*المهندس أمجد قاسم

تتسبب الغازات الدفيئة في إحداث تغيرات كبيرة في مناخ الأرض، إذ تعمل على حبس الحرارة المنبعثة من الشمس والمرتدة عن سطح الأرض ولا تسمح بنفاذها إلى خارج الغلاف الجوي، وبالتالي يصبح معدل حرارة الأرض ملائما لظهور الحياة واستمرارها، إلا أن ارتفاع تركيز هذه الغازات في الغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية وحتى الآن أدى إلى ارتفاع ملحوظ في درجة حرارة كوكب الأرض بشكل عام.

وبالرغم من أن ثاني أكسيد الكربون أهم الغازات الدفيئة فإن غازات أخرى تتسبب بظاهرة الاحتباس الحراري، ومنها الميثان وأكسيد النيتروز والهيدروفلوروكربون وسداسي فلوريد الكبريت والبيروفلوروكربونات والمواد المستنفذة للأوزون وبخار الماء، وهذه الغازات التي تتسبب في إحداث تغيرات واضحة في مناخ الأرض قد يمتد تأثير بعضها لمئات السنوات مما يستلزم تكاتفا للجهود الدولية للحد من تراكمها في الغلاف الجوي للأرض.

تشير الدراسات البيئية إلى أن تركيز غاز الميثان في الغلاف الجوي قد ازداد بنسبة 151% منذ عام 1750 حتى الآن حيث يبلغ تركيزه الآن 1060 جزءا من المليار

غاز خطير
تشير الدراسات البيئية إلى أن تركيز غاز الميثان في الغلاف الجوي قد ازداد بنسبة 151% منذ عام 1750 حتى الآن، حيث يبلغ تركيزه الآن 1060 جزءا من المليار، وهذه النسبة ليست ثابتة بل تتذبذب، حيث بلغت عام 1983 نحو 1610 أجزاء من المليار، وارتفعت إلى 1745 جزءا من المليار عام 1998 ثم انخفضت بعد ذلك، علما بأن أول عملية رصد لتركيز غاز الميثان في الغلاف الجوي وبشكل دقيق تعود إلى عام 1983 وقبل ذلك كان يتم قياس تركيزه في الهواء المستخلص من عينات الثلوج والطبقات الجليدية.

ويعتبر الميثان السريع الاشتعال من أخطر الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، حيث يتفوق على ثاني أكسيد الكربون بنحو 25 مرة، أما حالة استقراره في الغلاف الجوي فتبلغ نحو تسع سنوات وهي أقصر من بعض الغازات الدفيئة الأخرى طويلة الأمد، حيث يتأكسد الميثان في الغلاف الجوي.

مصادر متعددة
يأتي غاز الميثان من مصادر طبيعية وأخرى نتيجة نشاطات الإنسان اليومية، وتبين الدراسات أن نحو 40% من الميثان الموجود في الغلاف الجوي نتجت من مناطق رطبة على سطح الأرض، حيث تعمل بعض أنواع البكتيريا الدقيقة على التحليل اللاهوائي  للمواد العضوية كأوراق النباتات والمخلفات الزراعية والحيوانية، كما تسهم النشاطات الزراعية المختلفة في انبعاث هذا الغاز، كما هو الحال في حقول زراعة الأرز والتي تنشط فيها الكائنات الدقيقة الموجودة في تربة الحقول المغمورة بالمياه وتحلل المواد العضوية بغياب الأوكسجين لتنتج غاز الميثان.
نحو 40% من غاز الميثان الموجود في الغلاف الجوي نتجت من مناطق رطبة على سطح الأرض

أيضا فإن غاز الميثان ينتج من تخمر المواد العضوية من قبل البكتيريا الموجودة في الأجهزة الهضمية لبعض الحيوانات كالأبقار والخراف والماعز والجاموس وغيرها، كما أن تحلل روث الحيوانات ومكبات النفايات وعمليات إنتاج الغاز الطبيعي والتنقيب عنه وحرق الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة تعتبر من مصادر هذا الغاز الضار بالبيئة.

هذا وقد نتج عن ارتفاع درجة حرارة مياه المحيطات انبعاث لكميات هائلة من غاز الميثان القابع في قيعان بعض محيطات العالم والمتجمد تحت ضغط مرتفع جدا وحرارة متدنية، فقد لوحظ انطلاق فقاعات من الميثان بين حين وآخر من قيعان بعض المحيطات، كالساحل الشرقي للولايات المتحدة والحافة القارية في فانكوفر الكندية ومقابل السواحل اليابانية.

خطر متزايد
خلال آلاف السنوات تراكمت كميات هائلة من الكربون تقدر بنحو ألف غيغاطن من بقايا الحيوانات والنباتات في المنطقة المتجمدة، وقد احتجزت هذه المخلفات بعيدا عن الهواء بفعل الجليد وعلى عمق يصل إلى عشرة أمتار، لكن وبسبب ذوبان الجليد بفعل الاحتباس الحراري العالمي انكشف الكربون المتراكم، لتعمل الكائنات الدقيقة على تحلله وإنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون، وعند نضوب الأكسجين من التربة المشبعة بالمياه في قيعان البحيرات تنشط بكتيريا التحلل اللاهوائي منتجة غاز الميثان الذي يندفع إلى الأعلى على شكل فقاعات غازية، وهذا يفسر اندلاع ألسنة اللهب من بعض الفتحات الموجودة في جليد القطب الشمالي بين حين وآخر.
 
مخاوف العلماء
عند نضوب الأكسجين من التربة المشبعة بالمياه في قيعان البحيرات تنشط بكتيريا التحلل اللاهوائي منتجة غاز الميثان الذي يندفع إلى الأعلى على شكل فقاعات غازية

للتعرف على تسريبات غاز الميثان في ألاسكا وغرينلاند، استخدم الباحثون أجهزة مسح جوية وأرضية لدراسة الغطاء الجليدي في تلك المنطقتين، وتم جمع عينات من غاز الميثان لدراسة نسب نظائر الكربون لمعرفة عمرها الزمني.

يقول الباحث إيوان نيسبت من جامعة لندن "إن منطقة القطب الشمالي هي الأكثر والأسرع تأثرا بظاهرة الاحتباس الحراري على سطح الأرض، وفيها الكثير من مصادر غاز الميثان الذي سيعمل عند انبعاثه في الغلاف الجوي على زيادة كبيرة في درجة حرارة الأرض".

إن ما يثير مخاوف العلماء حاليا هو أن نشاطات الإنسان الصناعية والزراعية وحرق الوقود الحيوي تتسبب في انطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وكذلك انبعاث كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري الأخرى، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع حرارة الأرض مما نجم عنه انطلاق للميثان القابع منذ زمن طويل ومستقر في قيعان بعض المحيطات وفي المناطق المتجمدة، مما سيتسبب في تدهور الحالة المناخية في العالم وبوتيرة أسرع مما يتوقعه الباحثون حاليا.

الدراسات تشير إلى أنه في حال استمرار انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وفقا للمعدلات الحالية، فإن البحيرات المائية التي تشكلت في القطب الشمالي جراء ذوبان الجليد سوف تطلق بحلول عام 2100 ما بين مئة ومئتي مليون طن من غاز الميثان، علما بأن ما يتم إطلاقه حاليا يتراوح ما بين 14 و35 مليون طن سنويا.

إن تقليل الاحترار العالمي ممكن في حال تم تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي وفي مقدمتها غاز ثاني أكسيد الكربون، إذ أن هذه الغازات ستتسبب في إحداث تغيرات مناخية تؤثر سلبا على كافة النظم الحياتية على كوكبنا الأزرق المفعم بالحياة. 
______________________
* كاتب متخصص بالشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة