هيثم حسين

يرسم البريطاني أليكس بيلوس في كتابه "كرة القدم.. الحياة على الطريقة البرازيلية" خريطة لتطور البرازيل وتنوعها وتقدمها انطلاقا من مركزية كرة القدم، بحيث يبدو كل ما فيها دائرا في فلك الكرة، ومتمحورا حولها بطريقة أو أخرى.

ويجزم الكاتب أن كرة القدم في البرازيل أسلوب حياة، وليست رياضة فقط، وأنها تربي الأجيال على روح الجماعة والعطاء، وتلهب الحماسة في النفوس، وتنمي الروح الوطنية، وتزيد الارتباط بالوطن والأهل، وتحرر من المخاوف والقلاقل.

ويذكر بيلوس في كتابه -الذي ترجمته عبلة عودة وطبعته "منشورات كلمة"- أن عدد سكان البرازيل يقارب 170 مليون نسمة، ويفوق عدد المواطنين السود منهم عددهم في أية دولة أخرى ما عدا نيجيريا، وفيها عدد من اليابانيين يفوق عددهم في أي دولة أخرى باستثناء اليابان، وهناك ما يقارب ثلاثمائة ألف نسمة من الهنود، منهم عدد من القبائل التي ما زالت مجهولة حتى الآن.

تراث ثقافي هائل
ويشير الكاتب إلى أن البرازيل تعد المنتج الأول في العالم لعصير البرتقال والقهوة والسكر، كما أنها بلد صناعي يحتل مركزا متقدما في صناعة الطائرات على سبيل المثال.

لكنه يذكر بالتراث الثقافي الهائل في الرقص والموسيقى الذي تمتلكه البرازيل، وإضافة إلى كل ذلك، هناك طبعا كرة القدم.

ويستشهد الكاتب بإحصائيات الفيدرالية البرازيلية لكرة القدم التي تقول إن هناك أكثر من خمسة آلاف لاعب برازيلي محترف يلعبون في فرق متعددة حول العالم.

ويمثل هذا العدد أربعة أضعاف عدد الدبلوماسيين، فهم يحملون ثقافتهم أينما ذهبوا، ويروجون لطريقة الحياة البرازيلية في البلدان التي يعيشون فيها، كما أنهم مصدر دخل مهم لعائلاتهم وذويهم في البرازيل.

كرة القدم تعدت اللعبة الرياضية لتصبح صانعة مصائر في البرازيل (غيتي/الفرنسية)

هوية وطنية
ويؤرخ الباحث لدخول كرة القدم إلى البرازيل للمرة الأولى عام 1894، عندما وصل تشارلز ميلر إلى ميناء سانتوس وهو يحمل كرتي قدم في يديه الاثنتين.

وعندما سأله والده جون ميلر -الذي كان يعمل في مد الخطوط الحديدية، وكان ينتظره في الميناء عما يحمله في يديه أجاب تشارلز: هذه شهادتي يا أبي، لقد تخرجت في كرة القدم. ثم تحول إلى بطل قومي في البرازيل، وهناك شارع باسمه في ساو باولو حتى الآن.

ويحكي بيلوس كيف أن كرة القدم وصلت إلى البرازيل بالتزامن مع الصحوة القومية للبلاد التي تحولت إلى النظام الجمهوري سنة 1889 وكانت في طور البحث عن سمات هويتها الخاصة.

ويبين كيف أصبحت هذه اللعبة أحد الرموز التي تبناها أبناء هذا الشعب في أثناء بحثهم عن هويتهم، بينما انتهز السياسيون الفرصة لاستغلال شعبية هذه اللعبة وتأثيرها على الناس، كما فعل الرئيس جيتاليو فارغاس الذي تسلم السلطة سنة 1930.

فقد استغل فارغاس اللعبة لتعزيز أفكاره القومية وترسيخ مبدأ التجانس الاجتماعي بين الأعراق المختلفة التي تكون المجتمع البرازيلي، ولتحقيق غاياته أوْلى اللعبة عناية خاصة.

صانعة مصائر
ويلاحظ بيلوس كيف أن كرة القدم تتعدى اللعبة الرياضية لتصبح صانعة مصائر أناس كثيرين، وفاتحة عصر مختلف لأولئك الذين يحققون أحلامهم بالانتقال إلى محطة أخرى تؤمن لهم حياة لائقة، وهي في الوقت نفسه ترسم مصير ومسيرة شعب برمته.

ويصل القارئ بعد الانتهاء من الكتاب إلى أن كرة القدم هي ملتقى الغاية والوسيلة معا، حيث تكون تعبيرا عن حالات الحب والحرية والعفوية والأمل، كما قد تكون مَعبرا إلى اليأس والتشاؤم في حال الخسارة.

المصدر : الجزيرة