*المهندس أمجد قاسم

انتقد عدد من منظمات حقوق الإنسان في العالم الظروف الصعبة والقاسية التي يتعرض لها العاملون في قطاع استخراج المعادن والعناصر اللازمة لصنع الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب وغيرها من الأجهزة الإلكترونية الحديثة، وقد تداعى مؤخرا عدد من كبريات شركات التقنية في العالم لعقد اجتماع في برشلونة لبحث مستقبل قطاع الاتصالات وازدهاره الذي يأتي في بعض الأحيان عبر ظروف عمل قاسية وغير إنسانية يتعرض لها العاملون في مناجم الكونغو الديمقراطية واستغلال عدد كبير من الأطفال في هذا العمل القاسي لاستخراج معدن الكوبالت المستخدم في صناعة بطاريات الأجهزة الحديثة، وتواطؤ عدد من الشركات العالمية مع هذه التجارة غير المشروعة وغير الإنسانية.

عنصر بالغ الأهمية
استخدم الإنسان قديما مركبات الكوبالت لإكساب الزجاج والسيراميك اللون الأزرق، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الفراعنة قد استخدموا هذه المركبات في التماثيل التي صنعوها، كما استخدمها الفرس في الألف الثالثة قبل الميلاد لصناعة المجوهرات وكذلك الصينيون وغيرهم.

والكوبالت عنصر فلزي لونه رمادي، يتميز بصلابته العالية ولمعانه وارتفاع درجة انصهاره وغليانه، وله كثير من الخصائص المشابهة للحديد والنيكل، وقد اكتشفه الكيميائي السويدي "جورج برانت" عام 1737 واستخلصه من خاماته.

ويستخدم الكوبالت وسبائكه في صناعة المغانط المستعملة في أجهزة الراديو والتلفزيون، كما تستخدم بعض سبائكه في صناعة أدوات القطع والثقب وفي التوربينات الغازية والمحركات النفاثة وغيرها من المعدات التي تتعرض لحرارة عالية، وحديثا استخدمت مركبات الكوبالت في صناعة بطاريات الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية المحمولة والسيارات الكهربائية كما استعملت في اللوحات الرقمية وغيرها.

وتتركز احتياطات الكوبالت في العالم في عدد قليل من الأماكن وفي أحجار النيازك، وتحتوي كندا وفنلندا وأذربيجان وكزاخستان وروسيا على كميات منه، كما تحتوي جمهورية الكونغو الديمقراطية على كميات ضخمة من الكوبالت ومنها يتم إنتاج 50% على الأقل من المادة الخام الموجودة في أسواق العالم.

أحد مصانع الكوبالت والنحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

نموت من أجل ذلك
تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى تعرض العاملين في قطاع المناجم والمصانع المنتجة للهواتف الذكية والأجهزة الحديثة الأخرى إلى ظروف عمل قاسية وغير صحية، يمكن أن تتسبب في إصابتهم بعدد من الأمراض الخطيرة، كالسرطان وتسمم الدم وتلف الرئتين المزمن والالتهابات الجلدية، كما أنهم يعملون لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة قد تصل إلى دولارين في اليوم، أضف إلى ذلك استغلال كثير من الأطفال في هذه الصناعة التي تدر أرباحا بالملايين لتصب في جيوب بعض الأفراد والشركات العالمية.

وتواجه صناعة الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية الحديثة معضلة أخلاقية في توفير المواد الأولية اللازمة لصناعتها بطرق قانونية ومن مصادر تتبع قواعد التجارة العادلة بعيدا عن الاستغلال الذي يتعرض له كثير من البشر الذين يعملون في ظروف غير إنسانية.

