رماح الدلقموني

مع ظهور نظارتي أوكولوس ريفت وغوغل كاردبورد للواقع الافتراضي (Virtual Reality)، بدا واضحا أننا على أعتاب فتح جديد في عالم التقنية لم يكن معهودا من قبل، فهذه التقنية التي تدمج الواقع بالخيال أصبحت محط اهتمام شركات التقنية والمستخدمين على حد سواء.

التسمية
يعرف الواقع الافتراضي حاليا بأنه تقنية حاسوبية تتضمن محاكاة بيئة حقيقية أو ثلاثية الأبعاد، تعمل على نقل الوعي الإنساني إلى تلك البيئة ليشعر أنه يعيش فيها، وقد تسمح له أحيانا بالتفاعل معها.

وأبرز الأمثلة على تقنية الواقع الافتراضي هو مشاهد الفيديو المصورة بتقنية 360 درجة، التي تضع المستخدم افتراضيا في عين المكان ليختبره من كافة الزوايا وكأنه موجود هناك.

كما يستخدم المصطلح لوصف تشكيلة واسعة من التطبيقات المرتبطة به التي تتضمن بيئات ثلاثية الأبعاد يتفاعل المستخدم معها باللمس أو الصوت كألعاب الواقع الافتراضي الحالية، إلى جانب استخدام التقنية في الأغراض الطبية والهندسية.

نظارة "إتش.تي.سي فايف" تحتاج إلى وصلها بحاسوب شخصي قوي، وهي تدعم التفاعل مع الواقع الافتراضي (الأوروبية)

تاريخ المصطلح وتطور التقنية
يعود أصل تسمية الواقع الافتراضي إلى العام 1935 حيث ورد المصطلح في قصة خيال علمي قصيرة للمؤلف ستانلي ج. وينبون تحمل اسم "نظارات بجماليون" (Pygmalion's Sectacles) يصف فيها نظام واقع افتراضي يستند إلى نظارات مع ميزة التسجيل الهولغرافي للتجارب الخيالية واستخدام حاستي الشم واللمس.

وفي العام 1962 ابتكر العالم مورتون هيليغ نموذجا أوليا من آلة "سنسوراما"، وهي آلة ميكانيكية ضخمة بحجم ماكينات ألعاب الفيديو في مراكز الترفيه، وقد صنع لها خمسة أفلام قصيرة وظف فيها حواس متعددة مثل البصر والسمع والرائحة واللمس.

لكن الجهاز الذي ابتكره إيفان سوذرلاند بمساعدة تلميذه بوب سبرول عام 1968 يعتبر على نطاق واسع أول جهاز واقع افتراضي وواقع معزز يُرتدى على الرأس، لكنه كان بدائيا من حيث واجهة المستخدم والواقعية، وكان ثقيلا جدا لدرجة أنه يتدلّى من السقف، ولذلك حمل ذلك الجهاز اسم "سيف ديموقليس" (The Sword of Damocles).

لكن المعنى العصري للواقع الافتراضي شاع بفضل العالم جارون لانير من خلال شركته "في.بي.أل ريسيرتش" التي أسسها عام 1985 وامتلكت العديد من براءات الاختراع المتعلقة بالواقع الافتراضي منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وقد طورت هذه الشركة العديد من أجهزة الواقع الافتراضي، وكان بينها أول جهاز عرض حقيقي يرتدى على الرأس يحمل اسم "آي فون" (EyePhone).

وحتى أواخر الثمانينيات ظلت أغلب الأفكار حول هذه التقنية نظرية بسبب محدودية القوة الحاسوبية في تلك الفترات، والتكلفة العالية للتقنية التي جعلت تبنّيها صعبا جدا على المستهلكين.

وفي العام 1991 أعلنت شركة "سيغا" عن نظارة الواقع الافتراضي "سيغا في.آر" لألعاب الآركيد ومنصة ألعاب "ميغا درايف". واستخدمت النظارة شاشات أل.سي.دي وسماعات رأس وحساسات داخلية تتيح للنظام أن يتتبع ويستجيب لحركة رأس المستخدم.

وخلال تلك الفترة طُرحت عدة أجهزة للواقع الافتراضي مثل جهاز "فيرتشواليتي" وجهاز "فيرتشوال بوي" لشركة نينتندو، وجهاز "في.أف.إكس1" (VFX1) لشركة "فورتي"، الذي يعمل بوصله بالحاسوب الشخصي، ودعمته حينذاك بعض الألعاب مثل سيستم شوك وكويك وديسنت.

 نظارتها "غير في.آر" طرحت مقابل 99 دولارا وهي تعتمد على استخدام الهاتف الذكي بداخلها (رويترز)

تطور واسع
في حقيقة الأمر تعتبر غوغل رائدة في مجال تقنيات الواقع الافتراضي، ويعود ذلك إلى العام 2007 عندما طرحت الشركة خدمة "ستريت فيو" الشهيرة التي تظهر مشاهد بانورامية لمواقع عالمية، وتتيح للمستخدم التجول في شوارع العديد من المدن والمناطق السياحية حول العالم.

وفي العام 2010 صمم بالمر لوكي -الذي أسس لاحقا شركة أوكولوس في.آر- أول نموذج أولي من نظارة الواقع الافتراضي "أوكولوس ريفت"، ورغم أنها كانت تعرض في البداية صورا ثنائية الأبعاد وغير مريحة عند ارتدائها، فإنها جاءت بمجال رؤية يبلغ تسعين درجة وهو ما لم يكن معهودا في ذلك الوقت. وتطور ذلك النموذج لاحقا ليصبح الأساس الذي جاءت منه التصاميم اللاحقة.

لكن إقلاع هذه التقنية بدأ عام 2014 عندما استحوذت شركة فيسبوك على أوكولوس في.آر مقابل ملياري دولار، وأعلنت سوني عن نظارة "المشروع مورفيوس" التي أصبح اسمها "بلايستيشن في.آر". وتوسع الانتشار مع إطلاق غوغل نظارة "غوغل كاردبورد" للهواتف الذكية التي لا يزيد ثمنها عن بضعة دولارات، وجعلت تصميمها متاحا مجانا لمن يريد تقليدها.

وبعد ذلك بعام عقدت شركة إتش.تي.سي التايوانية شراكة مع شركة فالف وطرحتا معا نظارة "إتش.تي.سي فايف"، كما تشاركت سامسونغ مع شركة "أوكولوس في.آر" وطرحت نظارتها "غير في.آر" بسعر يقل عن مئة دولار.

نظارة للواقع الافتراضي تستخدم مستشعرا لتتبع حركة العين لمزيد من الواقعية (أسوشيتد برس)

مستقبل التقنية
حاليا أصبحت التقنية شائعة وفي متداول المستهلكين مع طرح شركات التقنية مزيدا من النظارات ودعم فيسبوك لفيديو الواقع الافتراضي وتخصيص يوتيوب قناة لمثل هذه النوعية من الأفلام. وقد ساعد على كل ذلك بدء ظهور كاميرات تصوير استهلاكية تصور بزاوية 360 درجة، وانتشار نظارات الواقع الافتراضي الرخيصة.

ويمكن فعليا تقسيم نظارات الواقع الافتراضي إلى ثلاثة أقسام: نظارات تعتمد على وصلها بالحاسوب الشخصي مثل نظارتي أكولوس في.آر وإتش.تي.سي فايف، ونظارات تعتمد على وصلها بمنصة ألعاب الفيديو مثل نظارة سوني بلايستيشن في.آر، ونظارات تستخدم الهواتف الذكية وهي الأكثر شيوعا مثل نظارة سامسونغ غير في.آر.

وتستثمر شركات التقنية وشركات صناعة الأفلام ملايين الدولارات في هذه التقنية التي يُنظر إليها على أنها ستكون "منصة" للحوسبة، مثل الهواتف الذكية والحواسب الشخصية، وآخر ابتكارات السينما المستقبلية. وتقدر شركات الأبحاث أن يشهد سوق تقنيات الواقع الافتراضي شحن أكثر من 64 مليون وحدة بحلول العام 2020، وأن تتجاوز إيرادتها عام 2016 مبلغ 2.3 مليار دولار.

المصدر : مواقع إلكترونية