الطاقات البديلة والارتهان لتقنيات التخزين
آخر تحديث: 2017/5/18 الساعة 18:35 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/18 الساعة 18:35 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/22 هـ

الطاقات البديلة والارتهان لتقنيات التخزين

الطاقة الشمسية من أبرز مصادر الطاقة المتجددة التي تعتبر بديلا جيدا للطاقة الأحفورية (غيتي)
الطاقة الشمسية من أبرز مصادر الطاقة المتجددة التي تعتبر بديلا جيدا للطاقة الأحفورية (غيتي)
الصغير الغربي*

لمجابهة استنفاد المصادر التقليدية للطاقة الأحفورية والمخاطر المنجرة عن ظاهرة الاحترار العالمي بسبب الانبعاثات الغازية المسببة للدفيئة، تبدو الطاقات المتجددة البديل الأفضل على المدى البعيد. لكن هذه الطاقات بكل أنواعها تتسم بعدم الانتظام وبنسب متفاوتة بين مصدر وآخر، وهو عيب يسعى الباحثون لتجاوزه بتطوير تقنيات تخزين الطاقة والإجابة على السؤال التالي "كيف يمكن تخزين الطاقة المولدة خلال ذروة الإنتاج لاستهلاكها في ذروة الطلب؟".

مع ارتفاع نسبة الاعتماد على الطاقات المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح لإنتاج الطاقة الكهربائية، فإن التعويل عليها لتعويض المصادر التقليدية من الطاقة ما زال بعيد المنال. فرغم الانخفاض المتواصل لتكلفة الطاقات النظيفة، فإن مسألة عدم انتظامها ظلت معضلة كبيرة تحول دون الاعتماد الكلي عليها.

ولم تفضِ إجراءات كثيرة تم اتخاذها -مثل ترشيد الاستهلاك وتنويع مصادر الطاقة وربط الشبكات الكهربائية فيما بينها- إلى حل المعضلة نهائيا، لذلك يعتقد الباحثون أن مسألة عدم الانتظام لا يمكن السيطرة عليها تماما باتخاذ هذه التدابير فقط، بل يجب تطوير تقنيات تخزين الطاقة إذا ما أردنا الاعتماد كليا على الطاقات المتجددة في المستقبل.

ما زالت القدرات الحالية لتخزين الطاقات المتجددة متواضعة، ويتطلب المضي قدما في تعويض المصادر التقليدية بالمصادر المتجددة للطاقة -كالشمس والرياح والمياه- جهدا كبيرا في المستقبل لتطوير تقنيات التخزين وقدراته. وحسب الوكالة الدولية للطاقة، ستبلغ نسبة الطاقات المتجددة بحلول العام 2050 نحو 40% من مجموع الطاقة المستخدمة لإنتاج الكهرباء. لكن هذا السيناريو يتطلب رفع قدرة تخزين الطاقة لتستوعب ما يزيد عن ثلث الطاقات المنتجة.

تتوفر اليوم طرق مختلفة لتخزين الطاقة وبتقنيات متنوعة ميكانيكية وكيميائية ومغناطيسية تتفاوت على مستوى الكفاءة والكلفة ومدة التخزين وسعته، وأكثرها انتشارا هي تقنية تخزين الطاقة باستخدام الجاذبية

الجاذبية
تتوافر اليوم طرق مختلفة لتخزين الطاقة وبتقنيات متنوعة ميكانيكية وكيميائية ومغناطيسية، تتفاوت على مستوى الكفاءة والكلفة ومدة التخزين وسعته. وأكثرها انتشارا هي تقنية تخزين الطاقة باستخدام الجاذبية، وهي طريقة معتمدة منذ زمن طويل، خاصة في المحطات الكهرومائية، ويمكن استغلالها كذلك في محطات الطاقة الشمسية والرياح عند وجودها قرب مصادر المياه.

وتتمثل هذه الطريقة في ضخ الماء إلى خزان يوجد على ارتفاع أعلى عند ذروة إنتاج الطاقة. وتستخدم الجاذبية للسماح للماء بالنزول إلى مستوى أدنى وتشغيل توربينات تولد الطاقة من جديد عند ذروة الطلب أو انخفاض الإنتاج.

وتتميز هذه التقنية بكلفتها المتدنية نسبيا وبقدرتها على تخزين كمية هائلة من الطاقة لمدة طويلة، لكن مردوديتها ضعيفة نسبيا.

ضغط الهواء
كما توجد طرق ميكانيكية أخرى تعتمد على تحويل الطاقة إلى ضغط ثم استعادتها عند الحاجة، فعندما يكون الطلب على الكهرباء مُنخفضاً، يستخدم فائض الطاقة المولد من المحطة لضغط الهواء وضخه داخل كهوف تحت الأرض، ويسمح للهواء المضغوط بالتمدد لتوليد الكهرباء في أوقات الطلب العالي.

