لماذا يهتم العلماء بكسوف الشمس؟
آخر تحديث: 2017/8/13 الساعة 16:47 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/21 هـ
اغلاق
خبر عاجل :الخارجية القطرية: حصر نقل حجاج قطر عبر الخطوط السعودية غير مسبوق وغير منطقي
آخر تحديث: 2017/8/13 الساعة 16:47 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/21 هـ

لماذا يهتم العلماء بكسوف الشمس؟

كسوف الشمس ساعد العلماء على فهم ظواهر طبيعية وفلكية أخرى (الأوروبية)
كسوف الشمس ساعد العلماء على فهم ظواهر طبيعية وفلكية أخرى (الأوروبية)

كسوف الشمس من أهم الظواهر الفلكية التي أخذت انتباه الناس منذ القدم وما زالت، ورغم أن هذه الظاهرة الطبيعية باحت بكل أسرارها للعلماء منذ أمد بعيد فقد بقيت على أهميتها عندهم، فإنها لم تعد موضوعا للبحث والدراسة فحسب، بل صارت في نظرهم أداة لفهم ظواهر طبيعية وفلكية أخرى. كيف ذلك؟

تعود أقدم الآثار التي تسجل حدوث هذه الظاهرة إلى القرن الرابع قبل الميلاد، فقد عرفت الحضارات القديمة الوسائل العلمية التي مكنتها من توقع حدوث هذه الظاهرة.

من ذلك كتابات صينية منحوتة على عظم عن كسوف وقع في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2137 قبل الميلاد، وتورد أسطورة الفلكيين الإمبراطوريين "هاي" و"هو" اللذين لم ينجحا في توقع الكسوف وكلفهما ذلك الخطأ حياتهما. كما أورد هيرودوت وقوع كسوف للشمس يوم 28 مايو/أيار 585 قبل الميلاد تنبأ بوقوعه عالم الرياضيات اليوناني طاليس.

واهتم العلماء المسلمون في أوج الحضارة العربية الإسلامية بظاهرة الكسوف، وكانت مسألة التنبؤ بحدوثها من الأمور الشائعة لديهم، وأجروا قياسات دقيقة لها، وقد مكنت دقة تلك القياسات، خاصة تلك التي قام بها محمد بن جابر البتاني (القرن العاشر)، العلماء في العصر الحديث من حساب تسارع القمر أثناء حركته خلال قرن من الزمان.

وكان أبو الريحان البيروني (القرن الحادي عشر) أول من استنتج من خلال دراسة الكسوف والخسوف أن حجم الشمس أكبر من حجم القمر وأنها أبعد عن الأرض ووضع رسوما توضيحية لهذه الظاهرة.

دراسة هالة الشمس
أما في العصر الحديث فقد مكنت ظاهرة كسوف الشمس العلماء منذ القرن التاسع عشر من القيام بإنجازات علمية هامة. ونظمت أولى الرحلات العلمية التي شارك فيها فلكيون من عدة بلدان في 28 يوليو/تموز 1851 بهدف رصد الكسوف الذي شهدته مناطق شمال أوروبا خاصة السويد والنرويج.

العلماء صوروا كسوف الشمس لأول مرة عام 1851 (الأوروبية)

وتمكن العلماء في تلك الرحلة من إثبات انتماء الهالة الناصعة التي تظهر خلال الكسوف للشمس وليس للقمر كما كان يقال سابقا. وتسمى اليوم الهالة الشمسية أو الإكليل الشمسي، وهي منطقة تفصل بين الشمس والفضاء المحيط بها وتتكون من غازات متأينة وفي حالة بلازما. كما صورت البعثة أول كسوف للشمس.

وتمكن عالم الفلك والفيزياء الأميركي تشارلز أغستوس يانغ في نهاية القرن التاسع عشر من دراسة طيف الضوء الواصل من هالة الشمس خلال الكسوفات، ليكتشف أن أجزاء منها تفوق درجة حرارتها مليون درجة مئوية بينما لا تتعدى درجة حرارة سطح الشمس 6000 درجة تقريبا.

اكتشاف الهيليوم
وكان للكسوف الذي وقع في أغسطس/آب 1868 وشمل مناطق آسيا دور في تسجيل أحد الاكتشافات الهامة في العصر الحديث. وقد رصد هذه الظاهرة أحد أبرز علماء الفلك في تلك الفترة، وهو الفرنسي جول جاسن انطلاقا من الهند.

