د. محمد قاسم*

لا يشك أحد في أن حالة العرب العلمية متأخرة جدا اليوم، فالفارق بيننا وبين العالم الشرقي والغربي يتسع مع مرور الوقت، والوقت ليس من صالحنا، لا لأننا غير قادرين على التقدم، ولكن لأننا لا نرى أي أولوية للعلم. وهذا ينطبق ليس فقط على مستوى الحكومات في العموم بل حتى على مستوى الشركات وأفراد المجتمع من باحثين وغيرهم.

وكثيرا ما يتردد أن الحكومات العربية لا تصرف من ميزانياتها على العلم إلا الشيء اليسير، وهذا أمر مسلم به ومتفق عليه، فالولايات المتحدة تتصدر قائمة الصرف على العلم، فهي تخصص مئات المليارات من الدولار للبحث العلمي سنويا، تليها الصين، ثم الدول الأوروبية، وروسيا، وهكذا، ثم تأتي الدول العربية والخليجية (رغم وفرة المال لديها) على استحياء في منتصف القائمة لتتراكم معظمها في نهايتها.

وبدلا من أن نكرر إلقاء اللوم على الحكومات أو حتى الشركات، التي لا تساهم أيضا في الصرف على البحث والتطوير بما يتناسب مع العصر، سنوجه إصبع الاتهام إلى المجتمع كله ومن ضمنه الباحثون، فهم أيضا مشاركون في تأخر حركة العلم في العالم العربي. فالحكومات إن أرادت أن تصرف المال على العلم، فلا بد أن يكون أفراد المجتمع مؤهلين لكي يحركوه في جهته.

ففي كل عام يتم تخريج عدد لا بأس به من حملة الدكتوراه بعد أن قضوا عدة سنوات في البحث العلمي بتفرغ كامل في الدول الغربية، وبعد إنتاجهم لأبحاث لا بأس بها، لكنهم يفقدون الاهتمام بالبحث بعد عودتهم مباشرة إلى بلدانهم.

وبالطبع فإن البيئة المحيطة بهم تضعف اندفاعهم لإكمال مسيرتهم البحثية، لذا نجدهم قد تخلوا عن العلم ليتفرغوا إلى أمور جانبية لا تمت له بأي صلة.

لوم
وفي هذه الحالة أيضا يلقي الباحثون اللوم على الحكومات لتقصيرها في خلق البيئة المناسبة، متناسين أنهم في أعلى مستويات السلم العلمي، وأنهم هم أيضا مسؤولون عن خلق تلك البيئة البحثية لأنفسهم.

وإن قام الباحث بنشر الأوراق العلمية فإن ذلك يرجع إلى رغبته في الحصول على الترقية الوظيفية، وهي وإن لم تكن عيبا في حد ذاتها، إلا أن التركيز على الحصول عليها بغض النظر عن الناتج العلمي لن يرفع مستوى العلم نوعيا بل كميا، ولن ينتج من هذه الأبحاث علماء يستحقون هذا اللقب الرفيع.

وإن رجعنا إلى أصل المشكلة نعود إلى المجتمع كله، فهو لا يضع أي أولوية للعلم على جميع الأصعدة، فلا هو من ضمن ثقافته، ولا هو من ضمن أدبياته، ولا هو من ضمن برامجه، ولا هو من ضمن لغته الاعتيادية، الناس تثق بالعلم عمليا وتطبيقيا حينما تستخدم منتجاته، ولكنها تعيش حالة انفصام في ثقافتها تجاهه.

ولكارل سيغان مقولة تتناسب مع هذه الحالة، يقول فيها: "نحن نعيش في مجتمع يعتمد على العلم والتكنولوجيا بشدة، ولا يكاد أحد يعرف أي شيء عنهما". قال ذلك عن الولايات المتحدة الأميركية في أيامه وقبل وفاته، فكيف بنا نحن بالمقارنة؟

لكي يرتقي المجتمع علميا يجب أن تنقلب ثقافته رأسا على عقب، ولا بد من البدء بتغيير ثقافة الخلية الأولى له، وهي الأسرة، ليبدأ الآباء ترغيب أبنائهم في العلم وتحبيبه إليهم منذ الصغر، ليس لأجل أغراض أخرى سوى العلم نفسه، وأن يُنمّوا لديهم الفضول والتساؤل والمتابعة بالتجربة، ثم التحليل والاستنتاج، وأن يتكلموا معهم بلغة تجعلهم يثقون بالعلم وقدراته في الإجابة عن الأسئلة.

المجتمع يحتاج إلى أن يتكلم بلغة العلم (الجزيرة)

الأطفال
ويحتاج الآباء أن يخصصوا بعض ميزانياتهم لشراء ألعاب علمية بسيطة مثل الميكروسكوبات، والتلسكوبات والأجهزة الكهربائية المسلية والمغناطيسات والزجاجات الكيميائية المخبرية المخصصة للطفل، وأمور أخرى كثيرة، بحيث تتوفر للطفل بيئة علمية مصغرة، ليتأثر بها وتشعل فيه جذوة الفضول العلمي، ثم تبقى معه إلى نهاية عمره.

وبالرغم من الفائدة التي يجنيها الأطفال من تعلم المنهج العلمي المبسط في الصغر، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن يصبح جميعهم علماء، ولكن وجود شريحة كبيرة منهم يعني أن يخرج منهم من هو عالم بمستوى العلماء العظماء بالضرورة الاحتمالية، وكذلك وجود جيل مهتم بالعلم يفرض على الحكومات تخصيص ميزانيات أكبر لدعم العلم، وذلك لوجود مجتمع يطالب به، لأن العلم أصبح أولوية لديه.

لا أدعي أن العالم العربي لا يحتوي على علماء، بل هناك من هو جدير بهذا اللقب، وله أبحاث بمستوى عال، ولكن وجود عدد بسيط منهم لن يكفي لدفع عجلة العلم إلى الأمام، ووجود عدد قليل من العلماء في مجتمع ميت علميا هو كمثل عدم وجودهم، فلا هم يحصلون على الدعم، ولا التشجيع، ولا الميزانيات الكافية لأبحاثهم.

المجتمع يحتاج إلى أن يتكلم بلغة العلم، وأن يستمع إلى لغة العلم، وأن تكون له برامج ونشاطات علمية مكثفة ومتنوعة، وأن يطالب بدعم العلم، وهذا لا يحصل إلا بتنشئة جيل جديد محب للعلم.
_______________
* أستاذ مساعد بكلية الدراسات التكنولوجية، الكويت.

المصدر : الجزيرة