الصغير الغربي

يسجل تاريخ الفضاء أن أول مسبار أطلقه الإنسان لاستكشاف بقية كواكب المجموعة الشمسية كان تجاه كوكب الزهرة، وخلال ثلاثة عقود امتدت من بداية الستينيات إلى أواخر الثمانينيات حاز هذا الكوكب -الذي يلقب بتوأم الأرض- النصيب الأكبر من الاهتمام لدى المشرفين على البرامج الفضائية.

لكن الكوكب بدأ يفقد جاذبيته شيئا فشيئا -لدى الحالمين باستيطانه يوما ما- مع انقشاع سحب الغموض التي أحاطت به منذ القدم وانكشاف الجحيم الذي يسود سطحه، لكنه ازداد سحرا لدى الباحثين عن دراسة وفهم الظواهر القصوى.

إن كوكب الزهرة هو الأكثر لمعانا ليلا في السماء بعد القمر والأقرب إلينا، وهو أكثر الكواكب شبها بالأرض، فكتلته تمثل 0.815 مرة كتلة الأرض (مقابل 0.107 بالنسبة للمريخ)، وقطره يبلغ 0.949 مرة قطر كوكبنا، وكثافته قريبة جدا من كثافة الأرض، كما أن مداره دائري تقريبا مثل الأرض، إذ لا يتعدى الاختلاف المركزي 0.0067.

وتتراوح المسافة التي تفصل هذا الكوكب عن الشمس بين 109 ملايين كلم عند أبعد نقطة في المدار (الأوج) و107 ملايين كلم عند أدنى نقطة (الحضيض)، وكوكب الزهرة هو أقرب الكواكب إلى الأرض فالمسافة التي تفصلهما عند الاقتراب الأقصى تبلغ 41 مليون كلم (وللمقارنة فإن أقرب مسافة للمريخ من الأرض تبلغ 56 مليون كلم).

لكن كوكب الزهرة يختلف في نواح أخرى، أبرزها طول مدة دورانه حول نفسه التي تبلغ 243 يوما أرضيا، ودورانه حول الشمس الذي يستغرق 223 يوما فقط مقابل 365.4 يوما على الأرض، وهو ما يعني أن يوم هذا الكوكب أطول من سنته.

كما أن درجة ميلان محور دوران كوكب الزهرة حول نفسه تبلغ 177 درجة مقابل 23 درجة تقريبا بالنسبة للأرض، وهذا الميلان الشديد يجعله يدور في الاتجاه المعاكس لبقية الكواكب أي أن الشمس تشرق من المغرب وتغرب في المشرق على سطح الزهرة.

كوكب الزهرة أثناء تحركه ليعبر أمام الشمس في يونيو/حزيران 2012 وهو عبور لن يتكرر ثانية حتى عام 2117 (رويترز)

سباق استكشاف الزهرة
وبسبب التشابه بين الكوكبين اللذين يوصفان بالتوأمين كان الاعتقاد السائد قبل قرن من الزمن أن كوكب الزهرة يؤوي جنة مدارية مفعمة بالحياة، لكن تغير هذا المفهوم مع تطور وسائل الرصد، خاصة منها التي تعمل في المجال الراديوي ومجال الأشعة تحت الحمراء ثم من خلال إرسال مسابير إلى هناك.

وشهدت الفترة الممتدة من 1962 إلى 1989 سباقا محموما لاكتشاف الزهرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، وقد مالت الكفة لهذا الأخير بإرساله ثلثي المسابير التي توجهت إلى الكوكب، لكن الفضل يعود لأربعة مسابير من نوع فينيرا في معرفة تفاصيل كثيرة بفضل نجاحها في التقاط صور لسطح الكوكب وغلافه الجوي رغم أن فترة عمل كل منها لم تتجاوز الساعة والنصف أو الساعتين من الزمن بسبب الظروف القصوى من الحرارة والضغط.

وكان المسبار فينيرا 4 الذي أطلق في الـ12 من يونيو/حزيران 1967 أول مسبار ينجح في اقتحام الغلاف الجوي لكوكب الزهرة وتحليل مكوناته وإرسال البيانات إلى الأرض، وهي إحدى أولى المهمات العلمية التي ساهمت في كشف ما يجري على سطحه.

في المقابل، نجد أن المسبار الأميركي ماجلان نجح خلال الفترة من 1990 إلى 1994 في إنجاز خرائط مفصلة للكوكب، ورفع بذلك الكثير من الغموض بشأن ما يجري عليه.

الحرارة العالية جدا التي تسود كوكب الزهرة والتي يمكن أن تذيب بعض المعادن كالرصاص لا تعود إلى قرب الكوكب من الشمس بل إلى عامل الدفيئة الذي يسود الغلاف الجوي

الجحيم
تظهر المعطيات التي تم استيقاؤها من مختلف المهمات الفضائية المنجزة لاستكشاف كوكب الزهرة أن الضغط الجوي يبلغ 92 مرة مثيله على الأرض، وهو ضغط يعادل الموجود على عمق ألف متر في المحيطات.

كما تصل درجة حرارة جو الزهرة إلى 470 درجة مئوية، ويطغى غاز ثاني أكسيد الكربون على الغلاف الجوي ليشكل 96.5% من مكوناته مع نسبة صغيرة من النيتروجين (3.5%) ونسب ضئيلة أخرى من ثاني أكسيد الكبريت.

وتبلغ كثافة الغلاف الجوي عند السطح كثافة الماء تقريبا بسبب الضغط الجوي العالي وهو ما يجعل حركة الرياح بطيئة جدا ولا تتجاوز سرعتها أربعة كيلومترات في الساعة، لكن الوضع في الطبقات العليا على ارتفاع أربعين كلم في الغلاف الجوي يبدو أكثر إثارة، فهذا الجزء الخارجي أقل كثافة مئة مرة على الأقل ويبدو مستقلا عن بقية الكوكب ويدور حوله كل 4.2 أيام في تيار رئيسي متواز مع خط الاستواء تتفرع منه سحب خيطية في اتجاه الشمال والجنوب، وتبلغ سرعة الرياح في هذه المناطق أكثر من أربعمئة كلم في الساعة.

وتظهر خرائط للتضاريس على سطح الزهرة التي تم إنجازها باستعمال التلسكوبات الراديوية وباستعمال مسابير فضائية كمسبار ماجلان وجود تضاريس مختلفة تشمل ثلاث سلاسل جبلية كبيرة وتبلغ أعلى قمة فيها أكثر من 11 كيلومترا، ووجود عدد كبير من البراكين يتجاوز عددها الألف، لكن لا نعلم إن كانت نشطة أم لا.

وهذه الحرارة العالية جدا التي تسود كوكب الزهرة والتي يمكن أن تذيب بعض المعادن كالرصاص لا تعود إلى قرب الكوكب من الشمس بل إلى عامل الدفيئة الذي يسود الغلاف الجوي، إذ يعتقد العلماء أن درجة الحرارة عند سطح الزهرة ستكون دون المئة درجة مئوية في حال غياب الغلاف الجوي، ورغم أن هذا الأخير يعكس أكثر من 95% من أشعة الشمس نحو الفضاء الخارجي فإن الـ5% المتبقية يمتصها غاز ثاني أكسيد الكربون والكبريت وبخار الماء المتواجد في الطبقات العليا للغلاف.

وستكون دراسة هذه الظواهر وغيرها أحد الأهداف الرئيسية لمسبار فينيرا-د (Venera-D) المنتظر إطلاقه في أواسط العقد القادم، وهو أول مسبار تطلقه روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي إحياء لسلسلة المسابير فينيرا وفيغا.
_____________
*إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة