عبد القادر الكاملي*

أمام البلدان العربية، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، فرصة حقيقية للتقدم نحو اقتصاد المعرفة، إذا أحسنت استغلال مواردها، ووضعت خططا إستراتيجية فعالة للوصول إلى ذلك.

ويتطلب الأمر العمل على خلق بيئة مواتية للبحث العلمي، تفضي إلى إنتاج سلع وخدمات جديدة مبتكرة تسهم في تنمية الاقتصاد وتعزيز قدرته التنافسية، التي باتت تعتمد أكثر فأكثر على المعرفة. ويمكن أن تزداد فرص نجاح هذا التوجه إذا أحسنت هذه البلدان اختيار مجالات البحث العلمي، بحيث تكون أكثر ارتباطا بالبيئة وبالمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية، والخبرات والمهارات المتوفرة في المنطقة.

المقاربة الأخرى لبناء اقتصاد قائم على المعرفة تتمثل في تشجيع وتسهيل وترويج الابتكار، خاصة أن أداء البلدان العربية في هذا المجال ليس مشجعا حتى الآن، إذ حلت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في المراتب 43 و47 و50 على التوالي، في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2015، الذي أصدرته كلية "إنسياد"، بالتعاون مع جامعة "كورنيل"، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية، مع العلم أن هذه البلدان الثلاثة جاءت في طليعة البلدان العربية في هذا المؤشر.

يمكن تعريف الابتكار بأنه عملية إنتاج سلع وخدمات جديدة ترتكز على المعرفة المتوفرة التي ينتجها البحث العلمي، سواء كانت تكنولوجية أو غير تكنولوجية

ويمكن تعريف الابتكار بأنه عملية إنتاج سلع وخدمات جديدة ترتكز على المعرفة المتوفرة التي ينتجها البحث العلمي، سواء كانت تكنولوجية أو غير تكنولوجية. فعلى سبيل المثال، أدى البحث العلمي إلى اختراع الآلة البخارية، بينما أدى الابتكار إلى وضع هذه الآلة على سكة وإنتاج القطار. ولتشجيع الابتكار في بلد ما، يجب بناء نظام وطني للابتكار.

يعرف البروفيسور فيليب غريفيث، المدير السابق لمعهد الدراسات المتقدمة في جامعه برينستون، النظام الوطني للابتكار بأنه "النظام الذي يخلق الظروف الملائمة، ويوفر القدرة لبلد معين على الابتكار، وبشكل خاص القدرة على التكيف، وتطوير علوم وتكنولوجيا للاستخدام الاقتصادي والاجتماعي".  والعناصر اللازمة لذلك حسب غريفيث هي: "الناس والبنى المؤسساتية والبنى التحتية والبيئة التشريعية والإرادة السياسية".

ويحتاج الابتكار أيضا إلى جذب المواهب العلمية والتقنية. وفي هذا المجال حققت بلدان مجلس التعاون الخليجي نتائج أفضل نسبيا مما حققته في مجال الابتكار، حيث احتلت دولة الإمارات وقطر والمملكة العربية السعودية المراتب 23، و24، و41 على التوالي، في تقرير "مؤشر التنافسية العالمية على المواهب" لعام 2015، الذي أصدرته كلية "إنسياد" أيضا.

إن بناء نظام وطني للابتكار يشبه بناء بيئة منتجة للبحث العلمي، من حيث المدة الزمنية الطويلة التي يتطلبها، والتي قد تمتد إلى عقد أو عقدين أو أكثر. ويجب ألا يمثل عامل الزمن حجة للحكومات العربية للتهرب من بناء نظام وطني للابتكار، بل يتوجب عليها أن تبذل جهودا أكبر للإسراع في إنجاز هذه المهمة الأساسية في عصر المعرفة، والعمل في الوقت ذاته على اكتساب المعرفة وتمثلها من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية، وجذب الشركات العالمية المتخصصة في مجالات من المعرفة تلائم البلد المضيف، من حيث توفر الكفاءات المحلية في هذه المجالات، أو لارتباطها بالصناعة المحلية، أو لأسباب أخرى.  

 شركات البلدان المتقدمة لا تعمل على نقل المعرفة بشكل مباشر إلى بلدان أخرى، لأسباب متعددة منها المنافسة والقرصنة، لكن جذب الاستثمارات الأجنبية يسهم في نقل المعرفة وإن لم يكن بشكل كامل

عموما، لا تعمل شركات البلدان المتقدمة على نقل المعرفة بشكل مباشر إلى بلدان أخرى، لأسباب متعددة منها المنافسة والقرصنة، ولكن جذب الاستثمارات الأجنبية يسهم في نقل المعرفة وإن لم يكن بشكل كامل، وقسم مهم منها سوف ينقل بالتأكيد بسبب حتمية التفاعل بين الشركات الوافدة والمحلية، واضطرار الشركات العالمية لتدريب موظفيها المحليين على التكنولوجيا وأساليب العمل المتقدمة التي تتبعها. هذا النوع من نقل المعارف، سواء التكنولوجية أو التنظيمية أو غير ذلك، سوف يؤدي إلى تراكم المعارف مع الوقت، واندماجها تدريجيا في المجتمع المحلي، مما يسمح باستخدامها لحل مسائل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم تطويرها وتوليد معارف جديدة.

من جهة أخرى، ينتج عن التفاعل الوثيق بين الشركات المحلية والشركات العالمية التي تستثمر في المنطقة، فوائد عديدة أهمها نقل وتبني الشركات المحلية للمعرفة التي تجلبها الشركات العالمية؛ مما يسهم في زيادة إنتاجية هذه الشركات، وبالتالي درجة إسهامها في التنمية الاقتصادية للبلد. ولتحقيق الفائدة القصوى من المعرفة التي تأتي مع الاستثمارات الأجنبية، لا بد من توفر نظام تعليمي متطور يرتكز على البحث العلمي.

ولذلك فإن الحكومات العربية تتحمل مسؤولية إيجاد الوسائل الكفيلة بجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتشجيع القطاع الخاص المحلي على التشارك معها، كما يتعين أيضا على كل حكومة عربية لديها خطط للانتقال ببلدها نحو اقتصاد المعرفة أن تجري مسحاً سنويا يرصد التقدم الذي تحققه على طريق بناء نظام وطني متقدم للابتكار، وأن تصدر تقريرا سنويا بذلك.

وأخيراً، من المفيد التذكير بقول المفكر السياسي-الاقتصادي الأميركي ليستر ثورو "لم تعد الموارد الطبيعية جزءا من معادلة القدرة التنافسية، بل ربما يمثل نقص الموارد الطبيعية ميزة لأن الصناعات التي نتنافس فيها -الصناعات المستقبلية- ترتكز على قوة الفكر".

 _____________________
* مستشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

المصدر : الجزيرة