*المهندس أمجد قاسم

اتفق المجتمعون في مؤتمر باريس الذي عقد في ديسمبر/كانون الثاني الماضي والبالغ عددهم 196 طرفا على أهمية الحد من الزيادة في درجة حرارة الأرض من خلال الحد من تأثير الغازات الدفيئة التي نتجت عن النشاطات البشرية المختلفة، وهذا يتطلب -نظريا- الوقف التام للانبعاثات الناجمة عن الزراعة والصناعة ووسائط النقل المختلفة وغيرها، أو إزالة الغازات الدفيئة المتراكمة في الغلاف الجوي للأرض.

وتشير الدراسات إلى أن الحد من الارتفاع في درجة الحرارة عالميا إلى نحو درجتين مئويتين يتطلب إزالة نحو ستمئة غيغاطن (الغيغاطن=109 أطنان) من غازات ثاني أكسيد الكربون خلال القرن الحالي، مما يعني التخلص من عشرات الغيغاطنات من هذا الغاز سنويا وتخزينها بشكل آمن لتحييد تأثيرات الغاز الكربوني الضارة في الغلاف الجوي.

ويتطلب نزع ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي استخدام عدة طرق وتقنيات، بعضها طبيعية وأخرى صناعية، وهدفها تخفيف نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى ما كانت عليه في بداية الثورة الصناعية والبالغة 280 جزءا من المليون.

وقد اقترحت عدة وسائل تم تطبيق بعضها حاليا وتتم دراستها لمعرفة مدى نجاعتها وتأثيراتها على النظام البيئي لكوكب الأرض مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية تطبيقها وتكاليفها المادية والجدوى من تطبيقها مع دراسة التأثيرات طويلة الأمد الناجمة عن نزع الغاز الكربوني على نطاق واسع.

يتطلب تحقيق هدف الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بدرجتين مئويتين زراعة أراض بمحاصيل الطاقة الحيوية تقدر مساحتها بثلث مساحة الأراضي الصالحة للزراعة على الأرض والتي تبلغ مساحتها مساحة الولايات المتحدة

التشجير ومحاصيل الطاقة
تعتبر زراعة محاصيل الطاقة لإنتاج الوقود الحيوي من أهم طرق نزع ثاني أكسيد الكربون من الهواء، حيث إن زراعة بعض الأشجار والمحاصيل الزراعية والأعشاب تعمل على نزع الغاز الكربوني من الغلاف الجوي، ولدى حرقها لإنتاج الطاقة يتم أسر الكربون من الغازات الناتجة وتحويله إلى الحالة السائلة وتخزينه في باطن الأرض.

ويتطلب تحقيق هدف الحد من ارتفاع درجة الحرارة للأرض بدرجتين مئويتين على الأقل زراعة أراض بمحاصيل الطاقة الحيوية تقدر مساحتها بثلث مساحة الأراضي الصالحة للزراعة على الأرض والتي تبلغ مساحتها مساحة الولايات المتحدة.

من جهة أخرى، أدت إزالة مساحات شاسعة من الغابات إلى تراكم كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء الجوي، وتعتبر زراعة الأشجار وزيادة مساحة الأراضي المغطاة بالغابات إحدى الطرق المهمة لامتصاص الغاز الكربوني من الغلاف الجوي وتخزينه في الأخشاب والتربة.

الالتقاط المباشر
يعتبر التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي وتخزينه في الأرض من التقنيات الواعدة للتخلص من ملايين الأطنان من الكربون الموجود في الغلاف الجوي، وقد تبنت كثير من شركات إنتاج الطاقة من الوقود الأحفوري (غاز ونفط وفحم) هذه التقنية للتخلص من غاز ثاني أكسيد الكربون الناجم عن هذا الوقود لتحقيق الاشتراطات البيئية ولتجنب دفع ضرائب الكربون المترتبة عليها.

يعتبر التقاط غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي وتخزينه في الأرض من التقنيات الواعدة للتخلص من ملايين الأطنان من الكربون الموجود في الغلاف الجوي

وتعتبر شركة "إستيت أويل" -وهي من أكبر شركات إنتاج الطاقة في النرويج- من أوائل الشركات التي تبنت هذه التقنية عام 1996، حيث تعمل على استخلاص ثاني أكسيد الكربون من الغاز الطبيعي المستخدم في مجمع "سليبنر" ودفنه على عمق 790 مترا تحت سطح ماء بحر الشمال.

وتعتمد تقنية الالتقاط المباشر للغاز الكربوني على تمرير الغازات المنبعثة من محطات توليد الطاقة العاملة على الوقود الأحفوري في أبراج امتصاص خاصة توجد فيها مواد كيميائية تمتص ثاني أكسيد الكربون من الدخان المنبعث من تلك المحطات، حيث يتم نزعه وتحويله إلى سائل لينقل في أنابيب خاصة تحت ضغط مرتفع ليدفن في باطن الأرض.

وتتعدد التكوينات الصخرية والجيولوجية التي يمكن تخزين غاز ثاني أكسيد الكربون فيها، ومن أهمها جيوب طبقات الفحم وآبار النفط والغاز الطبيعي المستنفدة، وفي أعماق المحيطات وفي الطبقات الصخرية المسامية العميقة وفي الطبقات البازلتية.

عوالق وأعشاب بحرية
في العقد الأخير من القرن العشرين اقترح عدد من الباحثين تقنية تخصيب محيطات العالم للتخلص من كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون الموجودة في الهواء، وتعتمد هذه التقنية على زيادة نمو العوالق النباتية في المحيطات من خلال تزويدها بالمواد الغذائية اللازمة لنموها كالحديد وغيره من المواد والعناصر. 
زيادة نمو العوالق النباتية في المحيطات وزراعة الأعشاب البحرية في عدد من محيطات العالم واستخدام صخور الأوليفين أو صخور أخرى من السيليكات هي من بين الطرق المقترحة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء

غير أن هذه الطريقة قوبلت برفض عالمي نظرا لمخاطرها البيئية، حيث تبين أنها يمكن أن تؤدي إلى إحداث خلل كبير في النظام البيئي للمحيطات، إذ سينجم عنها نقص في الأكسجين الذائب في المياه وهذا يؤثر على الثروة السمكية، كما أن تحلل تلك العوالق بعد موتها سيؤدي إلى انبعاث الكربون من جديد إلى الغلاف الجوي، ولذلك اقترحت طريقة زراعة الأعشاب البحرية في عدد من محيطات العالم، ويتم حاليا تقييم هذه الطريقة لمعرفة تأثيراتها على النظام البيئي البحري ومصائد الأسماك وغيرها.

هذا وقد اقترحت طرق أخرى لامتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب الرئيس لظاهرة الاحتباس الحراري، ومنها استخدام صخور الأوليفين أو صخور أخرى من السيليكات لامتصاص الغاز الكربوني وحجزه في تلك الصخور، وهذه العملية الكيميائية تحدث بشكل طبيعي، لكن يمكن زيادة قدرتها على التخزين من خلال تفتيتها ونشرها على سطح التربة على مساحات شاسعة.

إن تخفيض الانبعاثات الغازية الضارة بكوكب الأرض يعتبر حاليا أولوية ملحة تواجه البشرية، وقد تعهدت جميع دول العالم بالحد من الانبعاثات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري لمنع ارتفاع درجات حرارة الأرض إلى مستويات كارثية وذلك خلال مؤتمر باريس للمناخ، حيث تضمنت المادة الخامسة في ذلك المؤتمر توصية بالمحافظة على خزانات الغازات الدفيئة وتعزيزها كالغابات، والعمل على زيادتها لامتصاص انبعاثات هذه الغازات الخطيرة التي شهدت مؤخرا تزايدا كبيرا تجاوز 53 غيغاطنا في عام 2014 وهي كمية ضخمة تفوق قدرة النظام البيئي لكوكب الأرض للمحافظة على درجة حرارة ثابتة لسطح الأرض.

إن عدم القدرة على خفض أو وضع حد لتزايد ثاني أكسيد الكربون في الهواء ينذر بعواقب وخيمة تطال كافة أصقاع كوكبنا، ومنها غرق كثير من المدن الساحلية، وتدمير النظم البيئية، وتراجع الإنتاج الزراعي، وانتشار كثير من الأمراض الخطيرة، وهجرة ملايين البشر، وخسائر اقتصادية فادحة تفوق كل التوقعات.
_______________
* كاتب متخصص بالشؤون العلمية 

المصدر : الجزيرة