هاني الضّليع*

إذا رفعت بصرك إلى السماء في ليلة صافية من ليالي هذا الشهر الصيفي، وكنت محظوظا في تلك اللحظة، فإنك ربما ستشاهد شهابا يخترق السماء قادما من الفضاء، ولو أنك تساءلت عن ماهية هذا الشهاب فإنك ستستغرب عندما تعلم أنه مجرد حبيبة تراب ضئيلة كانت تسبح في السماء فكنستها الأرض بجاذبيتها أو بسبب التقائهما وجهاً لوجه.
 
وسيزداد استغرابك لو علمت أن هذا الشهاب لم يدخل الغلاف الجوي صدفة، بل إنه واحد من تلك الجسيمات التي خلفها مذنب "سويفت تتل" الذي يدور حول الشمس مرة كل 133 عاماً، وكانت آخر زيارة له عام 1992، حيث خلف وراءه آلاف الأطنان من المادة الغبارية والترابية التي شكلت خلفه ذيلا طويلا امتد ملايين الكيلومترات، ثم تركه وابتعد إلى ما وراء مدار كوكب نبتون.
 
هذه المخلفات الترابية على قلة كثافتها فإنها تنتشر سابحة في الفضاء ليشكل التقاؤها مع الأرض ما يعرف بزخة شهب البرشاويات، نسبة إلى كوكبة برشاوس، وهي صورة إغريقية تجسد الرجل الذي يحمل رأس الغول.

فالبرشاويات هي تلك الشهب التي تتقاطع مع مدار الأرض ابتداء من منتصف يوليو/تموز وحتى أواخر أغسطس/آب بسرعة تصل إلى ستين كيلومترا في الثانية (أو 220 ألف كم/ساعة) وهي سرعة عظيمة تفوق سرعة دوران الأرض حول الشمس مرتين.

وكلما اقتربت الأرض من مركز المدار الذي سلكه المذنب وخلّف فيه أكبر كمية من الفضلات، فإن عدد الشهب الذي يدخل الغلاف الجوي يرتفع شيئا فشيئا إلى أن تعبر الأرض منطقة الإشعاع فتحدث ذروة الزخة الشهابية ولبضع ساعات فقط، وتزداد أعداد الشهب المرئية إلى نحو ثمانين شهابا في الساعة الواحدة.

يشترط لرصد الشهب وجود سماء صافية معتمة بعيدة عن التلوث الضوئي للمدن واستمرار النظر للسماء (رويترز)

ويشترط لرؤية هذه الزخة الشهابية أمران: سماء صافية معتمة بعيدة عن التلوث الضوئي الذي تسببه أنوار المدن، واستمرارية النظر إلى السماء؛ ذلك أن الشهاب لا يعطي إشارة حين يدخل لا باتجاهه ولا بتوقيته، كما أنه لا يمكث لامعا سوى جزء من الثانية فقط، فمن كان بصره في السماء رآه وإلا فقد فاته الشهاب وعليه أن ينتظر مرور آخر.

ولحسن حظ الراصدين لزخة هذا العام فإن الفلكيين يتوقعون رؤية أعداد مضاعفة منها في ليلة الرصد المرتقبة يوم الخميس 11 أغسطس/آب 2016، وذلك بسبب مرور كوكب المشتري بالقرب من مدار المذنب، مما أثر على مخلفاته فقربها من بعضها، ومن المتوقع من راصد يقظ تحت سماء معتمة وصافية أن يرى في كل ساعة من ساعات الليل الأخيرة نحو مئة شهاب.

ولأن الشهب تحترق بدخولها أعالي طبقات الغلاف الجوي على ارتفاعات بين 70 و110 كيلومترات، فإنه لا يصل للأرض منها سوى رماد لا ندركه، ولكن ثمة شهب كبيرة نسبيا يبلغ حجمها حجم حبة الحمص أو يزيد إذا دخلت الغلاف الجوي واحترقت فيه أشعلت خلفها لهيبا ساطعا له ألوان تعكس العناصر المكونة لهذا الشهاب، وهذه هي الكرات النارية، وسجل هواة الفلك في العالم كرات نارية سطعت في السماء كالبرق فألقت للأشياء على الأرض ظلالا.

إذا احترقت كرة النار في الغلاف الجوي للأرض فإنها "شهاب"، وإذا سقط منها شيء على الأرض فإنها "نيزك" (الأوروبية)

غير أن كرة نارية كبيرة نسبيا تحترق ويسقط منها شيء على الأرض فلن تبقى مجرد شهاب أو كرة نارية، بل سيتغير اسمها إلى نيزك؛ فكل جسم طبيعي ارتطم بالأرض من الفضاء هو نيزك، (لأن كثيراً من قطع الأقمار الصناعية تسقط على الأرض كذلك). 

وللنيازك أحجام مختلفة؛ فمنها الحصى والحجارة والصخور والجلاميد الكبيرة، وهي الشكل الوحيد من الكسف السماوية التي تشكل خطرا حقيقيا على حياة الإنسان لو كانت تتساقط مثل الشهب، لكنها ليست كذلك إلا في حالات نادرة سجلت في التاريخ، ومن بين أهم هذه التسجيلات التاريخية ما ورد في القرآن الكريم من عذاب قوم لوط الذين سقطت عليهم حجارة من سجيل التي هي نيازك مشتعلة.

كما سجل عام 2013 سقوط نيزك في روسيا، الذي لم يصب أحدا بأذى مباشر، بل صنع حفرة في مستنقع جليدي بقطر عشرين مترا. وفي سيبيريا عام 1908 سقط نيزك ضخم فوق غابات طويلة الأشجار، لكنه انفجر قبل أن يبلغ سطح الأرض، مما أدى إلى رصف الأشجار كالعيدان الملقاة على الأرض، ولم تسجل أي إصابات كذلك آنذاك.

وليست البرشاويات الزخة الشهابية الوحيدة، بل إن ثمة زخات شهابية دورية أخرى شهيرة يرصدها هواة الفلك، ويكتبون في شهبها تقارير علمية يرفعونها إلى منظمة الشهب الدولية وإلى الجمعيات الشهابية المتخصصة في حساب مدارات المذنبات، ومنها زخة شهب الدلويات في الخامس من مايو/أيار، والأسديات في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، والتوأميات في 14 ديسمبر/كانون الأول، وزخات أخرى كثيرة.

____________________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك.

المصدر : الجزيرة