*د. محمد قاسم

منذ أن أُرسل القمر الصناعي سبوتنيك إلى الفضاء سنة 1957 وإلى يومنا هذا أُطلقت أكثر من سبعة آلاف مركبة فضائية، هذه المركبات إما حامت حول الأرض أو القمر أو الشمس، وتوجه بعضها إلى كواكب وأقمار المجموعة الشمسية، وعدد محدود منها وصل إلى أبعد من ذلك. وربما عُد ذلك غزوًا للفضاء قديما، أما الآن وبمقاييس معرفتنا لحجم الكون، فنحن لم نغادر خارج الفناء الخلفي لمنزلنا الأرض.

الغزو الحقيقي للفضاء والسفر إلى مسافات شاسعة قد يبدأ في السنوات القادمة، فبذرة هذه الفكرة زُرعت قبل أيام من قبل شركاء أسماؤهم لامعة، منهم عالم الفيزياء النظرية ستيفن هوكنغ، والمؤسس والرئيس التنفيذي لشركة فيسبوك مارك زوكربيرغ، والملياردير الروسي يوري ميلنر. لقد أعلنوا عن التوجه الجديد والمنطقي لقطع مسافات كونية لم نكن نحلم بها من قبل، كان ذلك في مؤتمر "بريكثرو ستارشوت" الذي افتتحه الملياردير يوري بطموح كبير.

الروسي ميلنر (يسار) يحمل الشريحة "المسبار" أثناء استعراض فكرة المشروع وإلى جواره الفيزيائي هوكينغ (رويترز)

الوصول إلى ألفا سانتوري
لم نكن نحلم بوصولنا إلى النجم الثنائي ألفا سانتوري إلا بعد قرون طويلة في المستقبل، فالمسافة بيننا وبينه كبيرة، والمركبات الفضائية ليست سريعة بما فيه الكفاية.

ألفا سانتوري هو أقرب نجم إلى الأرض من بعد الشمس، وبالرغم من أننا نستخدم اصطلاح "أقرب" فإن المسافة بيننا وبينه هي 4.37 سنوات ضوئية، أي أن الضوء -الذي يتحرك بالسرعة الكونية القصوى- يصله بعد حوالي أربع سنوات وثلث. فلو أن المسبار فويجر -المنطلق بأقصى سرعة من نتاج بشري، حيث يسبح بسرعة 17 كيلومترا في الثانية- توجه إلى ألفا سانتوري فسيصله بعد سبعين ألف سنة.

من خلال مبادرة "ستارشوت" الثورية ستتمكن مركبات فضائية من الانطلاق إلى النجم الثنائي بسرعة تعادل ٢٠% من سرعة الضوء، وستصل إليه في غضون ٢٢ سنة، وستصور وتقيس معلومات مختلفة له لإرسالها إلى الأرض وستصل تلك المعلومات خلال حوالي أربع سنوات بعد ذلك (لا ننسى أن الاتصالات اللاسلكية هي أيضا ضوء، وهي أيضا تحتاج إلى أربع سنوات وثلث للوصول إلى الأرض من ألفا سانتوري)، وسيتمكن العلماء الذين أرسلوا تلك المركبات من رؤية النجم خلال الصور ودراسة معلوماته بعد أن تزيد أعمارهم ٢٦ سنة.

أشرعة المسبار مصنعة بالاستعانة بتقنية النانو، بحيث تكون رقيقة جدا في سمكها وخفيفة في وزنها وقوية في تماسكها (رويترز)

مشروع ستارشوت
فكرة المشروع تتلخص في إرسال مئات أو آلاف المسابير الصغيرة سنويا (كل منها بمساحة طابع بريد، وبسمك بطاقة ائتمان)، وستتحرك هذه المسابير باستخدام أشرعة مدفوعة بضوء الليزر الشديد القوة كما تتحرك السفن الشراعية بدفع الهواء، وبما أن هذه المسابير رخيصة نسبيا، فستغادر الأرض في رحلة ذهاب بلا عودة، وسيكون هدفها هو إرسال المعلومات إلى الأرض فقط.

ستحمل المسابير الصغيرة هذه على متنها أدوات قياس مختلفة مثل كاميرا، وأجهزة اتصال، ودَفّاعات فوتونية، ومصدر للطاقة، كل تلك الأجهزة تعادل ما كان يوضع في مسابير السبعينيات في حيز بحجم ثلاجة، لكن بفضل التكنولوجيا الحديثة أصبح بالإمكان تصغيرها ووضعها في شريحة صغيرة، وبتكلفة تعادل قيمة الهواتف الذكية الحالية.

وبفضل اكتشافات تكنولوجيا النانو سيتمكن العلماء من إنتاج أشرعة من مواد فائقة، بحيث تكون رقيقة جدا في سمكها وخفيفة في وزنها، وكذلك ستكون قوية في تماسكها لتسمح بإنتاجها بمساحات كبيرة نسبيا، وستمسك الأشرعة بأجهزة القياس الصغيرة وستجرها إلى الفضاء بدفع أشعة الليزر.

يعود مبدأ دفع المراكب بالضوء إلى القرن الماضي، ولكنه لم يكن قابلا للتطبيق إلا في عصرنا هذا، وقد جرب العلماء في إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) إرسال المسبار "نانو سيل دي-2" إلى الفضاء سنة 2010، وقد كان بداخله شراع مطوي، فُتح حينما وصل المسبار إلى الفضاء، ثم دار حول الأرض بدفع فوتونات الشمس، ورغم أن بإمكان المسابير التحرك بدفع فوتونات الشمس، فإنها لن تتعجل إلى سرعات كبيرة بحيث تصل إلى النجوم البعيدة في وقت قصير.

لذلك فإن مشروع "ستارشوت" يعتمد على الليزر لدفع المسابير بقوة أكبر، حيث سيتم بناء عدة أجهزة كبيرة منسقة على شكل مصفوفة لإطلاق أشعة الليزر، وستجمع هذه الأضواء في حزمة ضوئية مركزة، ليكون مجموع الطاقة فيها هو مئة غيغاوات وهي طاقة كبيرة جدا. وستسلط هذه الأشعة على أشرعة المركبات، لتعجيلها بقوة كبيرة بحيث تصل إلى 20% من سرعة الضوء في غضون دقائق.

مصفوفة من أجهزة الليزر ستطلق أشعة يتم تجميعها بشعاع واحد ضخم لدفع المسبار الفضائي بقوة الفوتونات (الأوروبية)

بين الطموح والتحديات
مشروع "ستارشوت" لا يزال في طور العصف الذهني، فالمؤتمر الذي أقيم من أجله يهدف إلى جذب أنظار العلماء والمهندسين للمشاركة في تطويره، المصاعب الهندسية لإنجاحه كثيرة، وقد أدرجت 25 مشكلة أساسية تواجه المشروع على صفحة الإنترنت المخصصة له، وبالرغم من وجود مصاعب فإن الأسس العلمية لهذا المشروع صحيحة وراسخة، وبجهود العلماء والمهندسين سيتم التغلب عليها.

إذا نجح المشروع، فإن إرسال مسابير بهذه الطريقة سيكون غزوا حقيقيا للفضاء. بعد أن كنا نرسل المسابير الكبيرة والمكلفة بمعدل مسبار واحد كل عدة أعوام، ستتمكن المسابير المنخفضة التكاليف والكثيرة من الانتشار في الكون بسرعة، وستستكشفه بنطاق أوسع، وسنرى أشياء لم نحلم برؤيتها من قبل.

_______________
*أستاذ مساعد بكلية الدراسات التكنولوجية-الكويت 

المصدر : الجزيرة