هاني الضليع

إذا كنت تعتقد أن ما يملأ السماء من نجوم ساطعة أو خافتة لا علاقة له بحياة الإنسان على الأرض فأنت مخطئ بلا شك. فقبل 4.6 مليارات سنة تشكلت الأرض من غمامة سديمية كانت غافلة فاستيقظت لتبدأ الدوران حول مركز أوجدت الشمس فيه وتجمعت البقايا بعد ذلك على شكل كتل جاذبية بعيدة عن المركز عرفت فيما بعد بالكواكب. رافقت ذلك كله ولادة المذنبات والأقمار والكويكبات.

فحياة النجوم عامة بعد الانفجار العظيم الذي حدث قبل حوالي 13.8 ألف مليون سنة تبدأ بالسديم الهيدروجيني الذي يتضاغط شيئًا فشيئًا ويتراكم بعضه فوق بعض ليخلق لنا نجومًا، يشترط العلماء أن ترتفع درجة الحرارة فيها إلى ثمانية ملايين درجة على الأقل كي تشتعل النار النووية التي يمكنها دمج أنوية الهيدروجين.

ومنها الكبير الذي يولد بلون أزرق شديد الحرارة (أكثر من 25 ألف درجة) فلا يعمّر سوى بضع عشرات وربما مئات من ملايين السنين، ومنها ما يولد أحمر بحرارة سطح لا تزيد على ثلاثة آلاف درجة فيعيش طويلا يفوق عمره ما يمكن أن تتخيله عقولنا، إذ يمكن أن يعيش مئات وألوف المليارات من السنين. ذلك أن الأول يحرق وقوده بسرعة كبيرة، وببطء شديد وكميات ضئيلة يحرق الثاني وقوده.

مرحلة التتابع
لكن الثاني لا أثر حقيقيا له في الكون كالأول، فنهايات النجوم كما حسمها العلم منذ ثلاثينيات القرن الماضي تكون على أشكال ثلاثة هي: القزم الأبيض والنجم النيوتروني والثقب الأسود.

وهذه النهايات تعتمد في أساسها على عظم النجم بعد أن يستنفد وقوده الهيدروجيني فيما يعرف بمرحلة التتابع الرئيسي التي يقضي النجم فيها قرابة 90% من عمره قبل أن يتضخم ويتمدد ويصبح عملاقا أحمر ينفجر بواحد من تلك الأشكال الثلاثة.

ولأن شمسنا نجم قزم من نجوم المجرة مقارنة بالنجوم البيضاء والزرقاء الضخمة، فإن حياتها متوسطة الطول إذ عاشت 4600 مليون سنة، وبقي فيها من الوقود ما يكفيها لتعيش مثل ذلك العمر أو أطول قليلا بمعدل يبلغ 10 آلاف مليون سنة قبل أن تتحول إلى قزم أبيض، فتقذف بردائها إلى الفضاء كسديم في سماء الأرض يكدر ضوء أكثر النجوم ويتلون بألوان زاهية إثر الأشعة فوق البنفسجية التي سيشعها النجم القزم الأبيض الباقي من الشمس، حجمه بحجم الأرض أو أقل قليلا ولمعانه في السماء ككوكب الزهرة الذي يرى عادة بالقرب من الهلال وقت الغروب.

أما انفجار نجم أبيض أو أزرق بعد تضخمه ليصير عملاقا أحمر ذا كتلة تفوق كتلة الشمس عشرات المرات، فهو انفجار مدوّ يملأ المجرة نورًا وصراخًا ويترك أثره على مواد وسدم وغازات بينجمية ليوقظها من سباتها فيدب فيها الروح فينشأ منها جيل جديد من نجوم تزخر بالعناصر الثقيلة كالحديد والنحاس واليورانيوم والرصاص وأكثر عناصر الجدول الدوري.

العنصر المتمرد
ولا يحدث الانفجار إلا لأن ثمة عنصرًا متمردًا يرفض الانصياع إلى ضغوط حرارة باطن النجم التي تبلغ عشرات المليارات من الدرجات المئوية وتدمج العناصر الأثقل من الهيدروجين واحدًا تلو الآخر فيندمج العنصر وينكمش النجم قليلا، ثم يتبعه العنصر الأثقل فالأثقل إلى أن ينتهي الأمر بالحديد، فيأبى.

وحين يأبى الحديد أن يندمج (إذ هو العنصر الأكثر استقرارا في الطبيعة) ينهار النجم على نفسه فلا يقابل إلا بِردّ قويّ نحو الخارج تتطاير به مادة النجم أشلاءً في السماء وتعرف بالسوبر نوفا أو المستعر الأعظم.

كما تنهار إلكترونات الذرات على أنويتها، ليولد النجم النيوتروني (المتعادل الشحنة) بكثافة تعادل كثافة الذرة أو بما يزن ملعقة شاي صغيرة منه مائة مليون طن من المادة.

وإذا ما كان الانهيار أشد فإن الأنوية ذاتها بمحتوياتها من الكواركات تنهار هي أيضا لتصبح أشد كثافة وأصغر حجما من النجم النيوتروني الذي يبلغ قطره فقط 10- 20 كيلومترا ويضم بين حناياه كل المادة التي انهارت فيه إلى مصير يعرف بالثقب الأسود الذي لا يعرف الفيزيائيون منه سوى محيطه المسمى أفق الحدث، فالضوء الذي يتعداه إلى الداخل لا يعود أبدا.

صرخات النجدة
ولذا فإن صرخات النجدة من هذه المادة الملتهمة من قبل الثقب الأسود تطلق نداءات استغاثة على شكل موجات كهرومغناطيسية شديدة الكثافة إما على شكل أشعة جاما أو أشعة سينية.

وفي الخارج، فتلك الغازات التي تطايرت أشلاءً في الفضاء تسطع مائة مرة أكثر من سطوع مجرة درب التبابة كاملة في طوال حياتها، فنرى نجمًا قد سطع في المجرة، ربما يكون قد فعل ذلك قبل مئات أو ألوف السنين لكن ضوءه وصلنا اليوم.

ولأن الطاقة الناتجة لحظة الانفجار الذي سببه فشل القوى في دمج أنوية الحديد إلى عناصر أثقل تكون عظيمة جدا، فإن العناصر الثقيلة المعروفة كاليورانيوم تولد لحظة الانفجار لتتطاير في الفضاء مع ذلك السديم، ولتلتقي أماكن نائمة بين النجوم فتختلط بها وتصبح جزءا من مكوناتها، تماما كما حدث مع سديم مجموعتنا الشمسية قبل أكثر من 4600 مليون سنة حين اختلط الحديد والعناصر الثقيلة به فنشأت شمسنا وما حولها من الكواكب، ثم نشأت الأرض التي منها أجسادنا وإليها نصير بعد الموت.

وهكذا يدرك الفلكيون وعلماء الأحياء أن الأرض أم الإنسان وأن النجوم هي أجدادنا، إذ نحن جيل الكون الثالث منذ الانفجار الأعظم.

"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى" (سورة طه 55)

المصدر : الجزيرة