تشهد مصر حالة من الاحتقان والاستقطاب السياسي بين مؤيد لوجود الرئيس محمد مرسي على رأس السلطة وبين معارض له، فقد دعت أحزاب وقوى سياسية بمصر إلى التظاهر اليوم الجمعة تأييدا للرئيس المنتخب، مطالبة بمزيد من الإجراءات الحاسمة.

في المقابل أكدت المعارضة استمرارها في الدعوة إلى مظاهرات حاشدة الأحد المقبل 30 يونيو/حزيران الحالي، مطالبة برحيل الرئيس ورافضة لدعوة الحوار التي كان قد وجهها د. محمد مرسي الأربعاء المنصرم  في خطاب له بمناسبة مرور العام الأول على توليه حكم البلاد.

وكانت مصر قد شهدت خلال الأيام القليلة الماضية حالة من التوتر الأمني والعنف والمواجهات بين مؤيدي الرئيس ومناهضيه، مع اقتراب موعد الثلاثين من يونيو /حزيران ذكرى مرور عام على استلام د. مرسي مهامه الرئاسية.

كيف تقيم أداء رئيس الجمهورية خلال عام من توليه السلطة؟

وكانت الجزيرة نت قد استطلعت آراء بعض الكتاب المصريين، نعرضها لكم تباعا:

محمد القدوسي

ياسر عبد العزيز

***************************************************

محمد القدوسي، كاتب مصري

بمعيار المائة يوم الأولى ووعودها، فإن الناس لم يظلموا الرئيس، بل ساندوه، لكن المساندة الشعبية لا تدوم إلى الأبد، ولا تستمر من دون إنجاز. حقق الرئيس 33% من وعوده (قدم 64 وعدا، أنجز عشرة وعود، وشرع فى 24 أخرى) ووقتها أبدى 39% من الشعب رضاه عن الإنجاز، يعنى "الرضا" أكبر من "الإنجاز" بنسبة 16%، وهي مساندة.

وتؤكد المائة يوم أيضا أن هناك فارقا -راح يتسع بعد ذلك- بين حسابات الرئيس وبين الواقع.

وبدا أداء الرئيس بطيئا طوال الوقت، بسبب الافتقار إلى القدرة على التوقع والابتكار، لاستباق المشكلات والدعايات المضادة قبل وقوعها. مع إيجاد حلول، والتقدم على الخصوم السياسيين بخطوة.

محمد مرسي "إصلاحي" جاء ليقود "ثورة". صحيح أنه كان أحد قيادات الإخوان المسلمين التي دعت للمشاركة في الثورة، لكنه "موقف" ثوري في سياق "منهج" إصلاحي، تجلى في "إصراره" على عدم اللجوء للمصادرة، تاركا المال المسروق ليستخدم طوال الوقت في الكيد السياسي ضده، سواء في المنابر الإعلامية، أو تمويل المؤتمرات والتظاهرات. وفي المقابل بدا الرئيس متراخيا إزاء زيادة الأعباء على المواطن (لتمويل دولة تهدر مواردها ويتباطأ اقتصادها) ولم ينتبه إلى أن "مستوى المعيشة" وليس "الأيديولوجيا" هو ما سيحاسبه عليه الناس.

إذاً ليست الأزمة في قدرة الرئيس على "تقديم نفسه للناس" ولا في ضعف خطابه، لكنها أزمة بنيوية، تصاحبها "قلة خبرة" خاصة بعد رفض خصومه التعاون معه، واعتماده على "أهل الثقة" فضلا عن "حلف إستراتيجي" بينه وبين قيادة القوات المسلحة، ألزمه السكوت على أخطاء المجلس العسكري، التي حمل تبعاتها، مثل الموازنة التي ورثها، وفيها دعم الوقود سبعين مليار جنيه (بدلا من 120 مليارا على الأقل).

في المقابل أبدى الرئيس ثباتا انفعاليا، وهو يعمل طوال الوقت تحت ضغط وصل إلى حصار مقر سلطته وإقامته، كما نأى عن الإجراءات القمعية، وقل -إلى أدنى درجة- فساد النخبة الحاكمة، وإن كان أداؤها المرتبك قلل من شعور الناس بصلاحها، فضلا عن أن قواعد الأجهزة والمؤسسات الحكومية ظلت تمارس الفساد نفسه تقريبا. كما أوقف بيع مصانع القطاع العام، وأعاد تشغيل خمسمائة مصنع، وزاد احتياطي النقد الأجنبي ثلاثة مليارات دولار، وارتفع معدل النمو إلى 2.6% مقابل 3.% في العام السابق، وقلت واردات القمح بنسبة 34%، وعاد الجنرالات خطوة إلى الخلف.

وفي السياسة الخارجية، سار محمد مرسي بين حقول ألغام، وأبرز قصور شاب عهده أن المصريين لم يشعروا بانحسار النفوذ الأميركي.

******************************************************

ياسر عبد العزيز، كاتب مصري

ربما ستكون كلمة "ارحل" هي الكلمة الأكثر التصاقاً بصورة مرسي في المخيلة الجمعية المصرية، عشية انتهاء السنة الأولى من ولايته، لكن ثمة تعبيراً آخر ارتبط به سيكون أكثر قدرة على كشف تفاصيل صورته لدى قطاعات الشعب الواسعة؛ وهو تعبير "مصر كبيرة عليك".

ينهي مرسي سنته الأولى من ولايته الرئاسية تاركاً البلاد في أسوأ الأوضاع التي عرفتها في تاريخها الحديث؛ فمعدلات الفقر تتزايد، ونسب البطالة تتصاعد، ومحطات الوقود خاوية، والجنيه المصري يتراجع أمام العملات الأجنبية، والاحتياطي النقدي يوشك على النفاد، والديون الداخلية والخارجية تتفاقم، وسد النهضة الإثيوبي يهدد حياة المصريين وأمنهم المائي، والأمن ينفلت في ربوع الوطن، وسلطة الدولة تتداعى في سيناء، ومؤسسات الدولة تكاد تهوي وتتفكك، وبعض المهووسين المتعصبين يقتلون مواطنين على الهوية الدينية ويسحلونهم في الشوارع، وعلاقات مصر الخارجية تتردى، ومكانتها الإقليمية تسوخ في التراب، وعوامل الفرقة والتعصب الديني تستفحل، ونذر العنف تتصاعد، والأمل يضيع، والأفق ينسد.

منذ وصل الرئيس إلى موقعه قبل سنة لم يعلن عن رؤية واضحة متماسكة للعمل الوطني في أي من المجالات، وبدلاً من ذلك اكتفى بالحديث الإنشائي عن مشروع غامض لم يظهر منه سوى اسمه (النهضة) وبموازاة غياب الرؤية ظهر التخبط في جميع أنماط الأداء.

أظهر الرئيس ميلاً تعصبياً لجماعة "الإخوان المسلمين" اتضح منذ الوهلة الأولى عندما خاطب المصريين بقوله "أهلي وعشيرتي" ورغم محاولته الاستعانة بمستشارين ومعاونين من مرجعيات سياسية مختلفة، فإن معظم هؤلاء استقالوا بعدما فضحوا تجاهله لهم، وبعدما أكد بعضهم بوضوح أنه "يتلقى تعليمات من جماعته".

معظم النخب السياسية، والمثقفين، ومنسوبي الطبقة الوسطى، وسكان المدن الرئيسة في مصر باتوا معارضين لمرسي بوضوح، وجماعته وأنصاره من الإسلاميين لا يجدون ما يؤيدونه به سوى القول بأنه "مصل، وعابد، ويعرف ربنا" وبعض الحزبيين المؤيدين لا يجدون له ميزة سوى "غياب البديل" وهو ما يعني أنه "فقد أي اعتبار".

على الأرجح، فإن مرسي وصل إلى موقعه في مصادفة سيئة عرفتها مصر، وهو سيرحل من دون شك، لكنه سيحتل مكانة بارزة في التاريخ، بعدما تفرد بكونه الرئيس الذي "فعل جميع ما لا يجب أن يفعله رئيس".

المصدر : الجزيرة