهذه الانتخابات بـ "المسرحية"؟ وهل ستفرز برلمانا قويا معبرا عن رغبة المصريين أم برلمانا "بلا صلاحيات"؟ 

الجزيرة نت استطلعت آراء بعض الكتاب المتابعين لمسار القضية، نعرضها في ما يلي

............................................................................ 

 

عبدالفتاح ماضي-  كاتب وباحث أكاديمي

أثبتت المرحلة الأولى من الانتخابات أن المشكلة ليست في الشعب كما يتصور البعض، فغالبية الشعب المصري قامت خلال السنوات الماضية بما يمكن القيام به من مقاطعة استفتاءات وانتخابات، ومن تظاهر ورفض، ومن الكتابة واطلاق النكت والمعارضة سرا في المساحات الآمنة وذلك في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية غير مواتية على الإطلاق. وهناك أيضا عشرات الآلاف من المعارضين في المعتقلات والمنافي. الشعب لم يفقد كرامته كما كتبت سابقا برغم كل الضربات التي يتلقاها وكل المغالطات التي يستقبلها عبر آلة الدعاية الإعلامية وبرغم عدم وجود كيانات واعية تعبر عنه.  

كما أثبتت الانتخابات أن الظهير الشعبي للنظام يمثل نسبة صغيرة من المصريين، وواقع الأمر أن شريحة من هذه النسبة يحركها الخوف أو المصلحة في الأساس. كما أن هناك شرائح أخرى كانت تظن أن النظام سيخلصها من مشكلاتها الاقتصادية والسياسية والأمنية إلا أنها تكتشف تدريجيا عجز النظام وتهافت ادعاءاته.  

وتظل المشكلة الأساسية في مصر هي انقسام المعارضين وتنافسهم وضيق أفقهم وعدم اتفاقهم على برنامج وطني جامع لإنقاذ مصر. بجانب غلق كل الطرق أمام ظهور قيادات وطلائع وطنية جديدة تتصدر المجال العام وتقود وتدبر وتخطط لبناء النظام الديمقراطي البديل بكافة قيمه ومؤسساته وضوابطه المتعارف عليها والتي يحرص الإعلام المصري على اخفائها عن الناس بمغالطات عديدة.

 إن المغالطات التي يرددها بعض السياسيين والإعلاميين عبر وسائل الإعلام المختلفة تعد جريمة بكل المقاييس، فهؤلاء لا يرددون الأكاذيب فقط وإنما يتعمدون تضليل الناس لحشدهم لتأييد النظام وتشويه ثورة يناير، وقد نجحوا في استمالة فئة من كبار السن من الرجال والنساء، ثم راحوا يدعون ويروجون إعلاميا أن هذه الفئة تمثل غالبية الشعب المصري ويتهمون البقية (وهم الأغلبية الصامتة في الواقع) بأنهم يريدون هدم الدولة واشعال حرب أهلية. والحقيقة هي أن سياسات الإقصاء والقمع هي الوقود الأول للعنف والإرهاب وهي التي تورط الجيش تدريجيا في صراعات داخلية (وربما خارجية أيضا) لن ينتج عنها في النهاية، لا قدر الله، إلا عواقب وخيمة. 
 

............................................................

 

علي بدوان، كاتب فلسطيني

 

بدأت الانتخابات البرلمانية المصرية في أجواء ومناخات غير مُشجعة على الإطلاق، حيث تُشير المعطيات المُستقاة من واقع مجرياتها أن الإقبال عليها مُتواضعاً قياساً لدوراتٍ انتخابية سبقتها. وخصوصاً بالنسبة لعنصر الشباب، حيث تَقُول المعطيات الرسمية بأن نسبة المشاركة الأقل خلال اليوم الأول هي للفئة العمرية من 18 عاما حتى 21 سنة، وهو أمرٌ يَحمِلُ دلالاته القاطعة. فثورة الشباب المصري التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك تم وأدها، وتم إقصاء روادها من الحالمين بالدمقرطة وبمشروع التغيير الكبير في مصر.

 

الانتخابات البرلمانية المصرية الحالية، تأتي مُبستَرة ومُعلّبة، وتحت السيطرة المدروسة من ناحية ضبط ايقاعاتها والتأثير على خيارات الناس، حتى في ظل وجود ورقابة عشرات الجهات المنظمات المدنية المصرية والدولية. فهي انتخابات تُعيد إنتاج نظام العسكرة تحت مُسمى الانتخابات الديمقراطية. وبالتالي في توطيد سلطة الحالة القائمة في مصر حالياً.

 

إن الانتخابات البرلمانية المصرية، هي في واقعها الحقيقي انتخابات اللون الواحد، في ظل غياب القوى الحية التي تحظى بالحضور والوجود الكبير في الشارع المصري بغض النظر عن مسميات تلك القوى ولونها الأيديولوجي والسياسي. فعملية الإقصاء واضحة، وهي تناقض مسار الحلول الديمقراطية في بلدٍ عربي مازال يموج بالتطورات المُتلاحقة صعوداً وهبوطاً منذ الإطاحة بنظام حسني مبارك وما تبعه من تحولات.

 

إن الانتخابات البرلمانية تجري هذه المرة في مصر، ونظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وهياكله السياسية مازالت موجودة ومتغلغلة وبقوة لابأس بها في عموم مفاصل أجهزة الدولة ومختلف وزاراتها ومؤسساتها، خصوصاً عند كبار الموظفين والبرجوازية المحلية ومجموعات الكومبرادرو المصرية المرتبط تجارياً واقتصادياً مع الخارج (مجموعة سماسرة الاقتصاد)، والأرستقراطية العامة في المجتمع المصري التي لاتريد تغييراً حقيقياً في وجهة مصر السياسية والاجتماعية، وتريد بقاء الحالة على ماهي عليه في ظل الامتيازات الطبقية التي حازت عليها طوال أكثر من ثلاثة عقود ونيف مضت.

 

فنحن هنا، أمام مشروعان وبرنامجان : مشروع التغيير وثورة الشباب واعادة بناء المؤسسات والدمقرطة والتعددية واعادة مصر لدورها الحقيقي الفعّال في المنطقة، وهو مشروع تم الانقلاب عليه وإجهاضه. ومشروع اعادة انتاج برلمان مُركب ومُصنّع يُعيد تكرار القديم دون تغيير جدي، برلمان دون صلاحيات، وتحت سقف سلطوي عسكرتاري، وبالتالي سرقة الثورة من اصحابها، ليصبح الحال المصري العام وعلى حد تعبير المثل الشعبي في بلاد الشام، القائل "تيتي تيتي مثل ما رحت جيتي".

 ..............................................

المصدر : الجزيرة