فنحو 20% من المناجم التي يستخرج منها الكوبالت هي مناجم لا تراعى فيها الظروف الإنسانية للعاملين، حيث يكون العمال عرضة للحوادث المميتة، جراء عملهم في انتشال الصخور من مناجم عميقة تحت الأرض وتكسيرها وتعرضهم للغازات السامة، ويستخدمون في ذلك معدات تنقيب واستخراج بدائية، ولا تتوفر لديهم أدوات وأجهزة الحماية الشخصية، ويتقاضون أجورا بائسة، ويعملون ساعات طويلة قد تصل إلى 12 ساعة يوميا.

وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن عدد الأطفال العاملين في تلك المناجم يبلغون نحو 40 ألف طفل، بعضهم عمره سبع سنوات فقط، وهؤلاء الأطفال يتعرضون لظروف قاسية جدا في مناجم تقع تحت سطح الأرض وبعضهم لم يشاهد ضوء الشمس مدة طويلة بسبب بقائهم طوال اليوم في تلك المناجم السحيقة والمظلمة.

وحسب ما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة موارد أفريقيا المعنون بـ"هذا ما نموت من أجله"، فإن انتهاكات حقوق الإنسان في جمهورية الكونغو الديمقراطية تغذي تجارة الكوبالت في العالم، وإن كثيرا من الشركات العالمية المصنعة للهواتف الذكية تعلم ذلك وتتقاعس في اتخاذ إجراءات حياله.

يدخل الكوبالت في صناعة بطاريات الهواتف الذكية والعديد من الأجهزة الإلكترونية الأخرى (أسوشيتد برس)
 
أطراف متعددة
تدل النتائج التي خلصت إليها بعض المنظمات الحقوقية وشملت عددا من أهم شركات صناعة الأجهزة التكنولوجية الحديثة، على أن غالبية تلك الشركات لا تعلم تماما مصدر عنصر الكوبالت الذي تستخدمه في صناعة بطاريات أيون الليثيوم لأجهزتها الرقمية الحديثة، إذ إن عملية البيع والشراء يشترك فيها عدد كبير من الأطراف والوسطاء.

وتبين داريا كورينيوشكيتا من شركة "فيرفون" المشاركة في مؤتمر برشلونة أن تتبع مصادر المواد الخام المستخدمة في تصنيع الأجهزة الحديثة يعتبر أمرا بالغ التعقيد، حيث يوجد عدد كبير من المشاركين والتجار، ولكل مادة خام يتم إنتاجها وتسويقها وبيعها يوجد عدد من المراحل الإنتاجية مما يجعل من عملية التأكد من أن كل هذه المصادر أخلاقية عملية صعبة ومعقدة جدا.

وأبدى كذلك المدير التنفيذي لمنظمة مراقبة موارد أفريقيا إيمانويل أومبولا، استغرابه للمفارقة الغريبة في أن شركات التقنية الرقمية تمتلك قدرات هائلة على تسويق أجهزتها الحديثة في شتى أنحاء العالم، لكنها غير مضطرة للكشف عن منشأ المواد الخام التي تستخدمها، مما يجعل الانتهاكات المرتكبة في حق العاملين في المناجم والمصانع بعيدة عن الأنظار.

إن مما يُعقّد عملية متابعة مصادر الكوبالت في الأسواق، أن هذا المعدن لا يخضع حاليا لتعليمات تنظيم سوق التجارة، إذ إنه غير مدرج على قائمة "المعادن المؤججة للصراعات" وفق القواعد الأميركية، على غرار الذهب والتيتانيوم والقصدير والتنجستن.

وفي ظل الغياب الكامل للقوانين التي تحكم التجارة بالكوبالت وتبين مصادره وتفاصيل سلاسل التوريد، تبقى تعهدات الشركات المتاجرة به حبرا على ورق، ويبقى آلاف العمال والأطفال يدفعون حياتهم رخيصة ثمنا لحفنة من الدولارات لينعم العالم المتقدم والمستهلك للتقنية الحديثة بهواتفهم الذكية وأجهزتهم الرقمية المتطورة.
______________

* كاتب متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة