أحمد السباعي-فورتاليزا

مياه آسنة وروائح كريهة تستقبلك عند دخولك الأحياء الفقيرة في البرازيل أو ما تعرف باسم "الفافيلا".. هذا المشهد يعطيك فكرة واضحة عما ينتظرك في الداخل، أطفال عراة وحفاة، ورجال نصف عراة ترك البؤس والفقر ندوبا على وجوههم، ونساءٌ معاناتُهن أكبر من أن تُروى. 

نُصحنا بعدم دخول هذه المناطق الخطرة إلا بحماية الشرطة، لكن المرافق أليخاندرو -سائق تاكسي وأحد أبناء هذه المناطق- طمأننا على سلامتنا في الداخل "إذا التزمنا بالتعليمات".

التصوير في الداخل ضرب من الجنون.. يحذّر المرافق، ومع الدخول إلى أحد الأحياء، تشرع العيون في ترقب ورصد الوافدين الجدد، لكن وجود أحد أبناء المنطقة برفقتنا، خفف من وطأة الصدمة وجعل الناس أكثر تقبلا للموضوع. 

"الفافيلا" كلمة برتغالية يُقصد بها الأحياء العشوائية والصفيحية التي تنتشر في البرازيل، وسكانها يعانون من نقص البنية التحتية والدخل القليل، ومنازلها بنيت من قطع الخشب أو من البواقي المعدنية، وقليل منها بني بالطوب والحجارة.

تنتشر الفافيلا بكثرة في المناطق التي تتميز بالحركة الاقتصادية القوية والجو الدافئ، ويعد أغلب سكانها فقراء أو تحت خط الفقر، كما تتنشر فيها جرائم القتل، والمخدرات، وحرب العصابات.

سكان منطقة باروزو يكسبون رزقهم من جماهير ملعب كاستيلاو القريب (الجزيرة نت)

غضب ومطالب
في إحدى زوايا فافيلا مدينة فورتاليزا وتسمى "باروزو" القريبة من ملعب كاستيلاو الذي استضاف عدة مباريات كان آخرها مباراة البرازيل وكوستاريكا.. التقينا رجلا يبيع المياه والمشروبات الغازية لجماهير الملعب.

يقول ألبرتو للمرافق -بعد الاستفسار عن هويتنا- جل ما نكسبه من المليارات التي صرفت على المونديال، بضعة ريالات من بيع السلع للجمهور، نعيش كل يوم بيومه، أما الطفرة الاقتصادية التي يتحدثون عنها فنسمع بها ولا نراها، لأنها لا تمر من هنا. 

وعبّر أهالي هذه المناطق عن غضبهم ومطالبهم بجداريات -كان من الصعب تصويرها- يطالبون فيها بالطعام بدل كرة القدم، وبصرف الأموال على الفقراء بدلا من تنظيم المونديال.

ماريا، إحدى ساكنات الحي، وأم لطفلين، دخل زوجها إلى السجن بتهمة ترويج المخدرات، تعيل أبناءها من بيع السلع الخاصة بالمونديال، وتسأل "كيف يسجنون زوجي الذي بقي سنوات دون عمل؟ كنا نجوع مع أطفالنا، ولم يؤمّنوا له ولأقرانه فرصة لكسب رزقهم بالطريقة الصحيحة".

المنازل في هذه المناطق متهالكة لا تصلح للعيش، نمرّ قرب أحدها، حيث تجلس مجموعة من النسوة مع أطفالهن أمام "بركة من المياه الآسنة"، يتسامرن ويضحكن والرائحة الكريهة تزكم المكان، لكن الأمر عادي بالنسبة لهن.

فابيو طفل رافق "الرحلة المحفوفة بالمخاطر" داخل "باروزو"، كان يمنّي النفس ببضعة ريالات ليأكل، وبعد إعطائه المال ليشتري ما يريده، كان الشكر برقصة "سامبا بريئة" خففت من توتر الزيارة، وبرّدت أجواءها.

انتشار أمني مكثف ليلا عند أحد مداخل الفافيلا أثناء مباراة البرازيل وكوستاريكا (الجزيرة نت)

فقراء لا مجرمون
يشرح المرافق حال هؤلاء الناس "بأنهم فقراء وليسوا مجرمين.. لم يجدوا فرص عمل فكانت المخدرات والجريمة بديلا متوفرا.. أطفالهم يذهبون إلى المدراس بحثا عن مستقبل يأمل ذووهم أن يكون أفضل منهم". ويتابع بحسرة، "بين هؤلاء من لا يأكل وجبة واحدة يوميا، ومدخولهم من مهنهم الخاصة المتواضعة لا تكفيهم بسبب غلاء الأسعار". 

ويختم.. لا يكره هؤلاء كرة القدم أو إقامة المونديال في بلادهم، فأغلب نجوم البرازيل السابقين والحاليين خرجوا من هذه المناطق، وكانوا يلعبون كرة القدم عراة حفاة في أزقتها وشوارعها، ولكن أوضاع سكان هذه المنطقة لم تتحسن منذ عشرات السنوات، والسلطة لا تحميهم، بل تتركهم لمصيرهم مع رجال العصابات وتجار والمخدرات النافذين والمتحكمين في هذه المناطق، التي تُعد معقلهم.

قبل مغادرة "باروزو"، يصرخ رجل مسن من بعيد بصوت غير مفهوم "جاء قبلكم آلاف الصحفيين، وأعدوا مئات التقارير، ولم ولن تتغير حالتنا البائسة، فنحن قاع المجتمع، ولا أحد ينظر تحت قدميه".

المصدر : الجزيرة