الكينيون حاولوا التضييق على مخلوفي لكنه استطاع الإفلات منهم في الأمتار الـ 150 الأخيرة (غيتي إيميجز)
لم يتوقع أكثر الناس تفاؤلا في الجزائر أن يصنع عداء مغمور مجد بلاده في الألعاب الأولمبية "لندن 2012"، أرفع منافسة رياضية عالمية.

إذ اتجهت توقعات الخبراء نحو رياضتي الجودو والملاكمة، لكن الذهبية لم تأت من هذين التخصصين، بل من تخصص 1500 م، وأهداها للجزائر العداء توفيق مخلوفي (24 عاما)، ليكذب قول كل خطيب ويمنح بلاده أول ذهبية أولمبية منذ 12 عاما، ويسير على خطى نور الدين مرسلي وحسيبة بولمرقة ونورية مراح.

يطلق على الرياضيين الجزائريين اسم "محاربي الصحراء"، فبعد إنجازات كرة القدم في مونديال 1982، وصولات مرسلي، وجولات "ابن البلد" زين الدين زيدان في فرنسا، أضيف إلى اللائحة اسم هو مخلوفي.

لكن كان يمكن أن يبقى مخلوفي -الذي ترتسم على وجهه ملامح صحراوية قاسية- مجرد عداء عادي في نادي الدفاع المدني لولاية سوق أهراس (في أقصى الشرق الجزائري) لو لم يكتشفه عمار براهمية مدرب البطل العالمي والأولمبي مرسلي، ويضمه لفريقه من عدائي المسافات النصف الطويلة.

صناعة بطل
يقول براهمية لوكالة الأنباء الألمانية إن تتويج مخلوفي "حلم تحقق رغم كل الظروف الصعبة والعراقيل التي صاحبت مشوار النجم القادم من عمق الجزائر". 

وقد حدثت بعض العراقيل مثلا عندما رفض الاتحاد الجزائري لألعاب القوى والمجمع البترولي -كما يقول براهمية- التكفل بالعداء الواعد، الذي كان يضطر أحيانا للإقامة عند أحد زملائه في فندق في الجزائر العاصمة، و"كان الأخير يشتري له الشطائر".

"هذا العداء عانى كثيرا سواء في الجزائر أو خلال المعسكرات التي كنا نجريها في إفران بالمغرب"، يقول براهمية.

ويذكر براهمية كيف كان مخلوفي يتفوق على زملائه في الفريق كطارق بوكنزة وزرق العين، "لكني أعتقد أن بدايته الحقيقية كانت خلال ألعاب البحر المتوسط عام 2009 بمدينة بيسكارا الإيطالية عندما حل رابعا في نهائي سباق 1500 م".

عمل مخلوفي بعد ذلك على تطوير مستواه، فسجل 32.94 ثانية في سباق 1500 م في موناكو في يوليو/تموز 2010، ثم فاز ببرونزية السباق نفسه وبذهبية 800 م في دورة الألعاب الأفريقية العاشرة في موزمبيق في 2011.

مخلوفي أهدى العرب أول ميدالياتهم الذهبية في لندن (الأوروبية)

لكن مشاكل براهمية مع مسؤولي اتحاد القوى الجزائري جعلته ينضم للفريق العربي، الذي يشرف عليه المدرب الصومالي جاما أدن، وجمع أيضا السوداني أبو بكر كاكي والقطري حمزة دريوش.

"كنت في حالة سيئة في بداية العام لكني قمت بتغيير مدربي والطريقة التي أستعد بها للمنافسات"، يقول مخلوفي لوكالة الأنباء الفرنسية.

كان لهذا الانتقال تأثير إيجابي عليه، إذا واصل تطوره المذهل، وحسّن زمنه الشخصي في تخصص 800 م إلى دقيقة واحدة و43.88 ثانية، محرزا ذهبية السباق في بطولة أفريقيا هذا العام.

كما حسّن زمنه الشخصي في 1500 م بثانيتين و14 جزءا من الثانية عندما حل خامسا في لقاء موناكو الصيف الماضي، وحقق ثالث أفضل زمن جزائري في هذا التخصص، بعد نور الدين مرسلي وعلي سعيدي سياف.

يقول براهمية "بصراحة انتُزع مني مخلوفي.. لأن المسؤولين خيّروه بين البقاء في فريقي أو قطع المساعدات التي تسمح له بالتحضير، فقرر الانضمام لمدرب آخر ساعده على النجاح أيضا".

لكن براهمية يؤكد أن إشرافه كان له أثر في نتائج مخلوفي، فـ"من غير المنطقي أن يقال إن تتويجه الأولمبي جاء نتيجة العمل لمدة ستة أشهر فقط".

يؤكد الإعلامي عبدو سجواني مسؤول اتحاد ألعاب القوى الجزائري أن من ينكر فضل براهمية جاحد، لكنه يشير أيضا إلى المساعدات التي قدمها الاتحاد للعداء كالتكفل بمعسكراته.

إرادة صلبة
يقول سجواني إن مخلوفي يملك إرادة لا تقهر، ويذكر كيف تحدث إليه قبل ساعات فقط من نهائي سباق 1500 م، فأبلغه أنه يشارك من أجل الذهب دون غيره، وهو يرى أن إصابته هي ما حرمه من ذهبية سباق 800 م.

وكأن المتاعب تصر على مطاردته حتى في لندن، إذ استبعده الاتحاد الدولي لألعاب القوى بتهمة غير عادية وهي عدم بذل الجهد الكافي في تصفيات 800 م، بعد أن نسي الاتحاد الجزائري سحبه من السباق إثر تأهله إلى نهائي 1500 م، قبل أن يُسمَح له بعد ساعات قليلة بالمشاركة "بعد مراجعة الأدلة المقدمة من المسؤول الطبي للجنة المنظمة (لإصابة في ركبته)".

لكن مخلوفي قال لوكالة فرانس برس بعد فوزه "لم أحسب أي حساب لما حصل معي في سباق 800 م، ولم يؤثر ذلك علي في سباق اليوم".

الكينيون الذين حاولوا التضييق عليه، اختفوا عن المنافسة، بعد أن انطلق كالسهم في الأمتار الـ 150 الأخيرة، فتذيل اثنان منهم الترتيب وحل سيلاس كيبلاغات سابعا، ليمنح العداء الجزائري العرب أول ميدالية ذهبية في لندن.

وقد خصص الإعلام الجزائري مساحات واسعة لمخلوفي، الذي يأمل أن يكون تتويجه بداية عهد جديد ونهاية متاعبه المالية بفضل المكافآت المالية والمساعدات الأخرى التي تنتظره.

ويتوقع أن يحصل مخلوفي على مكافأة قدرها 30 ألف يورو، إضافة إلى راتب شهري قيمته 1400 يورو يصرف لمدة عامين، وسيارة فخمة من شركة "فولكس فاغن".

المصدر : وكالات