جاسبر بوفنبيرك* وجوديت ساندور** وألكسندرا هنريون كلود***

في عام 1899 قام العالم الألماني-الأميركي جاك لوب بهندسة عملية التكاثر اللاجنسي عند قنافذ البحر من خلال التوالد العذري الصناعي (استخدام خلايا البويضات لتمكين التطور الجنيني بدون تسميد)، وأدت تكهناته حول التوالد العذري الكامل في الثدييات -ناهيك عن أسلوبه في استخدام مصطلح "الحبل الطاهر" لوصف هذه العملية- إلى إثارة قلق الشارع بشأن تدخلات العلماء في هذا الأمر.

وعلى خلفية مؤسسة الخلايا الجذعية الدولية (ISCC) التي تسعى إلى تسجيل براءات الاختراع في أوروبا لتكنولوجيا تنتج الخلايا الجذعية من خلال تفعيل التوالد من بويضة غير مخصبة، فقد حان الوقت للإجابة عن هذا السؤال، والسؤال هو كيف؟

كما أن المشاكل مع براءات الاختراع من خلايا التنشيط الجيني ليست شيئا جديدا، وتشبه مثل هذه الخلايا الأجنة البشرية، التي -وفقا لقانون براءة الاختراع بالاتحاد الأوروبي- لا يمكن السماح بها. وبعد الحكم الذي أصدرته محكمة العدل الأوروبية عام 2011 على أن هذه الخلايا تشكل أجنة بشرية، تم تأجيل طلبات براءات الاختراع للخلايا العذرية في المملكة المتحدة وغيرها من البلدان. (مؤسسة الخلايا الجذعية الدولية لديها تسجيل براءات اختراعاتها للخلايا الجذعية في الولايات المتحدة).

في 18 ديسمبر/كانون الأول 2014 قررت محكمة العدل الأوروبية أن بويضة بشرية غير مخصبة بغرض تحفيز التوالد العذري لا تشكل الجنين البشري إذا كانت تفتقر للقدرة الكامنة على التطور إلى إنسان

لكن في 18 ديسمبر/كانون الأول 2014 تراجعت محكمة العدل الأوروبية عن حكمها الصادر عام 2011، وقررت أن بويضة بشرية غير مخصبة بغرض تحفيز التوالد العذري "لا تشكل الجنين البشري إذا كانت تفتقر للقدرة الكامنة على التطور إلى إنسان". واعتمدت محكمة العدل الأوروبية في حكمها على ملاحظات مكتوبة (غير منشورة) مقدمة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وقامت المحكمة العليا في المملكة المتحدة بتحويل الطلب إلى مكتب الملكية الفكرية في المملكة، الذي منح براءة الاختراع في أكتوبر/تشرين الأول.

ولم تصدر محكمة العدل الأوروبية صراحة حكما يشير إلى أن التوالد العذري من البويضات البشرية مسموح به، ولم تدرس ما إذا كان هذا التوالد يشكل "عملية لاستنساخ البشر"، التي لن يرخص لها بموجب قانون الاتحاد الأوروبي، ولم تبت في ما إذا كانت خلية بويضة التنشيط الجيني خلية جرثومية، والتي أيضا لا يمكن السماح باختراعها في الاتحاد الأوروبي (على الرغم من أنه لم يطرح السؤال على المتقدمين بالدعوة).

ولم تنظر المحكمة الوطنية ومكتب براءات الاختراع، بحسب معلومات على مواقعها على شبكة الإنترنت، إلى دراسة هذه الاستثناءات لبراءات الاختراع، كما لم تنظر إلى كيفية تطور التنشيط الجيني إلى المرحلة الجنينية البيولوجية ذات القدرة على الارتباط الكامل.

بموجب القانون الأوروبي يمكن لأي اختراع أن يحوز على براءة ما دام لا يعدّ استغلاله التجاري مخلا "بالنظام العام" أو الآداب العامة

حاجز محتمل
ولكن حتى إذا لم يتم استبعاد طلبات براءات الاختراع من قبل لجنة تنسيق نظم المعلومات على هذه الأسس، فهناك حاجز آخر محتمل: بموجب القانون الأوروبي يمكن لأي اختراع أن يحوز على براءة ما دام لا يعدّ استغلاله التجاري مخلا "بالنظام العام" أو الآداب العامة.

وكما أشار لوب قبل أكثر من مئة سنة، عندما يتعلق الأمر بالاختراعات التي تشمل مواد الجسم والعمليات الحيوية، فإنه يصعب الإجابة عن المسائل الأخلاقية، ولا ينبغي في هذه الحالة -وهذا يبدو واضحا الآن- أن يترك الأمر لمكتب براءات الاختراع أو حتى المحاكم.

في الواقع، لا يلتزم مكتب البراءات الأوروبي (EPO) بشكل خاص بتقييم الآثار الأخلاقية لبراءات الاختراع التي يمنحها. ففي رأيه، يمكن الإخلال "بالنظام العام" فقط في الحالات القصوى كاختراع فاحشة حقا؛ ونتيجة لذلك، إذا كانت الإجراءات تسمح لطرف ثالث بتقديم ملاحظاته إلى مكتب براءات الاختراع بشأن براءة الاختراع المطالب به، فمن غير المحتمل أن يتنبأ التقييم بالآثار المعنوية لأحد التطبيقات، وينبغي على الطرف الثالث الآخر أن يتحمل العبء كله للإثبات، في حين أن مكتب براءات الاختراع يتجنب اتخاذ أي إجراء حقيقي، وذلك لتفادي أي تشويش "مفترض" على النقاش العام. أما بالنسبة للمحاكم، فقد سلطت قضية حديثة الضوء على غياب آلية إجرائية لضمان النظر في الأخلاق والبراءة.

