هاني الضليع*

هل فكرت يوما بأن الأرض تتحرك غير حركتيها اليومية والسنوية؟ نعم هي كذلك، فالأرض أثناء دورانها حول الشمس تتأثر بما حولها من أجرام، وأهم هذه الأجرام تأثيرا في الأرض بعد الشمس هو القمر، فهو الجار الأقرب الذي تبلغ كتلته 82 مرة أقل من كتلة الأرض، وبذلك لا بد أن يكون له أثر عظيم عليها، وهذا الأثر لا يقف عند حد ظاهرتي المد والجزر اليوميتين، بل يتعداه إلى أبعد من ذلك. وهذه بعض مهمات القمر التي يؤثر بها في حركة الأرض.

لولا القمر لما استقرت الحياة على الأرض، ولأصبح محور الأرض الذي يميل بزاوية 23.5 درجة أثناء دورانها حول الشمس، والذي بسببه تتعاقب الفصول الأربعة، مائلا بشدة حتى تترنح الأرض فترتفع الشمس في سماء المناطق الشمالية من الكرة الأرضية، فينصهر الجليد أولا بأول لتنعدم بذلك الأقطاب الجليدية للكرة الأرضية.

ولولا القمر لما أبطأت الكرة الأرضية في حركتها حول نفسها، ولبقيت تدور بسرعة حول نفسها مرة كل ست ساعات، كما كانت في بداية تشكل المجموعة الشمسية، أي أسرع مما هي عليه الآن بأربع مرات.

وكذلك لولا القمر لكانت الأرض غارقة في ظلام دامس طوال أيام السنة لا يسافر في لياليها السراة. ولولاه لما عرفت الأمم التأريخ ولا معنى الشهر ولا السنة الكبيسة، ولانتفى المد والجزر فما تحركت مياه البحار واكتسبت حياتها وحيويتها، ولما استطاعت كائنات بحرية كثيرة الاستدلال على طريق تكاثرها وأماكن وضع بيوضها. 

يتمايل محور الأرض بمقدار 3.4 درجات في حقبة مدتها 40 ألف سنة ولا يستمر على قيمته المعهودة 23.5 درجة (الجزيرة)

فالقمر جزء لا يتجزأ من حياة الأرض، وهو أحد أسباب استقرار الحياة عليها، إضافة إلى كونها موجودة في منطقة الحياة حول الشمس حيث عناصر الحياة الثلاثة: الدفء والماء السائل والغلاف الجوي.

وبسبب نظام الأرض-القمر، فإن القمر لا يدور حول مركز الأرض، بل يدور حول مركز الكتلة الواقع أسفل سطح الكرة الأرضية بـ1700 كلم، وليس في المركز الذي يبعد عن السطح 6370 كلم (نصف قطر الكرة الأرضية)، وهذه هي ثالث حركات الكرة الأرضية وهي الحركة التذبذبية في مدارها حول الشمس، فمدارها بذلك ليس دائريا أو بيضويا منتظما، بل فيه تعرجات سببها أن الأرض ذاتها تدور حول مركز الكتلة بينها وبين القمر.

ولأن الأرض مائلة في سماء المجموعة الشمسية ويتعاقب بسبب هذا الميلان الفصول الأربعة كما أسلفنا، فإن نفس المحور الذي يميل 23.5 درجة يغير هذه الزاوية لتتراوح قيمتها بين 21.1-24.5 درجة في دورة رابعة تستغرق أربعين ألف سنة، وبالطبع فإننا لا نلاحظ تغير قيمة هذه الزاوية في أعمارنا القصيرة إلا بعد مرور مئات السنين، وهذه هي الحركة الرابعة للأرض.

الثعبان (Thuban) كان النجم القطبي في عهد الفراعنة قبل نحو خمسة آلاف سنة حيث كانت السماء تدور حوله (الجزيرة)

أما الحركة الخامسة فهي ترنح الكرة الأرضية وتغير اتجاه محور الأرض مما يترتب عليه تغيير النجم القطبي في السماء، فقد كان النجم القطبي قبل خمسة آلاف سنة زمن الفراعنة هو نجم الثعبان في كوكبة التنين، وبسبب ترنح الأرض -الذي يكمل دورة واحدة كل 25.8 ألف سنة- تغيَّر اتجاه المحور فأصبح يشير إلى النجم القطبي الحالي المعروف عند العرب باسم الجُدَي. وسيصبح نجم "النسر الواقع" المعروف باسم "فيغا" هو النجم القطبي الذي يتجه إليه محور الأرض بعد 14 ألف سنة، أي بعد أكثر بقليل من نصف دورة المحور المترنح.

وبسبب كل ذلك، يقوم علماء الفلك كل خمسين عاما بتغيير خرائط النجوم وإعادة حساب مواقعها بما يعرف بالعهود النجمية، كما فعلوا في خرائط العهد 1950 لتجديدها إلى العهد 2000 بعد إعادة حساب مواقعها.

كما أنه بسبب ظاهرة المد والجزر المستمرة فإن الساعة الذرية التي تحسب الوقت بناء عليها يتم تزويدها بثانية كبيسة كل سنة ونصف، لتواكب إبطاء حركة الأرض والزيادة في مدة دورانها. وقد أضيفت آخر ثانية كبيسة في يونيو/حزيران 2015، وستضاف الثانية الكبيسة التالية 23:59:60 يوم 31 ديسمبر/كانون الأول المقبل.

وأما الحركة السادسة فهي دوران الأرض مع الشمس حول مركز المجرة مرة كل 226 مليون سنة وتعرف بالسنة الكونية، وبذلك فإن الأرض لا تعود كل سنة إلى موضعها الذي دارت فيه حول الشمس وكذلك بقية الكواكب، بل تنتقل مع أمها الشمس حول مركز المجرة الذي يبعد عنا مسافة 28 ألف سنة ضوئية، والذي يجزم العلماء بوجود ثقب أسود عملاق فيه بكتلة تفوق كتلة شمسنا بخمسة ملايين مرة وبقطر يقارب قطر مجموعتنا الشمسية من طرفها إلى طرفها الآخر، أي ما يعادل 12 ساعة ضوئية.
_______________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

المصدر : الجزيرة