ماهر خليل-ساو باولو

بدت شوارع مدينة ساو باولو البرازيلية هادئة الثلاثاء بعد أن كانت خلال الأيام الماضية مسرحا لمواجهات بين رجال الأمن والمضربين من عمال المترو الذين علقوا إضرابهم، لكنهم هددوا باستئنافه يوم افتتاح كأس العالم (الخميس).

وفي مشهد يوضح مدى تأثير الإضراب في حركة المرور، لاحظت الجزيرة نت مساء الاثنين طوابير من السيارات امتدت إلى كيلومترات من محيط مطار "غوالوليوس" الدولي وصولا إلى أغلب الطرقات المؤدية إلى وسط المدينة.

وباستقراء سريع لرأي أحد سائقي سيارات الأجرة حول الأمر، اكتفى محدثنا بالتعبير عن دهشته واستغرابه الشديدين مما آلت إليه الأوضاع، وهمس حانقا بإنجليزية لم يكن من اليسير فك شفرات لكنتها "فلتتحمل الحكومة مسؤولية تعنتها".

وتخشى السلطات ومنظمو المونديال أن تتسبب العودة إلى الإضراب في وسيلة التنقل الأولى بأكبر حواضر أميركا الجنوبية (أكثر من 25 مليون نسمة) في فوضى عارمة قد تضرب في مقتل الاستعدادات المتعثرة أصلا لانطلاق العرس العالمي.

رضوخ وتهديد
ورغم رضوخ الحكومة لمطالب المضربين بالموافقة على الزيادة في أجورهم والصفح على كل موظف مضرب يلتحق بعمله، أكد قادة نقابات عمال المترو أنه لا تراجع عن استئناف الإضراب إن لم تتراجع الإدارة عن طرد 42 من زملائهم.

وتبرر إدارة المترو طردها لهؤلاء العمال مطلع الشهر الحالي بأنهم ارتكبوا أعمال عنف وتخريب ومنعوا زملاءهم غير المضربين من الالتحاق بعملهم، وحرضوا المواطنين على القيام بأعمال عنف في محطات المترو.

وبينما يتواصل توافد المنتخبات والمشجعين على مدن البرازيل الـ12 التي ستحتضن مباريات المونديال، انتشرت الثلاثاء قوات الأمن أمام محطتي "براييزو" و"آنا روز" الأكبر في المدينة، تحسبا لتظاهر عشرات من مساندي الإضراب المدعومين بمجموعات من المتشردين.

ويعد المترو وسيلة الوصول الأولى مباشرة إلى ملعب "آرينا كورينثيانز" مسرح حفل الافتتاح والمباراة الأولى بين "سيليساو" المضيف ومنتخب كرواتيا، علما بأن عدة مدن أخرى شهدت إضرابات عديدة أبرزها في ريسيفي (شمال شرق) حيث أدى إضراب للشرطة الشهر الماضي إلى عمليات نهب واسعة.

فلافيو تساءل: كيف تصرف الحكومة مليارات في عائدات تذهب للفيفا ورجال الأعمال؟ (الجزيرة نت)

سخط وغضب
فلافيو، بائع متجول لأعلام البرازيل، التقته الجزيرة نت في شارع باوليستا -الأكبر في ساو باولو ومهد الاحتجاجات المناهضة للمونديال- لخص سخطا وغضبا يبدو أنه يملأ قلوب عدد غيره من البرازيليين إزاء ما يرون أنها "تكلفة خيالية" تكبدتها خزينة الدولة جراء تنظيم المونديال مقابل نقص فادح في الخدمات العامة.

واعتبر فلافيو الذي يقطن إحدى العشوائيات المحيطة بساو باولو وتعرف محليا باسم "فافيلا"، أن ما تقترفه الحكومة "جريمة في حق الشعب"، متسائلا "كيف تصرف مليارات الدولارات من أجل بطولة كروية ستذهب عائداتها كلها إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ورجال الأعمال والسياسيين الفاسدين، في حين يتواصل العجز عن توفير التعليم والصحة والنقل العمومي والأمن للمواطن".

يذكر أن اشتباكات دامية جرت في شارع باوليستا بالذات الصيف الماضي خلال مظاهرات عارمة منددة بتنظيم كأس القارات، كما شهد الشارع أيضا تجمع نحو مائتي ألف متظاهر في الفترة ذاتها ضد تنظيم كأس العالم الذي كلف عملاق اقتصاد أميركا اللاتينية أكثر من 15 مليار دولار.

ولم يعكس صعود الاقتصاد البرازيلي إلى المرتبة السادسة عالميا منذ العام 2011 -متفوقا على بريطانيا وإيطاليا- أي إنجازات على الأرض لفائدة الفئات الفقيرة وحتى المتوسطة، علما بأن غلاء المعيشة تضاعف مرات، خاصة أسعار مواد الغذاء الأساسية (الأرز بنسبة 20% والخضروات 96% والعقار 118%).

وبين حالة الشد والجذب بين الطرفين، تعهدت الحكومة "بالضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه إفساد فرحة المونديال" في مواجهتها الحامية مع متظاهرين منظمين ومصرين على "الانتقام".

المصدر : الجزيرة