مهاجم سلوفينيا بيشنيك محاطا بلاعبين أميركيين في مباراة البلدين ضمن المونديال (الفرنسية)

الغش والتحايل على الحكام هما جزء من جماليات كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

ليست هذه عبارة وردت في صحف اشتهرت باهتمامها بالرياضة فأفردت لها الصفحات والملاحق الخاصة، بل هي مقدمة لمقال عن كرة القدم نشرته مجلة فورين بوليسي الأميركية الرصينة التي تُعنى بالسياسة والاقتصاد حتى بات تأثيرها على دوائر صنع القرار ومراكز الدراسات والبحوث في الولايات المتحدة وخارجها واضحا وملموسا.

وتحت عنوان "كل شيء في الحب وكرة القدم مشروع"، كتب أستاذ العلوم السياسية المشارك بجامعة جورجيا ستيت الأميركية هنري كاري يقول إن الأميركيين المولعين باللعبة ربما يشعرون بأن شكوكهم لها ما يبررها بعد أن شاهدوا كيف أن الحكم كومان كوليبالي حرم منتخب بلادهم من فوز على سلوفينيا في نهائيات كأس العالم الجارية حاليا بجنوب أفريقيا.

لكنه يُعزي مشجعي المنتخب الأميركي قائلا إن "خرق القوانين جزء لا يتجزأ من كرة القدم العالمية"، فالكل يغش، وعليه فإن هناك الكثير مما ينبغي على المرء تعلمه من تصرفات كل منتخب ومن ثم الاستمتاع به.

واستشهد الكاتب بمقولة كتبها وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر ذكر فيها أن المنتخبات الوطنية لكرة القدم تمثل انعكاسا لما درج أساتذة العلوم السياسية على تسميته "الشخصية القومية".

على أنه من غير المريح إيجاد رابط بين لمس الكرة باليد والمشاركة السياسية، أو حراسة المرمى بالوطنية. ومع ذلك –والرأي لا يزال لكاري- فثمة عنصر واحد من العناصر التي تُشكل الشخصية القومية له نظير في كرة القدم ألا وهو الفساد.

ومع أن الفساد السياسي والاجتماعي مستشرٍ في كافة المناحي، فإن لكرة القدم العالمية نصيبا كبيرا من الفساد، والأمثلة على ذلك كثيرة.

الخداع أميركي جنوبي

أخطاء البشر جزء من كرة القدم (رويترز-أرشيف)
ومن بين ما ضربه كاري من أمثلة تلك التحقيقات الجنائية التي أجريت مؤخرا حول عمليات الرشى والفساد في كرة القدم بألمانيا وإيطاليا.

وقال إن كل مباراة في كرة القدم تزخر بأمثلة على لاعبين يتحايلون على القوانين أو ينتهكونها.

إن عقد مقارنة بسيطة كفيل بأن يكشف أن المشجعين هم أنسب مثال يعكس قدرا من الصورة النمطية عن الشخصية القومية ولو بدرجة أقل.

وبالنظر إلى النماذج النمطية للشخصية القومية والإحصائيات التي تُعنى بالفساد، فإننا نتوقع من منتخبات أميركا الجنوبية وجنوب أوروبا أن تكون أكثر عرضة للرشوة والغش في عالم كرة القدم.

ومن هذا المنطلق فإن الأرجنتينيين والإيطاليين، لاعبين ومشجعين على حد سواء، اشتهروا باللجوء لأساليب الخداع والتحايل على أرض الملعب، فهم يحاولون أقصى ما في وسعهم ليحصلوا على ما يتمنونه عندما لا تكون أنظار الحكم متجهة نحوهم.

فالمشجعون واللاعبون من تلك الدول يبدون غير مبالين بتضييع الوقت والتحايل والتمثيل على الحكام كأن يرمي اللاعب نفسه داخل خط 18 ليحصل على ضربة جزاء، إذ إنهم يرون ذلك جزءا من اللعبة.

وهذا هو دأب الناس في أميركا الجنوبية، فأنصار كرة القدم هناك يجدون متعة في أساليب التحايل والخداع التي تُحرِّمها قوانين اللعبة ذاتها. فقوانين اللعبة بسيطة وهي أن "لا تكذب أبدا، ولكن في الوقت نفسه لا تقل كل الحقيقة".

ومن أمثلة التحايل والخداع التي ساقها كاتب المقال استخدام النجم الأرجنتيني دييغو مارادونا يده لإحراز هدف في مرمى إنجلترا في نهائيات كأس العالم 1986.

ومنها صعود فرنسا لنهائيات 2010 الحالية بهدف استعان مهاجمها تييري هنري بيده لإحرازه.

الروح الرياضية مفهوم أخلاقي (رويترز)

الروح الرياضية
وفي رأي الكاتب فإن بريطانيا وألمانيا هما أقل الدول تسامحا مع مثل هذه الأساليب. وهو سلوك –في نظره- يستمد جذوره من الممارسات السياسية التاريخية.

فالروح الرياضية تعد أحد المكونات الهامة للمفاهيم الأخلاقية التي دأبت أوروبا على اللجوء إليها لتبرير احتلالها بلادا قصية.

هناك استثناءات بالطبع للعلاقة بين الفساد الاجتماعي وارتكاب مخالفة رياضية. فإذا حكمنا على الأمور من منظور قصص الفساد، الذي استشرى في الآونة الأخيرة في الولايات المتحدة، فربما نتوقع أن يرتمي اللاعبون الأميركيون داخل خط 18، وتبديد الوقت، وجر الخصوم من قمصانهم وارتكاب ضربات حرة (فاولات) تكتيكية.

لكن في واقع الأمر فإن اتحاد كرة القدم الأميركي للمحترفين ما برح يتشدد في فرض قوانين اللعبة.

وبالطبع فإن الولايات المتحدة تعلمت من مباراة سلوفينيا أن تحكيم كرة القدم فن أكثر منه علم، وأن طرق التحكيم تنم أيضا عن الشخصية القومية للحكم.

المصدر : فورين بوليسي