*هاني الضليع


إذا أتيح لك تفحُّص خريطة نجوم كتلك الموجودة في تطبيقات الهواتف الذكية أو أية خريطة تنشرها مجلة أجنبية بأية لغة من لغات العالم، فلربما سيلفت انتباهك وجود كلمات ألفاظها قريبة النطق من الكلمات العربية، كـ فيغا (Vega) وألديباران (Aldebaran)، والنيتاق (Alnitak)، ودنب (Deneb) وغيرها الكثير مما تعود أصوله إلى أسماء نجوم السماء في الجزيرة العربية وما حولها.

فقد كانت العرب، كباقي الشعوب والأمم، تنظر إلى السماء باهتمام بالغ، إذ كانت النجوم تشكل للبدو الرحل دليل سير ومواسم كلأ وزينة للسماء التي لم يكن لديهم سواها ينظرون إلى أجرامها الظاهرة تارة والخانسة تارة أخرى، فرأوا الكواكب تتحرك بين النجوم فأطلقوا على أسرعها عطارد وعلى ألمعها الزهرة وعلى أحمرها لونا المريخ وعلى أجملها المشتري وعلى أبطأها زحل.

خالفت العرب كل الأمم -عدا الصينيين- في تقسيم المدار الذي تتحرك عليه الشمس والكواكب والقمر، ففي حين قسمتها الأمم المستقرة في مدنها إلى 12 برجا قسمها العرب إلى 28 قسما

قصص العرب
كما نسجوا القصص التي تُروى للأطفال وللكبار على السواء حول غزلان فرّت من الأسد فوردت حوض الماء آمنة، وماشية وردت نهر المجرة لتشرب منه وأخرى صدرت بعد أن شربت منه، وأختين لحقتا بأخيهما الفارّ من وجه العدالة فعبرت إحداهما النهر في حين جلست الأخرى عند ضفته تبكي على فراقهما حتى غمصت عيناها، وفوارس يتسابقون في نهر المجرة يتبعهم الردف وهو الفارس المتأخر.

ولم ينس العرب تسمية النجوم اللامعة بأسماء زوجية فقرنوا بين نجوم ربما تطلع معا وربما تتقارب في مواضعها وربما اشتركت معا في صورة نجمية في أحد فصول السنة، فكان النسران والشِّعريان والذئبان والسِّماكان والفرقدان.

وفوق ذلك فقد خالفت العرب كل الأمم -عدا الصينيين- في تقسيم المدار الذي تتحرك عليه الشمس والكواكب والقمر وهو دائرة البروج، ففي حين قسمتها الأمم المستقرة في مدنها إلى 12 برجا ونسجوا حولها أساطيرهم وجعلوا منها طريقا للآلهة التي هي الكواكب السيارة ونشأ بسببها التنجيم، قسمها العرب إلى 28 قسما أسموها منازل القمر يستدلون بنزول الشمس في كل منها على مواسم المطر والحر والبرد والريح، ومنها سعد السعود وسعد الأخبية والثريا والسِّماك والقلب والدّبران والشولة وغيرها مما اشتهر لديهم ولا تزال تستخدم حتى يومنا هذا.

رسم العرب صورا لمخلوقات عديدة في السماء من النجوم وسميت الكوكبات (الجزيرة)

الصوفي
وفي العصر الذي سادت فيه الحضارة العربية الإسلامية بعلمها وثقافتها ولغتها العالم، ترجمت الكتب والمخطوطات من كل لغات الدنيا الحية إلى العربية وانتشر العلماء وخطوا ما قدّر لهم أن يخطوا من كتب بلغات آفاق العالم بعد ذلك، ثم جاء دور الترجمة في القرنين الـ12 والـ13 التي ازدهرت خاصة في الأندلس، فبدأت أوروبا تنقل حصاد ما حفظته المكتبة العربية من كتب الفلك للفلكيين العرب أمثال القزويني والدينوري وابن عطارد والبتاني البيروني.

غير أن أهم وأشهر كتب الفلك كان كتاب الفلكي الكبير عبد الرحمن الصوفي الرازي "صور الكواكب الثمانية والأربعين" الذي ألفه عام 964 على غرار كتاب المجسطي لبطلميوس الإغريقي، فقد رسم فيه كل النجوم التي عرفتها الحضارات السابقة بعد أن أعاد حساب مواضعها بدقة أهلته لأن يكون المرجع الفلكي الأول في العالم الذي ترجع إليه أوروبا لتسمية نجوم السماء.

ولأنه عربي اللغة والثقافة، لم ينس أن يخط ما قصته العرب على أطفالها من روايات النجوم وأسمائها ومنازلها في نهاية كل صورة كان يرسمها لكوكبات السماء.

ولأن أوروبا لم تعرف سوى بضع عشرات من أسماء النجوم نقلتها عن الأمم السابقة، لم يكن بديلا عن هذا الكتاب ليكون أساسا في تسمية نجوم السماء كما سماها الصوفي أو كما وصفتها رسوماته، لتحظى بذلك السماء العالمية الحديثة وعلى مدى عشرة قرون بتسميات يعود أصلها إلى كتاب الصوفي أو بعض كتب الكرات السماوية والأسطرلابات المترجمة إلى اللاتينية.

قفزات الظباء كما تصورها العرب في السماء

أسماء عربية
ووفقا لإحصاء قام به أحد الفلكيين العرب الباحثين في تاريخ النجوم العربية على كثير من برمجيات وخرائط وأطالس النجوم الحديثة، ظهر أن عدد النجوم التي تحمل أسماء عربية يفوق الـ260 نجما، مشكلة بذلك أربعة أخماس النجوم التي تحمل أسماء في السماء.

فعلى سبيل المثال فإن من بين أهم كوكبات السماء النجمية وأشهرها هي بنات نعش الكبرى المشهورة بالدب الأكبر، فنجومها السبعة تحمل جميعاً أسماء عربية هي الدب (Dubhe)، المراق (Merak)، والفخذ (Phad)، والمغرز (Megrez)، والإلية (Alioth)، والمئزر(Mizar)، والقائد (Alkaid)، ناهيك عن الفرقدان (Farkadan)، ويد الجوزاء (Betelgeuse) وسهيل (Suhail) والنسر الواقع المشهور بنجم فيغا (Vega).

ولا شك أن لكثير من العلماء الأوروبيين أفضالا على هذا العلم، فقد كان لبعض المستشرقين أمثال ريتشارد ألن وسكاليجر وبوده والفونس العاشر أدوار في تثبيت هذه الأسماء في أطالس السماء الحديثة على مدى قرون، وهي اليوم تعد من ثوابت الكون، لا يحق لأحد أن يغير أو يعدل عليها.

ويعتبر المستشرق الألماني البروفيسور باول كونيتش أشهر علماء أسماء النجوم في العصر الحديث، فقد درس الفلك العربي وبحث فيه مدة خمسين عاما، ليكون أول من كتب فيه باللغة العربية ودرًسه في مصر وألمانيا، وصحح مخطوطاتٍ لفلكيين عرب مشهورين كأمثال الدكتور عبد الرحيم بدر في كتابيه "الفلك عند العرب" و"دليل السماء والنجوم"، والدكتور شوقي الدلال في كتابه "قناديل السماء"، وشارك في أكثر من مؤتمر عربي حول التراث العلمي والفلكي.

وها هي أسماء النجوم تنتقل من خريطة ورقية إلى أخرى رقمية لكنها لا تتغير، ولتبقى شاهدة ما بقي الزمان أن ثمة مجدا كان للعرب حفره التاريخ على النجوم وبين مناظرها. 

يروي ابن الصوفي في أرجوزته الشعرية الفلكية قصة الظباء التي فرت من الأسد فيقول:

وذاك أن القدمــــا ذكـــــــرت أن الظباء ذات يوم ذعرت
من صورة الدب التي بالقرب مما ذكرنا من نجــوم الدب
وأنهــــن خـــــــيفةً قــــــفزن فحزن سهم الأمن فيم حزن
فوردن الحــــــــوض آمـنات من شر ليث الغاب ناجـيات
فـــبقيت آثارهـــا على الثرى فتلكم القفزات قفزات الظـبا


________________
*عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك 
   

المصدر : الجزيرة