*الصغير الغربي

الانفجار الأخير في كمية البيانات المتأتية من مرصد كيبلر الفضائي التي قامت إدارة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) بتحليلها جعل عدد الكواكب الخارجية المعروفة يقفز ليتجاوز عتبة 3400 كوكب بعد أن كان هذا العدد دون الألفين في بداية العام، ولم يحدث منذ اكتشاف أول كوكب خارج المجموعة الشمسية قبل أكثر من عقدين، فما الذي مكن من إنجاز هذه القفزة؟ وهل اقترب الإنسان من إيجاد ضالته، وهي إيجاد كوكب شبيه بالأرض يمكن للحياة أن تنمو على سطحه؟

قدم المرصد الفضائي الأميركي كيبلر في بداية مايو/أيار الحالي أحدث الاكتشافات للكواكب الخارجية وأكبرها حجما فقام بمسح 1284 كوكبا جديدا رغم أنه استعمل تقنية معروفة وغير مستحدثة لاكتشافها، ويمثل هذا العدد أكثر من ثلث مجموع الكواكب المكتشفة الذي بلغ حسب ناسا 3415 تنتمي إلى 2554 نظاما كوكبيا.

لا بد من التذكير هنا أن عملية اكتشاف الكواكب البعيدة ليست هينة، وهي أصعب من البحث عن إبرة في كومة قش كما يقال، فهذه الكواكب لا يمكن رؤيتها إلا نادرا بسبب المسافة الهائلة التي تفصلنا عنها وكذلك للمعانها الضعيف الذي لا يمثل في المتوسط سوى جزء من عشرة مليارات جزء من ضوء النجم الذي يدور حوله الكوكب، وهذا يعني أن من بين كل عشرة مليارات فوتون يصلنا من هذا النجم هناك فوتون واحد صادر عن الكوكب.

ورغم ذلك فقد نجح العلماء في رصد مباشر لبعض الكواكب، وهي تتميز بكونها عملاقة الحجم تدور حول نجوم خافتة نسبيا في مدارات بعيدة عنها كالأقزام السمراء، لكن مثل هذه المجموعات الكوكبية تختلف كثيرا عن مجموعتنا الشمسية.

رسم بياني يوضح تطور عدد الكواكب الخارجية المكتشفة منذ سنة 1995 حتى 2016 (الجزيرة)

طرق الرصد 
لذلك لجأ العلماء إلى طرق غير مباشرة لاكتشاف الكواكب خارج المجموعة الشمسية تعتمد على التأثيرات التي يحدثها الكوكب على نجمه، أهمها تقنية السرعة الشعاعية التي تدرس اضطرابات الجاذبية التي يحدثها الكوكب على نجمه، وهي مفيدة بشكل خاص لاستكشاف الأنظمة التي نرصدها من "فوق" حيث لا تمر الكواكب "أمام" نجمها، وتعتمد هذه الطريقة على مراقبة حركة النجم نفسه الناجمة عن الكواكب التي تدور حوله، وهي فعالة إلى مدى يصل إلى ألف سنة ضوئية وكانت وراء نحو 25٪ من الاكتشافات.

أما الطريقة الثانية فهي تقنية العبور، فعندما يمر كوكب بين نجمه وبين المرصد يُحدث كسوفا مصغرا ينخفض خلاله الضوء المنبعث من النجم بشكل متفاوت حسب نسبة حجم الكوكب لحجم النجم، وهي تقنية مكنت من اكتشاف ما يقرب من 70٪ من الكواكب في حدود المنطقة التي حولنا والممتدة إلى مسافة خمسة آلاف سنة ضوئية.

أما التقنية الأحدث فهي تقنية "العدسة الجاذبية المصغرة" التي تعتمد على الانحناءات التي تسببها النجوم في الفضاء الزمكاني لاستكشاف الكواكب البعيدة، فإذا تواجد اثنان من النجوم البعيدة عن بعضهما البعض على نفس الخط بالنسبة للمراقب على الأرض تُحدث كتلة النجم الأقرب انحناء في الكون من حولها تنتج عنه ظاهرة "عدسة الجاذبية المصغرة" التي تزيد سطوع النجم الأبعد، فإذا مر كوكب ما أمام النجم الخلفي زاد سطوعه أيضا.

لكن هذه الطريقة ليست لها مردودية كبيرة في استكشاف الكواكب البعيدة، فاحتمال مرور نجم أمام نجم آخر هو مرة كل مئة ألف سنة، ورغم ذلك لم يجد العلماء بديلا عنها لأنها تمكن من استكشاف الكواكب على مدى شاسع جدا وبإمكانها نظريا مسح كامل أرجاء المجرة، إضافة إلى كونها مجدية لاكتشاف النجوم التي لا يمكن استكشافها بالأساليب التقليدية مثل الكواكب التي تدور على مسافات كبيرة من النجوم ولا تمر أمام نجمها ولا تحدث له اضطرابات جاذبية.

