*أ.د. محمد باسل الطائي

رغم أن ألبرت آينشتاين كان أول الفيزيائيين المستثمرين للعلاقة التي اكتشفها ماكس بلانك بشأن تصرف الإشعاع الحراري والتي كانت تأسيسا أوليا لنظرية الكم، فإنه لم يقبل بنتائج تلك النظرية بعد تطويرها، وظل مدة طويلة يحاول إثبات أن نظرية الكم ناقصة أو متناقضة مع نفسها.

وقد جرت بينه وبين الفيزيائي نيلز بور نقاشات حامية وطويلة خلال النصف الأول من ثلاثينيات القرن الماضي لفهم نظرية الكم وما تنطوي عليه، وقد عُرفت هذه المناظرة بحوارات آينشتاين-بور.

وخلال هذه الحوارات كان آينشتاين يرفض الطبيعة الاحتمالية للحوادث، مصرا على حتمية الحوادث الفيزيائية، في حين كان نيلز بور يقول إن "الله تعالى فعّال لما يريد".

حاول آينشتاين البرهنة على أن اللاحتم الكمي يقودنا إلى نتائج غريبة جدا، ظنا منه أنها غير قابلة للتحقق عمليا، وبالتالي فإن هذا يعني أن نظرية ميكانيكا الكم غير كاملة على الأقل إن لم تكن خاطئة

وقد حاول آينشتاين البرهنة على أن اللاحتم الكمي يقودنا إلى نتائج غريبة جدا، ظنا منه أنها غير قابلة للتحقق عمليا، وبالتالي فإن هذا يعني أن نظرية ميكانيكا الكم غير كاملة على الأقل إن لم تكن خاطئة.

ففي عام 1935 نشر آينشتاين بحثا مشتركا مع ناثان روزن وتلميذه بودلسكي بيّنوا فيه أن أزواج الجسيمات (كالإلكترونات أو الفوتونات مثلا) حينما نوصفها بطريقة ميكانيكا الكم ونعتبرها حالات كمية (Quantum States)  فإنها تظهر بصفة غريبة تجعل منها أزواجا مترابطة ببعضها.

فلو أننا أخذنا شعاعا ضوئيا مثلا ثم شطرناه نصفين بواسطة لوح نصف شفاف يسمح بمرور جزء من الشعاع ويعكس الجزء الآخر ثم غيرنا صفة ما في أحد الشعاعين (أي تغيير مستوي تذبذب أحد الشعاعين مثلا) فإن مستوى التذبذب للشعاع الثاني سيتبدل تلقائيا وعلى نحو آني مهما كانت المسافة بين نهايات الشعاعين، وهذا ما يكشف عن تعلق الفوتون الأول (أي جسيم الضوء في الشعاع الأول) بالفوتون الثاني (أي جسيم الضوء في الشعاع الثاني) تعلقا آنيا دون سبب مفهوم.

سميت هذه الظاهرة التي اكتشفها آينشتاين وجماعته نظريا معضلة آينشتاين -بودلسكي-روزن.

وقد اعتبرت هذه الظاهرة معضلة لأن الحدث الذي يحصل في الفوتون الثاني الذي ذهب بعيدا عن الفوتون الأول هو حدث غير سببي (non-causal) إذ لا يوجد سبب مفهوم لحصول التعلق بين الفوتونين طالما أنهما منفصلان في كل الوجوه.

من جانب آخر، فإن حصول التغير في مستوى استقطاب الفوتون الثاني حال تغييرنا لمستوى استقطاب الفوتون الأول آنيا يعني أن التأثير بين الجسيمين انتقل بسرعة أكبر من سرعة الضوء. ولما كان ألبرت آينشتاين مؤمن بأن أعلى سرعة في الكون هي سرعة الضوء فقد اعتبر هذا التعلق الذي يحصل آنيا حدثاً غير سببي بالتأكيد، وقد سميت هذه الظاهرة بـ"التشابك الكمي" (Quantum Entanglement).

وفرت ظاهرة التشابك الكمي أرضية لفكرة تقول إن الكون كله مترابط كميا على نحو يجعله كيانا واحداً تتعاضد أجزاؤه صغيرها وكبيرها بآلية لم نفهمها بعد لكن الزمن كفيل بالكشف عنها تباعا

لقد استنهضت هذه المعضلة العديد من الأفكار وجرى بحثها وتحليلها نظريا من جوانب عديدة، ورغم ذلك لم يتمكن أحد من تفسير حصول هذا التشابك الكمي بين الجسيمات الدقيقة والحالات الكمية، لكن آينشتاين اعتبر أن حصوله نظريا على هذه النتيجة التي وجدها غير معقولة دليل على عدم صحة أو عدم اكتمال نظرية الكم، بمعنى أنه بهذا الاكتشاف الذي لم يتوقع حصوله عمليا ظن أنه يكشف عن نقص مهم في نظرية الكم.

لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن أحيانا حتى مع أعظم العلماء وأكثرهم ذكاء وعبقرية، فقد أجرى الفيزيائي الفرنسي ألين أسبكت تجربة شهيرة عام 1982 مستخدما أشعة الليزر لفحص ما تنبأ به ألبرت آينشتاين وجماعته فجاءت النتيجة موافقة للتنبؤ رغم استنكارهم لمثل هذه الظاهرة في حينها، وبالتالي فقد اعتبرت هذه النتيجة هزيمة لتفكير ألبرت آينشتاين واعتراضاته على نظرية الكم، إذ حصل ما كان يتوقع أن يكون حصوله مستحيلا وأمراً غير قابل للتحقيق.

اليوم وبعد أن تكررت تجربة ألين أسبكت مئات المرات وبأساليب مختلفة تتأكد ظاهرة التشابك الكمي بين الجسيمات الدقيقة، لا بل لقد وفرت هذه الظاهرة أرضية لفكرة تقول إن الكون كله مترابط كميا على نحو يجعله كيانا واحدا تتعاضد أجزاؤه صغيرها وكبيرها بآلية لم نفهمها بعد لكن الزمن كفيل بالكشف عنها تباعا، ومن الجدير بالذكر أن لظاهرة التشابك الكمي تطبيقات عملية في الحوسبة الكمية.


_____________ 
*أستاذ الفيزياء الكونية بجامعة اليرموك

المصدر : الجزيرة