وعند رصد الكسوف اكتشف جاسن شعاعا غير معروف آنذاك في الطيف الشمسي ليتبين لاحقا أنه لعنصر كيميائي جديد أطلق عليم اسم الهيليوم، وهي كلمة مشتقة من كلمة "هيليوس" اليونانية، التي تعني الشمس. وهذا العنصر هو ثاني أكثر العناصر انتشارا في الكون بعد الهيدروجين. ولم يكتشف على الأرض إلا عام 1895.

الهيليوم هو ثاني أكثر العناصر انتشارا في الكون (رويترز)

 أول اختبار لنظرية النسبية
وقد ساعد كسوف الشمس الذي وقع في عام 1919 في الحصول على أول دليل على صحة نظرية النسبية العامة التي قدمها ألبرت أينشتاين قبل ذلك بسنوات قليلة. في ذلك الوقت لم تكن نظرية النسبية العامة قد لاقت انتشارا واسعا في الأوساط العلمية بسبب الحرب العالمية الأولى.

لكن أحد أكبر علماء الفيزياء الفلكية آنذاك وهو الإنجليزي آرثر إدنغتون لم يكتف بنشر هذه النظرية في الأوساط البريطانية والأميركية، بل عمل على إثبات صحتها كذلك، ففي بعثة نظمها إلى جزيرة برانسب بخليج غينيا في أفريقيا لرصد كسوف كلي للشمس وقع يوم 29 مايو/أيار 1919 قام بقياس انحراف ضوء أحد النجوم بسبب جاذبية الشمس لحظة الكسوف ووجد أن تلك القياسات كانت متطابقة مع حسابات النسبية العامة.

تحليل الكسوف ساعد على إثبات نظرية أينشتاين الشهيرة (أسوشيتد برس)

وقد مثلت دراسة سجلات رصد الكسوفات التي وقعت على امتداد آلاف السنين الماضية وسيلة للتوصل في النصف الأول من القرن الماضي إلى حقيقة مفادها أن سرعة الأرض في تباطؤ. ذلك أن العلماء عندما قاموا بعمليات محاكاة لهذه الظاهرة ومقارنة نتائجهم بما ورد من معطيات مدونة في المصادر التاريخية وجدوا تطابقا في التواريخ الواردة في تلك المصادر، لكن مع اختلاف في الأماكن التي من المفترض أن يكون قد وقع فيها الكسوف وتدوينه. واستنتج العلماء من ذلك أن الأرض كانت تدور حول نفسها بسرعة أكبر.

أهمية الكسوف في المستقبل
ما زالت كسوفات الشمس تتمتع بأهمية خاصة لدى العلماء، لأنها تمكنهم من رصد الغلاف الجوي للشمس، إذ ينبعث من إكليلها ضوء هو أقل سطوعا من ذلك الصادر عن قرص الشمس، ولا يمكن رصده وتحليله من سطح الأرض إلا عند الكسوف الكلي. ورغم توفر آلات تسمى "الكورونوغراف" تركب على أجهزة الرصد لإحداث كسوفات صناعية من خلال حجب قرص الشمس فإنها لا توفر هذا القدر من الاستبانة (عدد نقاط الضوء في السنتيمتر المربع) مثل الكسوفات الطبيعية التي تساعد في إنجاز دراسات دقيقة لإكليل الشمس.

وتوفر ظاهرة الكسوف كذلك أفضل الظروف لدراسة الطبقات العليا للغلاف الجوي، خاصة طبقة اليونوسفير المكونة من جسيمات مشحونة. وهذه الجسيمات عبارة عن ذرات فقدت إلكتروناتها بسبب الرياح الشمسية. وهي تمثل حاجزا تنعكس على سطحه الموجات الراديوية. وعند غياب الشمس في فترة الليل أو عند الكسوف تسترجع الذرات إلكتروناتها في الأجزاء السفلية من طبقة اليونوسفير، وتعود متعادلة الشحنة لتسمح لهذه الموجات بالذهاب بعيدا. ويستغل العلماء وهواة علم الفلك كسوف الشمس لقياس التغير الذي يحدث للموجات الراديوية ودراسة تركيبة طبقة اليونوسفير.

-------------------------------
*إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة

التعليقات