لفتح نقاش عام شامل وشفاف وفعال حول هذه القضايا الحيوية المؤثرة، ينبغي أولا توعية المواطنين

الجمهور
لذا، فمن يمكنه الإجابة عن الأسئلة بشأن الآثار المترتبة على اختراع ما على "النظام العام"؟ الجواب واضح ومباشر: الجمهور نفسه.

ولفتح نقاش عام شامل شفاف وفعال حول هذه القضايا الحيوية المؤثرة، ينبغي أولا -وقبل كل شيء- توعية المواطنين. وعلى كل حال، هذه مجرد بداية لأن الأمر يتعلق بالتقدم التكنولوجي الخاص بالمواد والعمليات البيولوجية.

في 24 ديسمبر/كانون الأول 2014، بعد ستة أيام فقط على حكم محكمة العدل الأوروبية، نشر العلماء نتائج جهودهم لإنتاج البويضات والحيوانات المنوية مباشرة من خلايا الجلد البشري. وهناك أيضا في لائحة الانتظار طلبات براءات الاختراع لشكل جديد من المعالجة الجينية التي حاول فريق من الباحثين الصينيين بالفعل استخدامها لإثبات جينوم جنين بشري.

والجدير بالذكر، وفي ظل تعريف محكمة العدل الأوروبية "القدرة الكامنة"، فإن الأجنة المستخدمة في هذه التجربة لا تشكل الجنين البشري، وبالتالي لن يتم استبعادها من براءات الاختراع.

وكما جاء في مؤتمر القمة الدولي حول معالجة جين الإنسان مؤخرا، سيكون من غير المسؤول المضي قدما في الاستخدام السريري للسلالة الجرثومية دون اتفاق مجتمعي واسع، والشيء نفسه ينطبق على تسجيل براءات الاختراع، وإذا ارتأت الأغلبية العظمى من المواطنين أن هذه الاختراعات تتنافى مع الأخلاق، استنادا إلى فهم العمليات وآثارها، فإن المبادئ الديمقراطية تستلزم استجابة الحكومة.

ينبغي أن ينظر كل بلد على حدة إلى هذه القضايا، وهو النهج العام القائم لتقييم أخلاقية الاختراعات التي تنطوي على المواد والعمليات البيولوجية

المثال السويسري
وتماشيا مع توجيهات الاتحاد الأوروبي في مجال التكنولوجيا الحيوية لسنة 1998، يجب فتح نقاش واسع في كل بلد على حدة. وبالفعل، بدأت الدول الأوروبية إصدار قرارات متضاربة حول هذا الموضوع.

ففي سويسرا قررت أغلبية كبيرة من الناخبين عام 2004 المصادقة على قانون بحوث الخلايا الجذعية، الذي ينظم كيفية إنتاج الخلايا الجذعية الجنينية البشرية واستخدامها في الأبحاث. ويعد قانون الخلايا الجذعية السويسري اليوم أكثر تقييدا من مثيله في المملكة المتحدة، ولكنه أقل تقييدا من القانون الألماني.

على وجه التحديد، يحظر القانون السويسري تطوير الجينات واشتقاقها من الخلايا الجذعية، واستخدام مثل هذه الخلايا الجذعية. كما استثنت من عمليات براءات الاختراع للتوالد العذري استخدام الخلايا الجرثومية البشرية، وكذلك الجينات التي أنشأتها مثل هذه العمليات. ويستند هذه الحظر ليس فقط إلى الحاجة لحماية الأجنة البشرية، ولكن أيضا إلى مخاوف تتعلق بتوافر البويضات المتبرع بها، التي يعتمد عليها التوالد العذري -وهي قضية لم تتطرق إليها المحاكم ولا مكتب براءات الاختراع.

ينبغي أن ينظر كل بلد على حدة إلى هذه القضايا، وهو النهج العام القائم لتقييم أخلاقية الاختراعات التي تنطوي على المواد والعمليات البيولوجية، ومن شأن ذلك تعزيز كل من قانون الاتحاد الأوروبي والمبادئ الديمقراطية. وكما بينت الأحكام الصادرة مؤخرا بشكل واضح، فإن النظام الحالي ليس كافيا عندما يتعلق الأمر بحماية النظام العام.

________________
* جاسبر بوفنبيرك محام، ومؤسس ومدير معهد المسارات القانونية للصحة والحياة، ومؤلف كتاب "حقوق الملكية في الدم والجينات والبيانات: وتفضلوا بقبول الاحترام الطبيعي؟"
** جوديت ساندور أستاذة في كلية العلوم السياسية والدراسات القانونية ودراسات النوع الاجتماعي بجامعة أوروبا الشرقية.
*** ألكسندرا هنريون كلود متخصصة في علم الوراثة في مستشفى نيكر للأطفال في باريس.

المصدر : بروجيكت سينديكيت