الصغير الغربي

بعد ربع قرن من انطلاق الويب كشبكة مفتوحة للعموم، تبدو الإنترنت اليوم في أوج عنفوانها متفاعلة مع الكثير من التكنولوجيات الأخرى، ومكتسحة كل المجالات كطوفان يغمر كل شيء في طريقه نحو المستقبل.
 
لكنها تتغير كأخطبوط أسطوري تَضمُر فيه أطراف (تقلص استعمال الحواسيب) لتنمو أطراف أخرى (استعمال الأجهزة المحمولة)، في رحلة تطور داخل بيئة متحولة بفعل تطوره هو. لكن هذا الكائن منهمك كذلك في رحلة انعتاق من النص إلى الصورة والفيديو، وفي طريقه يأسر بأذرعه الممتدة في كل مكان كل ما هو قابل للارتباط به من الأشياء، ويتيح لها التواصل في ما بينها خدمة للإنسان وتحديا له.

خلال السنوات الماضية، أصبحت الإنترنت المجال الرئيسي لتبادل المعلومات حول العالم، وفرضت وجودها كأحد الضروريات التي لا استغناء عنها بالنسبة للفرد والمؤسسات والهياكل.

فقبل أقل من عقد ونصف العقد من الزمن لم يكن بالإمكان الارتباط بالشبكة إلا باستعمال حاسوب، وهو ما كان يمثل عائقا في توسعها، وبفضل الأجهزة المحمولة قفز عدد المستعملين من مليار مستخدم عام 2005 ليتجاوز هذا العام 3.6 مليارات، وهو ما يمثل نصف سكان الأرض تقريبا. وتتوقع شركة غوغل أن يصل هذا العدد إلى خمسة مليارات بحلول عام 2020.

بحلول 2020 ستتجاوز نسبة البيانات المتبادلة بواسطة الهواتف الذكية نظيرتها على الحواسيب الشخصية (رويترز)

الإنترنت عام 2020
هذا التطور في عدد المستعملين وفي التقنية المستخدمة كذلك، أسفر كما هائلا من المعطيات وردت العديد من المؤشرات حول تطورها في العديد من التقارير والدراسات المختصة، ومنها تقرير شركة سيسكو السنوي حول مؤشر الشبكة البصرية الذي صدر في يونيو/حزيران الماضي، وتضمن رؤية الشركة المختصة في الشبكات لما ستكون عليه الإنترنت عام 2020.

أول هذه المؤشرات هو سرعة نمو كمية البيانات المتبادلة عبر هذه الشبكة، التي ستصل عام 2020إلى 95 ضعف الحجم الذي كانت عليه عام 2005، وسيصل الحجم السنوي لهذه البيانات إلى نحو 2.3 زيتابايت بعد أن كان لا يتجاوز 1.1 زيتابايت عام 2015 (1 زيتابايت يساوي ألف مليار غيغابايت).

وخلال هذه الفترة ستتجاوز نسبة البيانات المتبادلة بواسطة الهواتف الذكية خلال الإبحار في الشبكة العالمية نسبة البيانات المتبادلة باستعمال الحواسيب التي تبلغ حاليا 53% وستتراجع إلى 29% في نهاية العقد الحالي. وستمثل نسبة البيانات المتبادلة في شكل فيديوهات من طرف المستخدمين نحو 82% من مجموع البيانات بعد أن كانت في حدود 70% في السنة الماضية، أما حجم هذه الفيديوهات فسيكون هائلا، حيث إنه يحتاج إلى خمسة ملايين سنة لمشاهدتها جميعا.

هذا المساعد الشخصي الصوتي من أمازون مثال على أجهزة إنترنت الأشياء (الأوروبية)

إنترنت الأشياء
لكن هذه المؤشرات الكمية لا تسعفنا إلا بتصور لحجم هذه الشبكة وتحتاج قراءة ملامحها إلى النظر في التكنولوجيات الجديدة التي ستعتمد عليها أكثر فأكثر خلال السنوات القادمة، وأول هذه التكنولوجيات ربط الأشياء بالإنترنت.

فالإنترنت بدأت تتحول تدريجيا إلى شبكة ممتدة وعملاقة أطلق عليها "إنترنت الأشياء" ستربط عدة مليارات من البشر وعشرات المليارات من الأشياء. وتشمل هذه الأشياء الأجهزة المنزلية والسيارات والأجهزة القابلة للارتداء وآلات المصانع وغيرها.

ويبلغ عدد هذه الأشياء 15 مليارا، حسب دراسة علمية أنجزت نهاية العام الماضي، ومن المتوقع أن يتراوح عددها مع حلول عام 2020 ما يناهز خمسين مليارا حسب شركة سيسكو وثمانين مليارا حسب دراسات أخرى.

مصطلح آخر ظهر في السنوات الماضية، وهو مصطلح البيانات الضخمة "بيغ داتا"، وهي مجموعة من البيانات التي بحجم يفوق قدرة أدوات قواعد البيانات التقليدية على الجمع والتخزين والتحليل. وتتألف معظم البيانات الضخمة من معلومات غير منظمة كتلك المتعلقة بالأرصاد الجوية والبحوث البيولوجية وتجارب المحاكاة والمسح الرقمي للتضاريس.

كما تشمل ما ينتجه البشر من تبادل المعطيات في شكل رسائل بريد إلكتروني ومقاطع فيديو ونقرات على المواقع إلخ... وهذه البيانات تعد كنزا ثمينا جدا بالنسبة لشركات التسويق وتطوير التطبيقات وغيرها، رغم أنه يصعب معالجتها باستخدام تطبيقات معالجة البيانات العادية وتحتاج إلى نظم ضخمة تستخدم عددا كبيرا من الخوادم.

وتوفر الإنترنت مجالا خصبا لالتقاط هذه البيانات وتحليلها واستخلاص المعلومات المفيدة منها، ومن ثم تطبيقها لتحسين الخدمات على الشبكة، أو ربما لتوجيه المستخدم نحو سلوك استهلاكي معين أو حتى مراقبته.

من التكنولوجيات الأخرى التي ستكون متواجدة كثيرا على الإنترنت في المستقبل تكنولوجيا العرض ثلاثي الأبعاد التفاعلي التي تمكن من القيام بالتجول داخل الفضاءات الافتراضية كالمتاحف والمشاهد البانورامية. وتقنية الواقع المعزز التي ستمزج المشاهد الواقعية بمعلومات فورية حسب الحاجة وتتيح للمستخدم التعامل مع الأشياء والمعلومات الافتراضية باستخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة الذكية التي يمكن ارتداؤها.

شركات عديدة أصبحت تتنافس الآن لدخول سوق السيارات الذكية ذاتية القيادة المتصلة بالإنترنت (رويترز)

تطبيقات
هذه التكنولوجيات وغيرها ستساعد على جعل الأنشطة البشرية "ذكية" من خلال إنشاء مدن ومصانع "ذكية" كذلك؛ فعلى سبيل المثل تستخدم اليوم بعض المدن الذكية مثل مدينتي سونغدو في كوريا الجنوبية وإي-سيتي في ماليزيا تقنيات إنترنت الأشياء لمواجهة تحديات الطاقة والتخطيط الحضري.

في هذه المدن، يتم تحليل المعطيات حول الإضاءة وحركة المرور وجمع النفايات ونوعية الهواء وتحسينها بشكل متواصل. ويتم تصميم وتنفيذ الخدمات العامة بطريقة أكثر تنبؤية و"آلية"، وذلك بفضل المعلومات التي يتم جمعها من قبل مجسات مثبتة في الأماكن العمومية.

أما في المجال الصناعي، فقد شهدت السنوات الماضية ظهور مصطلحات جديدة مثل "المصنع الذكي" في الولايات المتحدة، و"مصنع المستقبل" في فرنسا، و"الصناعة 4.0" في ألمانيا، وكلها تعني إنشاء جيل جديد من المصانع تدمج التكنولوجيا الرقمية وخدمات الإنترنت في آلات "الإنتاج الذكي" الذي يتأقلم بشكل فوري مع الطلب على السلعة في السوق بفضل معالجة وتحليل البيانات الضخمة، ويوفر معلومات دقيقة لتعقب السلعة، ويمكِّن الآلات من الاتصال بمختص لإصلاح الأعطاب عن بعد بفضل إنترنت الأشياء وغيرها من الوظائف.

تعد تقنية الواقع المعزز من أبرز التقنيات المنتظر ازدهارها مستقبلا (رويترز)

هذا الاندماج بين التكنولوجيات تحت راية الشبكة الممتدة ستحول واقع الفرد إلى ما يشبه اللعبة الافتراضية؛ فكل شيء سيتحكم فيه بزر أو ربما بأمر صوتي مع تطور الواجهات الصوتية للأجهزة، وكل ما حوله سيكون مبرمجا من إضاءة المنزل إلى فتح وغلق التكييف حسب درجة الحرارة والتزود الآلي للثلاجة عند نفاد سلعة ما وسيارة مرتبطة بالشبكة ذاتية القيادة تختار خط سيرها حسب المعلومات التي تردها عبر الشبكة لتجنب الازدحام كما تتجنب الاصطدام بالسيارات الأخرى بفضل مجسات لتحديد مواقع الأجسام القريبة منها ومرايا مجهزة بتقنية الواقع المعزز.

أما اللباس فسيكون أغلبه من فئة الأجهزة الذكية القابلة للارتداء من ساعة ذكية تراقب النبض وتحلل العرق ونظارة مجهزة بتقنية الواقع المعزز وسترة مكيفة منتجة للطاقة وغير ذلك.

لا شك أن الإنترنت ستزيد في المستقبل سحرها للإنسان، لكنها ستزيد كذلك أسره؛ ففي وسط هذا كله سيكون الفرد محاطا بأجهزة ومستشعرات، أو ربما بداخله كذلك، تسجل جميع حركاته وسكناته وسيشعر بأن هناك أعينا تراقبه عن كثب وتحد من حريته وتعتدي على خصوصيته، بما يشبه" الأخ الأكبر" المراقب لكل شيء.

المصدر : الجزيرة