البطاريات
وتمثل تقنية تخزين الكهرباء في بطاريات أحد أهم الطرق الكيميائية المعتمدة التي تحظى باهتمام كبير من الباحثين، وخاصة بطاريات ليثيوم-أيون وبطاريات الصوديوم-كبريت ذات الكثافة الطاقية العالية، التي يمكن شحنها وتفريغها آلاف المرات.

ورغم أن طاقة تخزين الكهرباء في بطاريات محدودة نسبيا وثمنها مرتفع، فإن تطورها في المستقبل سيمكّن -علاوة على استخدامها في السيارات الكهربائية- من تخزين الكهرباء الزائدة عن الحاجة في المباني لتشغيل الأجهزة الصغيرة والإضاءة.

العيب الأساسي لخلايا الوقود التي تعمل بالهيدروجين -إلى جانب كلفتها المرتفعة- هو ضعف الكفاءة الطاقية نسبيا، فهي تتراوح بين 50 و80% عند الشحن، ولا تتجاوز 50% عند التفريغ

الهيدروجين
ومن التقنيات الكيميائية التي بدأت في الانتشار على نطاق واسع خلال السنوات الماضية لتخزين الطاقة المتجددة، تقنية "الطاقة إلى الغاز" (Power to gas)، وتتمثل في استخدام الطاقة الفائضة في إنتاج الهيدروجين من الماء عبر تحطيم جزيء الماء واستعماله فيما بعد كوقود.

ففي ألمانيا أجريت تجربة لاستغلال الزائد من الطاقة المولدة من الشمس والرياح لإنتاج الهيدروجين، ليتم ضخه في مرحلة ثانية في شبكة الغاز الطبيعي لتشكيل مزيج تصل نسبة الهيدروجين فيه إلى 20%. واستخدم هذا المزيج كذلك لتشغيل حافلات النقل.

وتخطط اليابان من ناحيتها للوصول بعدد السيارات التي تعمل بخلايا الهيدروجين كوقود وحيد إلى 40 ألف سيارة بحلول العام 2020. غير أن العيب الأساسي لخلايا الوقود التي تعمل بالهيدروجين -إلى جانب كلفتها المرتفعة- هو ضعف الكفاءة الطاقية نسبيا، فهي تتراوح بين 50 و80% عند الشحن، ولا تتجاوز 50% عند التفريغ.

التخزين الحراري
ومن بين تقنيات التخزين المستعملة كذلك تقنية التخزين الحراري التي تقوم على تسخين مواد ذات سعة حرارية عالية كالماء والصخور والإسمنت والأملاح بواسطة الطاقة الشمسية، ثم استغلال هذه الطاقة عند ارتفاع الطلب.

وتستخدم بعض محطات الطاقة الشمسية الحرارية هذا المبدأ لتتمكن من مواصلة إنتاج الطاقة حتى بعد غروب الشمس، فهذه المحطات لا تحول الطاقة الشمسية مباشرة إلى طاقة كهربائية كما تفعل الألواح الضوئية، بل تسخّن أملاحا ذائبة إلى درجات حرارة عالية جدا، ثم تستخدم الحرارة المخزنة في الملح الذائب لإنتاج البخار وتشغيل توربينات تنتج الطاقة من جديد كما هو الحال في محطة للطاقة التقليدية. ومع الاحتفاظ بالحرارة داخل الأملاح، يمكن لمحطة الطاقة الشمسية الحرارية أن تستمر في إنتاج الكهرباء إلى وقت متأخر من الليل.

كما تتوافر تقنيات أخرى لتخزين الطاقة الكهربائية باستخدام مواد فائقة الموصلية والحاشدات الضخمة، وتتميز هذه الطرق بكونها ذات كفاءة عالية لكنها مكلفة في نفس الوقت.

ويسعى الباحثون لتطوير تقنيات تخزين الطاقة مستفيدين من التقدم التكنولوجي في مجالات أخرى، كتقنية النانو لزيادة كفاءة التخزين من ناحية وخفض كلفتها من ناحية أخرى.

تبدو اليوم مسألة تخزين الطاقة ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لجميع البلدان المتقدمة. ويمكن لمصادر الطاقة النظيفة والمتجددة أن تكون بديلا حقيقيا للطاقة الأحفورية إذا ما تم التغلب على العقبات التي تمثلها تقلباتها اليومية والموسمية، لكن مع ذلك فلا يُتوقع التوصل إلى حل شامل لمسألة تخزين الطاقة على المدى القصير.
_________________
* إعلامي تونسي متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة

التعليقات