هاني الضليع*

كواحد من الكويكبات الكثيرة التي تدور بين مداري المريخ والمشتري، يفلت الكويكب "2013 تي إكس68" ليتخذ مدارا يتقاطع مع مدار الأرض في الخامس من مارس/آذار المقبل، إذ من المحتمل أن تبلغ المسافة بينهما 17700 كيلومتر، وهي مسافة كافية كي ينجذب الكويكب نحو الأرض، فيسقط عليها بقطره البالغ ثلاثين مترا، أو ما يعادل طول ملعب كرة سلة.

لكن المسافة القريبة هذه هي أبعد احتمال لمدار الكويكب الذي من الممكن أن يتخذ مسارا يبتعد به ملايين الكيلومترات، بحيث لا يُرى أبداً في سماء الأرض، ومدار هذا الكويكب ما يزال تحت الحساب، مما يمنع العلماء من إعطاء رقم واضح للمسافة بيننا وبينه.

ومع ذلك، فإن الاحتياط واجب في مثل هذه الظروف، فنيزك روسيا ذو العشرين مترا الذي سقط عام 2013 فوق ولاية تشليابنسك ليس بعيدا عنا، ولحسن الحظ فقد تشظى ذلك النيزك في السماء ولم يبلغ الأرض منه سوى الشظايا الصغيرة إلى جانب قطعة واحدة كبيرة بقطر يقل عن متر واحد سقطت في المياه المتجمدة وصنعت دائرة في الجليد بقطر عشرة أمتار.

ونتيجة للموجة الصدمية التي أحدثها دخول النيزك في الغلاف الجوي فقد تحطمت الكثير من النوافذ والأبواب، مما أصاب الناس بذعر وهلع كبيرين، وأدى ذلك إلى إصابة أكثر من 1500 شخص إصابات غير مباشرة.

رغم أن قطر نيزك تشليابنسك أقل من متر فإنه تسبب في أضرار وإصابات غير مباشرة لمئات الأشخاص (أسوشيتد برس)

لأجل ذلك، ومنذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، أطلقت إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) كلاً من مركز دراسات الأجرام المقتربة من الأرض (CNEOS) وبرنامج متابعة الأجرام المقتربة من الأرض (NEAT)، وأطلقت وكالة الفضاء الأوروبية (إيسا) برنامج الكويكبات القريبة من الأرض (NEAS)، وجميعها عبارة عن شبكات من التلسكوبات ترصد السماء على مدار الساعة، بحيث ترصد أي اقتراب لأجرام سماوية ربما تشكل مستقبلاً خطراً على الأرض. 

وأعلنت روسيا مؤخراً نيتها إطلاق صاروخ بالستي من أجل اعتراض الكويكب "99942أبوفيس" الذي سيقترب من الأرض عام 2035 بقطره البالغ 270 متراً، وستكون خطوة متقدمة جداً عن مجرد رصد هذه الأجرام وتنبيه الناس إلى الاختباء من خطرها.

فإذا علمنا أن متوسط المسافة بين الأرض والقمر يبلغ 384 ألف كيلومتر، فإن الكويكب المقترب إن وصل حقاً إلى مسافته الأقرب فإنه سيكون عند أقل من 5% من بعد القمر عن الأرض، وهي مسافة خطيرة بلا شك، لكن العلماء يستبعدون هذا الاحتمال، ويرونه الأبعد، فقد عبر الكويكب نفسه قبل سنتين بالقرب من الأرض على مسافة مليوني كيلومتر، وسيعبر مرة أخرى في سبتمبر/أيلول 2017، باحتمال اصطدام بالأرض لا يتعدى واحداً إلى 250 مليونا.

الغلاف الجوي للأرض يحميها عادة من خطر النيازك حيث يعمل على تشظيها (أسوشيتد برس)

أما على الجانب المضيء لمثل هذه الظواهر الفلكية، فإن العثور على النيازك وبقايا الكويكبات أو المذنبات التي ارتطمت بالأرض قديماً، أو ما زالت ترتطم، هو أمر غاية في الأهمية بالنسبة لعلماء الفلك، إذ لا يزال النيزك السابح في الفضاء يحمل بصمات الخلق الأولى، التي من خلالها يمكن للعلماء دراسة أصل المجموعة الشمسية، ومن أين جاء الماء على الأرض، وهل حقاً حملته المذنبات.

كما أن مجرد عبور كويكب في السماء لا يعني الاصطدام بنا، فهذه أحداث متكررة كل عام، ولأن معظمها خافت جداً فإن الناس لا يكادون يسمعون بها، ففي هذا العام مثلا ستحدث خمسة اقترابات لكويكبات مختلفة على مسافات متفاوتة من الأرض، لكنها لن تكون خطيرة، ولن تجد أخبارها رواجاً إعلامياً.

وأكثر من يستمتع بمثل هذه الأحداث هم هواة الفلك، وذلك من وراء عدسات تلسكوباتهم ومناظيرهم، حين يرون جرماً سماوياً يتحرك بسرعة بين النجوم، فهي بالنسبة لهم أحداث فلكية نادرة تستحق الرصد، وقد كان آخرها عبور الكويكب "2012 دي أي14" يوم 15 فبراير/شباط 2013، والذي نظمت له جمعيات فلكية عربية برامج رصد ليلية، وتابعت حركته السريعة بين النجوم، وهو اليوم نفسه الذي سقط فيه النيزك الروسي المذكور آنفاً.  

________________
* عضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك

المصدر : الجزيرة