*هاني الضليع

أشار تقرير لإدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) مؤخرا إلى أن المجال المغناطيسي للأرض يضعف بصورة أسرع مما كان يعتقده العلماء سابقا بما يؤذن بانعكاس مقبل للأقطاب المغناطيسية للأرض، فسارع بعضهم إلى الاعتقاد بأن حركة دوران الأرض قد تنقلب نتيجة لذلك أو أنها ستتوقف ثم تنعكس بما يتسبب بطلوع الشمس من مغربها، فما حقيقة هذين الادعاءين، وما هو الرد العلمي على كل منهما؟

في البداية علينا أن نعلم مجموعة حقائق يعتبرها العلماء من البديهيات التي لا يجب أن يختلف عليها الناس وهي أن الكتلة (أي كتلة) هي سبب الجاذبية، وأن المجال المغناطيسي لا علاقة له بالكتلة ولا بالجاذبية فهما أمران مختلفان، وأن الإنسان لا يفقد وزنه بسبب المجال المغناطيسي حين يصعد إلى الفضاء ولكن بسبب ارتباطه بالجاذبية، وأن فقدان الوزن في الفضاء لا يعني انعدام الجاذبية، فالدوران حول الأرض هو السبب بالشعور بفقدان الوزن، فيقال حينها أن رائد الفضاء يسقط حول الأرض سقوطاً حرا، وهي الحالة الوحيدة التي يشعر فيها الإنسان بفقدان وزنه باستمرار، فلو أنك وقفت على ميزان وربطته أسفل قدميك ثم قفزت من أعلى بناية، فستكتشف بأن الميزان لا يقرأ لك أي وزن، ذلك لأنه يسقط معك سقوطاً حرا، وقدماك الملصقتان به لا تضغطان عليه.

بالحسبة الفلكية، فإن الأرض سيتباطأ دورانها حول نفسها فتقل سرعتها بعد 2.3 ألف مليون سنة إلى قرابة أربعين كيلومترا في الساعة فقط، وسيصبح طول اليوم 43 يوما من أيامنا هذه

حسبة فلكية
أما طلوع الشمس من مغربها بسبب وقوف الأرض عن الدوران، فبالحسبة الفلكية، فإن الأرض سيتباطأ دورانها حول نفسها فتقل سرعتها بعد 2.3 ألف مليون سنة إلى قرابة أربعين كيلومترا في الساعة فقط، مقارنة بسرعتها الحالية البالغة 1670 كيلومترا في الساعة، وسيصبح طول اليوم (دورة الأرض حول نفسها) 43 يوما من أيامنا هذه.

وحيث إن الشمس في ذلك الزمان ستبدأ بالتضخم شيئا فشيئا، فإن ذلك يعني أن النهار سيطول أكثر من 21 يوما، وستبلغ درجة الحرارة فيه بضع مئات، فالشمس ستكون قريبة نسبيا، وسيترتب على ذلك اختفاء الماء على سطحها بجميع أشكاله وأنواعه وحالاته، مما يعني أن الإنسان وكل الكائنات الحية ستكون قد انقرضت فتحولت الأرض بإثرها إلى صحراء قاحلة. وحينها لن يكون هناك بشر ليروا كيف سستتوقف الأرض عن الدوران بعد ذلك ثم ينقلب اتجاه حركتها فتطلع الشمس من المغرب بدلا من طلوعها الآن من المشرق.

وعلميا، يمكن القول إن الأرض ستستغرق أكثر من خمسة مليارات سنة كي تتوقف تماما عن الدوران طالما القمر موجود وأثره عليها مستمر بسبب المد والجزر، أما إن ذهب القمر فلن تتوقف الأرض عن الدوران أبدا ولو بسرعة بطيئة، وبذلك لن ينقلب اتجاه دورانها إلا بوجود عامل خارجي يغير هذا الاتجاه.

اصطدام كويكب
ولو افترضنا جدلا أنه ما من داع أصلا لانتظار كل تلك المدة لنرى الشمس تطلع من مغربها، فإن مجرد كويكب يصطدم بالأرض قادر على أن يعكس اتجاه حركتها فتدور بسببه من الشرق إلى الغرب، فهذا هو الوهم والخيال العلمي الذي يمكن أن يتحقق، لكن لن يشهده أحد أبدا.

فاصطدام جرم سماوي بسطح الأرض كما يصفه علماء الفوهات النيزكية يخلف دمارا بحسب قطر الكويكب أو النيزك الذي يرتطم بها، فإذا كان قطر النيزك مترا واحدا، فإنه قادر على أن يحفر فوهة نيزكية بقطر عشرة أمتار، وإن كان قطره كيلومترا واحدا فإنه سيسبب دمارا بقطر عشرة كيلومترات، أما لو بلغ قطره بضع عشرات من الكيلومترات فتلك هي الكارثة الحقيقية، فهو لن يبقي حينها ولن يذر، وسيتسبب بدمار على المستوى القاري أو ربما يؤدي بدمار قارة كاملة وربما يعيق الحياة على الكرة الأرضية برمتها، فهو حينها سيخلف غبارا وأتربة تلف الكرة الأرضية لأيام طويلة وربما لشهور أو سنوات حاجبة عنها أشعة الشمس ومسببة بدمار الغلاف الجوي بعد ذلك، ناهيك عن الدمار الذي سيلحق بالأرض إثر هذا الارتطام المدمر الذي سيهز كيان سطح الكرة الأرضية وبحارها ومحيطاتها فتنتشر بسببه الموجات الزلزالية وموجات تسونامي المائية التي ستغرق كل المدن الساحلية.

نحن بحاجة على الأقل إلى كويكب بمثل نصف حجم القمر، أي بقطر يبلغ قرابة ألفي كيلومتر على الأقل، وأن تأتي الضربة بشكل شبه مماسي في الناحية الغربية من الكرة الأرضية كي تجبرها على تغيير اتجاهها

وبعد ذلك إن بقي ثمة من يشاهد مخلفات الدمار فلربما أدرك بأن الأرض راسخة، فكويكب بهذا القطر لا يكفي لأن يغير اتجاه حركة دوران الأرض، فنحن بحاجة على الأقل إلى كويكب بمثل نصف حجم القمر، أي بقطر يبلغ قرابة ألفي كيلومتر على الأقل، وأن تأتي الضربة بشكل شبه مماسي في الناحية الغربية من الكرة الأرضية كي تجبرها على تغيير اتجاهها. وبالطبع ، فبهذه الضربة القاضية سينقرض بسببها كل من على الأرض، وإذا طلعت الشمس من مغربها بعد ذلك، فلن يكون ثمة من يشهد هذا المنظر.

أما هل يسبب انقلاب اتجاه المجال المغناطيسي تغييرا لاتجاه دوران الأرض، فثمة حقيقة يجب معرفتها وهي أن المجال المغناطيسي ناشئ عن دوران باطن الأرض المعدني بسرعة كبيرة، وهذا الدوران ناشئ مع أصل نشأة الكرة الأرضية غير أنه مستقل عنها بسبب وجوده في الجوف، إذ ينقسم لب الأرض إلى قسمين كلاهما مكون من الحديد والنيكل: الأول داخلي وهو معدني صلب على شكل كرة نصف قطرها 1700 كيلومترا، حوله لب خارجي سمكه 2300 كيلومتراً لكنه معدني سائل يدور حول اللب الداخلي بسرعة أكبر من سرعة الكرة الأرضية نفسها.

الخلاصة
وبحسب أرصاد الجيولوجيين للحمم البركانية المصلبة على سطح الأرض عبر العصور والمكونة بعد ذلك لمادة البازلت الذي ينجذب للمغناطيس بسبب تركيبه المعدني، فقد وجدت بعض طبقات هذه الحمم تتجه قبل تصلبها باتجاه المجال المغناطيسي الأرضي شمالا وجنوبا، وطبقات تختلف في اتجاهها تماما عن الأولى وبينها قرابة سبعمئة ألف سنة بحسب التقديرات الجيولوجية، مما يعني أن ثمة أمرا قد قلب اتجاه المجال المغناطيسي أو يقلبه كل قرابة نصف مليون سنة، وأن هذا الانقلاب متكرر دون أي يؤثر في اتجاه دوران الأرض نفسها.

فإذا كان أصحاب الإشاعة يدعون بأن انقلاب المجال المغناطيس للأرض سيقلب اتجاه حركتها، فعلينا أن ننتظر نصف مليون سنة من الآن كي نتأكد من ذلك، مع علمنا بأن البشرية بأكلمها وبحسب أفضل التقديرات العلمية الحديثة لعلماء الأحياء لم تظهر على الأرض إلا قبل أقل من مئتي ألف سنة من الآن، بصرف النظر عن التقديرات التي تقدمها الديانات السماوية المختلفة لظهور آدم عليه السلام كأبي البشر وأول إنسان استوطن الأرض والتي لا تزيد على خمسين ألف سنة فقط. فهل يلزمنا الانتظار حتى ذلك الزمان كي نتأكد من صحة الادعاء؟ وهل سيكون ثمة بشر يعيش على الأرض بعد تلك الفترة الطويلة من الزمن؟

_____________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

المصدر : الجزيرة