ماهر خليل-بورتو أليغري

في بورتو أليغري عاصمة الجنوب البرازيلي وإحدى المدن الـ١٢ المحتضنة للمونديال، قد تعتقد للوهلة الأولى أنك في كيان مستقل لا يمت بأي صلة لبقية أقاليم خامس أكبر بلدان العالم مساحة وسكانا، إذ يتميز الأهالي هنا بنمط عيش وعادات وتقاليد خاصة قد يكون مشروب "شيماهاو" الشعبي أبرز تجلياته.

وللمفارقة تغلب على قاطني ولاية "ريو غراندي دو سول" الحدودية مع أورغواي والأرجنتين طباع القرويين من حيث حسن الضيافة والكرم والترحاب بالغرباء، رغم أنها رابع أكبر حواضر البلاد (٤.٥ ملايين نسمة) وأثراها اقتصاديا.

ويفسر بعض من التقيناهم من أصيلي المنطقة -وينحدر أغلبهم من أصول إيطالية وألمانية وإسبانية- هذه الميزة بموروث ثقافي وحضاري يعود إلى أكثر من قرنين حين كانت الجهة قطبا فلاحيا ومركزا حيويا لمربي الأبقار (يسمون محليا غاووتشو).

شخصية الريفيين طبعت قلوب الناس في هذه المدينة التي أسست عام 1769 وهي نزعة بدت جلية في "شيماهاو" المشروب الذي يرافق الكبار والصغار، صباحا مساء ويوم الأحد على قول أحد الشعراء.

كاميليا جسدت كرم وترحاب
أهالي بورتو أليغري (الجزيرة نت)

حشائش وأعشاب
"شيماهاو" عبارة عن حشائش وأعشاب مجففة تخلط بعد هرسها وتملأ في كوب ذي شكل استثنائي إلى النصف طوليا بطريقة محكمة تجعل الخليط يثبت ولا يهوي للنصف الثاني الذي يضاف فيه تدريجيا ماء ساخن.

والغريب في الأمر أن النصف الأول الخاص بالأعشاب يظل ثابتا فيما يأخذ الماء الساخن مكانه بالنصف الآخر مع طعم الأعشاب ويمتص عبر "بامبو" وهو قصبة معدنية مبتكرة ذات شكل مميز هي الأخرى تؤدي دورها دون تسرب جزيئات الأعشاب مع الماء.

شيماهاو رفيق درب الجنوبيين على مر تاريخهم، سطع أيضا هذه الأيام وتحديدا في فضاء "مهرجان مشجعي المونديال" المنتصب فوق ربوة خلابة قبالة المحيط الأطلسي، وكان كالمعتاد جليس المئات من مرتاديه تجمعوا في حلقات يتابعون مباريات العرس العالمي والانتعاش بمذاقه الفريد.

بإحدى الحلقات المنتشرة بالنصف الخلفي من الساحة، دعتنا كاميليا ورفاقها لتذوق نصيب من المشروب الذي ينتشر خاصة في أورغواي وباراغواي والأرجنتين.

بائع أعشاب شيماهاو في مركادو
بورتو أليغري (الجزيرة نت)

لا يشبه الشاي
وبالفعل كانت تجربة لا تضاهى، مذاق منعش لا يشبه الشاي في شيء كما توقعنا، لكن النكهة والرائحة تذكران شيئا ما بأعشاب الجبال في المنطقة العربية على غرار الإكليل والزعتر.

أوراق شجيرة "إيرفا ماتي" هي المكون الرئيسي لخليط المشروب تقول كاميليا دون التوقف عن ملء كوب ثان والإلحاح علينا لإكماله، فيما هب جلساؤها واقفين فجأة للاحتفال بهدف "سيليساو" الرابع أمام الكاميرون مساء الثلاثاء.

ريكاردو، شاب آخر وجدناه في الصفوف الأمامية قبالة الشاشة العملاقة، عبر عن سعادته العارمة لاحتضان بورتو أليغري مباريات بالمونديال، مهمهما بعد رشفة طويلة من كوب شيماهاو "بام فيندوس (مرحبا بالبرتغالية) بكم في رحاب شعب الجنوب وغاووتشو".

واحتضن "بيرا-ريو" الملعب الأسطوري لفريق إنترناسيونال الغريم الأزلي لـ"غريميو" القطب الثاني لبورتو أليغري، أربع مباريات بالدور الأول بينها مباراة الجزائر مع كوريا الجنوبية (4-2) كما سيكون مسرحا لأحد مباريات دور الـ16.

جولة في المركادو
وبالعودة إلى البلدة القديمة حيث "المركادو" أقدم أسواقها المطل على ساحة "لارغو غرينيو بيريس"، لاحظنا إقبالا كبيرا على شراء أعشاب شيماهاو عرضت في مقدمة الحوانيت بأسعار لا يقل أدناها عن 12 ريالا برازيليا للكيلوغرام (ستة دولارات).

وعرضت في السوق البلدي أيضا أنواع متعددة من لحوم مجففة للأبقار والخرفان وحتى الأسماك (خاصة الباكالاو الشهير)، إضافة إلى كم هائل من الخضراوات والفواكه الاستوائية.

غير أن إقبال سياح المونديال تركز على باعة إكسسوارات تحضير وشرب "شيماهاو" ومنافسه "شوهاسكو" (شواء اللحم) وأيضا كل ما اتصل بمصنوعات تقليدية تخلد ذكرى المرور عبر مهد حضارة "غاووتشو" ومشروبها السحري.

المصدر : الجزيرة