*د. وحيد محمد مفضل

تتشكل نسبة كبيرة من مساحة العالم العربي -كما هو معلوم- من فيافي قاحلة للغاية، وأراض ساحلية شديدة الملوحة (سبخات)، يصعب جدا استغلالها أو الانتفاع بها، كما تعاني المنطقة -ومن واقع طبيعتها الجغرافية الصعبة والظروف المناخية القاسية التي ترزح تحتها- من أكثر من مشكلة إضافية مثل ندرة المياه العذبة وزحف المناطق الحضرية وتآكل التربة الزراعية وغيرها؛ مما يشكل تحديا كبيرا أمام خطط التنمية الزراعية والتوسع الحضري والرؤى المستقبلية، ويتطلب في الوقت ذاته بذل مزيد من الجهد والبحث عن أفكار خلاقة وحلول غير تقليدية من أجل مجابهتها.

وتعدّ الزراعية الملحية أحد هذه الحلول غير التقليدية التي يمكن أن تحدث ثورة في مجال الزراعة التقليدية، وتحقق فضائل ومزايا كثيرة، ليس أقلها الحفاظ على موارد المياه العذبة ومخزون المياه الجوفية واستغلال المناطق الساحلية غير الحضرية والأراضي السبخية في الزراعة، لذا فقد بدأت أكثر من دولة عربية -لا سيما دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية- تولي اهتماما خاصا بالزراعة الملحية، وتعمل على تطوير تقنياتها، على أمل أن يسهم هذا في حل مشاكل ندرة المياه وزيادة الطلب على الغذاء وتزايد درجة التصحر التي تعاني منها.

الزراعة الملحية تقوم على زراعة محاصيل وسلالات نباتية لها القدرة على تحمل مستويات عالية من الملوحة ودرجة الحرارة

الفكرة والأصل
والزراعة الملحية هي تلك الزراعة التي تقوم على زراعة محاصيل وسلالات نباتية لها القدرة على تحمل مستويات عالية من الملوحة ودرجة الحرارة. ونبعت فكرتها في الأساس من الطبيعة ذاتها ومن نمو نباتات مقاومة للملوحة بشكل طبيعي وفطري على الشواطئ الرملية ومناطق المد والجزر والأراضي السبخية وغيرها من المناطق المغمورة بالمياه المالحة.

ولعل أبرز مثال على هذه النوعية من النباتات نبات المانجروف المعروف أيضا باسم القرم أو الشورى، المنتشر بكثافة على سواحل البحر الأحمر وشواطئ الخليج العربي، ويتكيف القرم -وهذه النوعية من النباتات عموما- مع البيئة الملحية بأكثر من طريقة وآلية، فهو إما أن يقوم بتجنب تركيز الأملاح وذلك عن طريق تجميعها بالأوراق مثلا ومن ثم التخلص منها، أو أن يتكيف مع البيئة الملحية التي يعيش وسطها بتحمل درجة الملوحة العالية.

ولقد حاول بعض الباحثين منذ وقت مبكر محاكاة هذه الظروف الطبيعية باستخدام مياه البحر الملحية في ري وإنماء بعض أنواع النباتات والمحاصيل، لعل أحدها ينجح في التكيف مع الملوحة العالية والاستمرار في النمو والإنتاج.

وبدأت أولى المحاولات عام 1949، لكن التوسع في عملية البحث والتجريب العلمي الخاص بزراعة النباتات الملحية لم يبدأ إلا في أواخر السبعينيات من القرن المنصرم. ومنذ ذلك الحين تعمل جهات علمية كثيرة -ومنها مراكز بحثية عربية- بشكل حثيث على محاولة تطوير تقنيات جديدة للزراعة الملحية، واستنباط أنواع جديدة من النباتات والمحاصيل مقاومة للملوحة، سواء من المحاصيل الغذائية الرئيسية مثل القمح والشعير أو النباتات الأخرى التي يمكن استغلاها كمراع طبيعية أو أعلاف للماشية.

غير أن مفهوم الزراعة الملحية لا يقتصر فقط على تحسين قدرة بعض النباتات على النمو والنضج في بيئة ملحية قاسية، أو ري وزراعة بعض أنواع النباتات والمحاصيل بالمياه عالية الملوحة، بل يمتد أيضا إلى استخدام المياه الملحية -ولو بنسبة ضئيلة- في التحكم في عملية نضج النباتات أو تحسين بعض خصائصها أو مواصفاتها، مثل نسبة تركيز السكر في الفاكهة.

وبصفة عامة يمكن القول إن عملية تطوير تقنيات الزراعة الملحية، وإنتاج أنواع نباتية مقاومة للملوحة، أخذت منحيين علميين مختلفين: الأول اعتمد على تطبيق تقنية الهندسة الوراثية من أجل تحوير النباتات التقليدية جينيا وفسيولوجيا وتحويلها من كونها حساسة للملوحة إلى متحملة لها. في حين اعتمد المنهج الثاني على استنبات النباتات الملحية التي لها قدرة على تحمل الملوحة ومحاولة التوسع في زراعتها في البراري والحقول الزراعية لاستخدامها كمحاصيل غذائية أو علف حيواني أو إنتاج حبوب زيتية.