اكتشف كيبلر وحده أكثر من 2300 كوكب، وهو ما يمثل 68% من مجموع الكواكب المكتشفة، وعلى سبيل المقارنة لم يكتشف نظيره الأوروبي -المرصد الفضائي كوروت- سوى 32 كوكبا خارج النظام الشمسي في ثماني سنوات من العمل

كيبلر المتميز
للكشف عن كوكب ما يقوم كيبلر بتحليل صورته الظلية عندما يمر أمام نجمه ويقيس الانخفاض في سطوع النجم، هذه هي "طريقة العبور" مثلما حدث مؤخرا حين عبر كوكب عطارد أمام الشمس، واكتشف هذا المرصد وحده أكثر من 2300 كوكب، وهو ما يمثل 68% من مجموع الكواكب المكتشفة.

وعلى سبيل المقارنة لم يكتشف نظيره الأوروبي -المرصد الفضائي كوروت- سوى 32 كوكبا خارج النظام الشمسي في ثماني سنوات من العمل، فكيف يمكن تفسير هذا الكم الهائل من الكواكب المكتشفة دفعة واحدة؟

السبب الأول هو أن حجم تلسكوب كيبلر أكبر من كوروت ويستطيع بذلك استكشاف كواكب أبعد، كما أن طريقة عمل الفريقين مختلفة، فالعلماء الأوروبيون يقومون بجهد مضن لتدقيق كل اكتشاف جديد بما في ذلك إجراء عمليات رصد من الأرض، وهي مهمة شاقة تستغرق الكثير من وقت التلسكوب.

أما العاملون في مرصد كيبلر فيوجهون التلسكوب إلى زاوية صغيرة من المجرة لاستطلاع إحصائي بشأن كيفية توزيع الكواكب حول النجوم، وهو ما يمكن من الحصول على نتائج أسرع.

والفرق بين هذه الطريقة وتلك المعتمدة في مهمة كوروت هو كالفرق بين نتائج سبر للآراء بشأن نوايا التصويت قبل إجراء انتخابات ما ونتائج الانتخابات نفسها، والفارق بينهما هو هامش صغير من الخطأ يمكن إهماله إحصائيا.

ولا يبدو أن كيبلر قد باح بكل أسراره لاستكشاف الكواكب، فمنذ أبريل/نيسان الماضي وحتى يوليو/تموز المقبل يقوم أسطول من التلسكوبات في الفضاء وعلى الأرض يشارك فيها كيبلر في إطار برنامج "كي2" أو"كيبلر 2" بمراقبة مركز مجرتنا درب التبانة الذي يبعد عنا نحو 25 ألف سنة ضوئية، حيث تتواجد عشرات الملايين من النجوم، لاكتشاف الكواكب الخارجية البعيدة جدا.

ويستخدم البرنامج الاستكشافي تقنية "عدسة الجاذبية الصغرى" المذكورة آنفا، وللتعويض عن مردودها الضعيف اختار العلماء رصد عشرات الملايين من النجوم في نفس الوقت بواسطة هذا الأسطول الضخم من المراصد.

لكن العثور على عدد مهم من الكواكب لا يعني أن جميعها مهيأة لتنشأ عليها الحياة، إذ لم يتم العثور إلى حد اليوم سوى على 42 كوكبا يمكن أن تكون ملائمة لتطور الحياة على سطحها

وماذا عن وجود الحياة؟
لكن العثور على عدد مهم من الكواكب لا يعني أن جميعها مهيأة لتنشأ عليها الحياة، إذ لم يتم العثور إلى حد اليوم سوى على 42 كوكبا يمكن أن تكون ملائمة لتطور الحياة على سطحها، فشروط ظهور الحياة تبدو صارمة واحتمال تحققها ضعيف جدا، ومن هذه الشروط ضرورة تواجد المياه السائلة، وهو ما يعني أن درجة الحرارة يجب ألا تكون مرتفعة جدا ولا متدنية كثيرا.

كما يجب ألا يكون الكوكب كبير الحجم أو عملاقا لأنه في هذه الحالة سيكون غازيا وغلافه يطغى عليه عنصرا الهيدروجين والهيليوم، وهي بيئة غير مناسبة للتفاعلات العضوية الضرورية لوجود مظهر من مظاهر الحياة.

لكن من الناحية النظرية يوجد في مجرتنا ما يقرب عن مئة مليار نجم، ويحتوي الكون على ما يزيد على مئة مليار مجرة، ويعتقد العلماء أن نحو 10% من النجوم تملك أنظمة كوكبية تحتوي على كوكب واحد على الأقل، لذلك فقد يفوق عدد الكواكب عشرات المليارات لذلك يصعب بالنسبة لعلماء الفلك التكهن بأن الظروف التي أدت إلى ظهور الحياة وتطورها على مدى ثلاثة مليارات سنة على الأرض لم تتكرر في مكان آخر بالكون.
________________
إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة