*عدلي الحلبي

بعد مرور عام كامل من تحليق مركبة نيوهورايزونز بالقرب من بلوتو حصلت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) على كنز من الاكتشافات عن ذلك الكوكب القزم تقدر بثلثي حجم البيانات المخزنة على القرص الصلب لتلك المركبة، وقد استغرق بث وتحليل تلك البيانات التي فاقت كل التوقعات عاما كاملا.

لقد تبين للعلماء أن ذلك الجرم البعيد -الذي يقع على أعتاب حزام "كويبر"- ليس جرما جليديا جامدا كما كان متوقعا، فهنالك العديد من المعلومات التي حصلت عليها ناسا تفيد بأن ذلك الجرم نشط جيولوجيا ولديه الكثير من الاختلافات في خصائصه الجيولوجية، وهو مفعم بالحركة والتغيرات السطحية الموسمية.

ومن أهم البيانات العلمية التي حصل عليها فريق علماء مهمة "نيوهورايزونز" هي تلك التي مكنتهم من عمل خرائط هيكله ومعرفة كافة خصائصه وتفاصيل أسطح سهوله الجليدية وتفسير تفاعل تلك السهول مع باقي مكونات وخصائص بلوتو وأقماره الخمسة.

خرائط جيولوجية
بنى العلماء خريطة جيولوجية للمنطقة المعروفة باسم "تومبو ريدجيو" التي تحمل شكل القلب بعدة ألوان لبيان مختلف مسطحات القشرة الخارجية لبلوتو.

فمثلا المناطق ذات الألوان الفاتحة التي تحتويها تلك الخريطة -والتي باللون الأصفر- تعبر عن المناطق التي تحتوي على فوهات ارتطامية، وهي لا تظهر بشكل ملحوظ على سهول "سبوتنك بلانوم" مما يشير إلى أن هذا الجزء السطحي من بلوتو قد تشكل حديثا.

خريطة ملونة لسطح بلوتو وضعتها ناسا لتوضيح تضاريس الكوكب (رويترز)

أما الخطوط السوداء فهي تظهر المنخفضات، وتوضح حدود خلايا النيتروجين في تلك السهول الناتجة عن عمليات الحمل الحراري.

والمنطقة الحمراء في حافة الخريطة يعتقد أنها براكين تنفث الجليد بدلا من الحمم البركانية الساخنة، وهذا النوع من البراكين يعرف باسم البراكين الجليدية (Cryovolcano)، وتتركز على سطح بلوتو في السلسلتين الجبليتين "جبل بيكارد" (Piccard Mons) و"جبل رايت" (Wright Mons).
 
السلاسل الجبلية 
من أوائل السلاسل الجبلية الجليدية التي تم اكتشافها سلسلة جبال "نورجي" (Norgay Montes) وسلسلة جبال "هيلاري" (Montes Hillary)، ولاحقا تم اكتشاف سلسلة جبلية أخرى أطلق عليها سلسلة جبال "الإدريسي" (Al-Idrisi Mountains) تكريما للعالم الأندلسي الجليل أحد مؤسسي علم الجغرافيا في العصور الوسطى.

جانب من سلسلة جبال "الإدريسي" الجليدية على سطح بلوتو (رويترز)

ومن الصور المرسلة حديثا تلك التي توضح شريطا يبلغ امتداده ثمانين كيلومترا على سطح ذلك الكوكب الذي يبعد عنا خمسة مليارات كيلومتر، فهذه الصور تكشف عدة تفاصيل جديدة، من أبرزها المناطق التي تحتوي على فوهات ارتطامية كثيرة، وقد أطلق على تلك المنطقة اسم "كثلو ريجو" (Cthulhu Regio)، وكشفت تلك الصور أيضا جدران الفوهات في الطبقات المتجددة من الجليد والتي تعد تأريخا جيولوجيا لتلك الطبقات المتعددة.

تلال تطفو على أنهار نيتروجين
ومما اكتشفه العلماء أيضا تلال جليدية تعوم على أنهار من النيتروجين الجليدي وتتحرك مع اختلاف الفصول على سطح بلوتو كالجبال الجليدية، وهذا يعتبر مثالا حيا للنشاط الجيولوجي الرائع على ذلك الكوكب، وتبدو في الصور الملتقطة أنهار الجليد النيتروجيني حاملة كثيرا من التلال المنعزلة التي تشكلت من أجزاء الماء الجليدي من المرتفعات المحيطة.

ومن الصور الجديرة بالاهتمام تلك التي تظهر فيها مجموعة من الكتل الجليدية لمنطقة سبوتنيك بلانوم التي تتجمع في عدة مناطق، وأطلق على إحداها "تشالنجر كولس" (Challenger Colles)، حيث تحتوي تلك المنطقة على تراكمات كثيرة من التلال ويبلغ عرضها ما بين 35 وستين كيلومترا بسبب ضحالة النيتروجين الجليدي فيها.

وتقدم دقة الصور الملتقطة للجبال المترامية الأطراف على الحدود الغربية لهذه السهول مثالا إضافيا على النشاط الجيولوجي المذهل على سطح بلوتو الجليدي.

المياه الجليدية
أما المياه الجليدية المشكلة على القشرة السطحية فقد كشفت صور الخرائط أنها أكثر مما كان يعتقد، الأمر الذي يعد اكتشافا بالغ الأهمية، ومن تلك الخرائط لوحظ عدم وجود المياه الجليدية في منطقة سبوتنك بلانوم التي تقع على يسار منطقتي "القلب" و"لويل ريجيو" بسبب الغطاء الجليدي السميك المشكل من الميثان والنيتروجين وأول أكسيد الكربون.

الغلاف الجوي لبلوتو كما يظهر في صورة التقطت بالأشعة تحت الحمراء (رويترز)

الغلاف الجوي
لقد التقطت مركبة نيوهورايزونز صورا للغلاف الجوي من مسافة 180 ألف كيلومتر، وتظهر في الصور حلقة زرقاء حول بلوتو يقول العلماء إنها ناتجة عن تشتت أشعة الشمس بسبب جزيئات الضباب في الغلاف الجوي الرقيق حول الكوكب.

وهذا الضباب ناتج عن تفاعل غاز الميثان وجزيئات أخرى مع أشعة الشمس فوق البنفسجية لتنتج خليطا ذا تركيبة معقدة من مركبات الهيدروكربونات ومنها الأسيتيلين والإثيلين، أما تلك الطبقات الضبابية فتتفاوت في سطوعها حسب الإضاءة.

وأخيرا تعتبر الكواكب القزمة والأجرام المبعثرة في منطقة حزام "كويبر" بمثابة العينات المحفوظة في صقيع الفضاء البعيد عن الشمس، وهنالك اعتقاد راسخ لدى العلماء بأنها قد تكون بقايا ما كان موجودا وقت تشكل المجموعة الشمسية، وعندما يشرع العلماء في دراسة بلوتو ومحيطه عن كثب فربما نكتشف أن تلك البقايا تحمل سجلا كيميائيا وبنيويا انمحت آثاره من الأجرام التي درست حتى الآن في الجزء الداخلي من المجموعة الشمسية.
________________

*عضو مؤسس في الجمعية الفلكية الأردنية

المصدر : الجزيرة