الأنشطة الزراعية التقليدية المستهلك الرئيسي للمياه العذبة بنسبة 70% (رويترز)

الفوائد والمزايا
والتوسع في الزراعة الملحية يمكن أن يحقق أكثر من فائدة كبرى، مثل استغلال الأراضي القاحلة وشبه القاحلة، التي تحظى أحيانا بكميات وفيرة من المياه غير العذبة أو المياه مرتفعة الملوحة التي لا تصلح للزراعة التقليدية، حيث يمكن من خلال تطبيق تقنيات الزراعة الملحية استخدام هذه المياه في زراعة بعض أنواع المحاصيل الملحية المناسبة وزيادة الإنتاج الزراعي، مما يساعد على تحقيق الأمن الغذائي.

وبالحيثية نفسها يمكن أيضا استغلال الشواطئ الهامشية المعرضة لحركة المد والجزر في زراعة الأعلاف أو أنواع النباتات الأخرى التي يمكن استخدامها في إنتاج الطاقة (الوقود الحيوي) أو استخلاص المواد الصيدلانية أو الزيوت.

كما يمكن أن تسهم الزراعة الملحية في زيادة كفاءة استخدام الموارد المائية، من خلال الحفاظ على كميات المياه العذية الصالحة للشرب أو للزراعة التقليدية، مما يساعد بدوره على تحقيق الأمن المائي والحد من الهجرات والنزاعات الناتجة عن عدم توافر المياه أو بور الأراضي وزيادة الجفاف. وفضلا عن كل ذلك يمكن أن تسهم تقنيات الزراعة الملحية أيضا في تحسين الكفاءة الإنتاجية لبعض المحاصيل، أو تحسين نوعية وخصائص بعض المحاصيل، ومن ثم تحقيق عائد اقتصادي عال.

الزراعة الملحية يمكن أن تسهم كذلك في التخفيف من آثار مشكلة الاحتباس الحراري المؤدية إلى التغير المناخي، وهذا من واقع دورها في زيادة الرقعة الزراعية والمناطق النباتية الخضراء التي تعمل على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو

وعلى هذا النحو يمكن أن تؤدي الزراعة الملحية إلى دعم الزراعة التقليدية ورفع الضغوط الواقعة عليها، كون الأخيرة مطالبة دائما بإيجاد طرق أقل استهلاكا للمياه وزيادة الإنتاج الزراعي للوفاء بالطلب المتنامي على الغذاء والمحاصيل الرئيسية. فالأنشطة الزراعية التقليدية تعد المستهلك الرئيسي للمياه العذية بنسبة 70%، تليها الأنشطة الصناعية بنسبة 20%، ثم بقية الأنشطة والاستخدامات البشرية اليومية بنسبة 10%.

من جهة أخرى، يمكن أن تسهم الزراعة الملحية كذلك في التخفيف من آثار مشكلة الاحتباس الحراري المؤدية إلى التغير المناخي، وهذا من واقع دورها في زيادة الرقعة الزراعية والمناطق النباتية الخضراء التي تعمل على امتصاص ثاني أكسيد الكربون الزائد من الجو، وتقليل نسبة التلوث الجوي.

الصعوبات والآمال
بيد أن ارتباط المزايا السابقة بالزراعة الملحية لا يعني أن الطريق قد أصبح ممهدا أمام انتشارها وتطبيقها على نطاق واسع، بل على العكس، فما زالت هناك صعوبات وتحديات عديدة يجب حلها لكي تبلغ الزراعة الملحية هذه المرحلة.

ومن أهم هذه التحديات ضعف إنتاجية الزراعة الملحية مقارنة بالزراعة التقليدية، وارتفاع تكلفة الزراعة الناتجة أساسا من ارتفاع تكاليف ضخ المياه البحر الملحية، خاصة في الأراضي المرتفعة كثيرا عن مستوى سطح البحر، وهو ما قد يجعل هذه الزراعة غير مجدية اقتصاديا.

ومن التحديات أيضا ارتفاع درجة ملوحة المياه في بعض البحار والمناطق الساحلية كالبحر الأحمر والخليج العربي مثلا (كونها شبه مغلقة) عن بقية البحار، مما يفرض مزيدا من التكلفة ومزيدا من الصعوبة في عملية زراعة النباتات بهذه المياه.

لكن إجمالا يمكن القول إن فرص نجاح وانتشار الزراعة الملحية أكبر كثيرا من احتمالات فشلها، كون التقنيات المتخصصة ونتائج البحث والتجريب في تطور وتحسن باستمرار، وكون الأراضي الصالحة مبدئيا لهذه الزراعة متوافرة وتصل نسبتها إلى 43% من إجمالي سطح الأرض، ناهيك عن توافر المياه المالحة وانتشارها في كافة أنحاء المعمورة.

لا يبقي إذن سوى الترقب والدعاء، لعل الأمر في النهاية ينجح ونشهد ثورة زراعية جديدة، ونماء للخضرة في كل مكان.

________________
* باحث وكاتب علمي حاصل على الدكتوراه في الدراسات البيئية

المصدر : الجزيرة