ضيوف البطولة عبروا عن استيائهم من الغلاء (الجزيرة نت)

ماهر خليل-جوهانسبرغ
 
في الطائرة المتجهة إلى جوهانسبرغ, تهمس جليستك بعد التحية متسائلة: هل هي الزيارة الأولى؟ تومىء بنعم وتنتظر منها كيل المديح لبلدها، بيد أن الرد جاء بنبرة خبيرة نصوحة "حاول أن تكون حذرا ويقظا فالبلد غير آمن بما فيه الكفاية".

حديث "جوديس" العجوز الجنوب أفريقية المنحدرة من أصول أوروبية، لم يكن مفاجئا ولا مربكا، لأن الهاجس الأمني كان مثار جدل كبير عند نيل هذا البلد شرف احتضان كأس العالم في كرة القدم عام 2010 لأول مرة في أفريقيا.

ورغم ما تعرضت له من انتقادات وتشكيك، أنهت جنوب أفريقيا -ذات معدلات الجريمة المرتفعة- اختبار المونديال بشهادة ممتاز جدا, وأبهرت العالم بمستوى تنظيمي رفيع ودون شوائب أمنية تذكر.

وبعد أكثر من سنتين، هاهو موطن نيلسون مانديلا يستعد مجددا لاحتضان أكبر عرس كروي أفريقي عند افتتاح بطولة أمم أفريقيا الـ29 ظهر اليوم بملعب سوكر سيتي بجوهانسبرغ, الذي كان مسرحا لنهائي مونديال 2010.

سيبوزيزو منتشيا بتذكرة مباراة (الجزيرة نت)
غياب الترويج
في جولة للجزيرة نت بالمدينة لوحظ استنفار أمني, خاصة في محطات النقل والشوارع الرئيسية، إضافة إلى تركيز مكثف لأنظمة متطورة للمراقبة على أسوار أغلب المباني والمجمعات السكنية.

ولم نلحظ مظاهر ترويجية للبطولة قبل سويعات قليلة عن افتتاح ثالث أكبر محفل كروي عالمي بعد المونديال وكأس أمم أوروبا، فلا معلقات أثثت الشوارع, ولا يوجد مشجعون أضفوا عليها الطابع الاحتفالي المعهود لجماهير الكرة بأفريقيا.

وفي ساحة مانديلا الشهيرة بحي صاندتون الأرقى بالمدينة، كانت حركة المترجلين ومرتادي المقاهي عادية رغم رذاذ المطر الخفيف الذي لم ينقطع منذ الصباح، علما بأن الفصل هنا صيف لا تتجاوز خلاله الحرارة الوسطى عشرين درجة مئوية.

"آمل أن يكون منتخبنا في مستوى التطلعات" يقول غويدو، وهو جنوب أفريقي ذو جذور إيطالية، كان بين قلة من ذوي البشرة البيضاء الذين رحبوا بالحديث للجزيرة نت، فالازدراء كان سلوك السواد الأعظم من بني جلدته ممن حاولنا رصد آرائهم عن البطولة بأحد المراكز التجارية في صاندتون.

في المقابل، بدا السمر أكثر ترحابا وحفاوة وتواضعا. وقال أحدهم يدعى "سيبوزيزو" منتشيا بتذكرة اقتناها للتو لمباراة الافتتاح بين جنوب أفريقيا والرأس الأخضر اليوم، إن اللقب سيكون من نصيب منتخب "بافانا بافانا" (الأولاد). أما صديقه "بيني" فكان أقل تفاؤلا، إذ اعتبر أن المنتخب قد لا يتجاوز الدور الأول لقلة خبرة اللاعبين وعدم التحضير الجيد للبطولة.

من جهته قال المغربي مراد -مقيم بجنوب أفريقيا منذ 16 سنة ويعمل بالتجارة- بثقة وتفاؤل كبيرين إن أسود الأطلس بقيادة مدربهم المحلي رشيد الطاوسي سينافسون بجدية على اللقب، متمنيا حظا وافرا للمنتخبين العربيين الآخرين تونس والجزائر.
مكتب التنسيق للكاف بجوهانسبرغ (الجزيرة نت)

مشكلة الغلاء
وغير بعيد عن المكان، اتخذ الاتحاد الأفريقي للكرة (كاف) أحد طوابق المباني مقرا للتنسيق والمساعدة واستخراج بطاقات الاعتماد الخاصة بالصحفيين وغيرهم من الضيوف والمسؤولين.

كانت الخدمة سريعة ومنظمة، فاستخراج البطاقة لم يتجاوز عشر دقائق، لكن أغلب من سألتهم الجزيرة نت -ممن كانوا هناك- لم يكونوا مهتمين بالأمور التنظيمية بقدر استيائهم من غلاء الإقامة والتنقل بالمدينة رغم وفرة العرض وجودة الخدمة.

يُشار إلى أن البلد لا يوحي إطلاقا بأنك في قارة أفريقيا المقترن اسمها عادة بالفقر والجوع والتخلف، بل هو أقرب إلى أكثر البلدان تقدما وحضارة، وهذا الأمر يبدو جليا بالطرقات ووسائل النقل والمباني الحديثة والبنية التحتية المتطورة للغاية.

ولا تقل أسعار الفنادق من فئة الأربعة نجوم مثلا عن 1500 رند (نحو 150 دولارا) في حين تختلف أسعار التنقل وفق الوسيلة، فالتاكسي يبقى الأغلى مقارنة بالحافلة أو المترو الحديث الذي دخل حيز التشغيل منذ المونديال.

يُذكر أن جنوب أفريقيا (50 مليون نسمة) بلد فيه أعراق ولغات وثقافات وديانات متعددة. فالسمر -الذين عانوا لعقود من نظام التمييز العنصري- يمثلون الأغلبية الساحقة مقابل أقليات من البيض ذوي الجذور الأوروبية وآخرين من أصول آسيوية. كما أن الثروات الهائلة التي يزخر بها لم تجعل فئات من شعبه بمنأى عن الفقر والبطالة وسوء توزيع الثروة.

المصدر : الجزيرة