اهتمت وسائل الإعلام العالمية بحدث إعلان علماء أميركيين قبل أيام عن تمكنهم من رصد أمواج الجاذبية، بما شكل للمرة الأولى برهانا ملموسا على صحة نظرية عالم الفيزياء الشهير ألبرت آينشتاين التي وضعها قبل نحو مئة عام، فما هي أهم الحقائق بشأن هذه الأمواج؟

ما هي موجات الجاذبية؟
تخيل أن تضع كرة تنس على شبكة القفز البهلواني (ترامبولين)، ستبقى الكرة في مكانها كما هي، لكن إذا وضعنا طفلا على الترامبولين فسوف تنثني الشبكة وينشأ "تجويف" مكان قدميه، وماذا سيحدث؟ ستتحرك كرة التنس باتجاه هذا التجويف الناجم عن الطفل، وكلما كان الطفل أقرب لكرة التنس تحركت الكرة أكثر باتجاه التجويف، لأنها تنجذب أكثر.

كلما زادت كتلة الجسم المتحرك زادت جاذبيته، هذه هي فكرة الجاذبية، وهكذا يمكن تصور موجات الجاذبية في الفضاء.

تنشأ موجات الجاذبية حين تتسارع الكتل ويقذف بها بسرعة، فمثلا في حالة انفجار نجم عملاق "سوبرنوفا" أو حين يندمج ثقبان أسودان مع بعضهما البعض فإن موجات الجاذبية تتمدد في المكان وتضغطه، وهي تؤثر على بنية الزمكان (الزمان والمكان). وكان آينشتاين قد وصف موجات الجاذبية قبل مئة عام في نظريته النسبية.

موجات الجاذبية تتمدد من دون عوائق تماما في الكون بغض النظر عما يعترض طريقها، وهذا ما يميزها عن الضوء أو الصوت، وهي "تشويه" للهندسة الرياضية وحتى للمكان نفسه، ومنذ وضعت هذه النظرية قبل مئة عام حاول العلماء إثباتها والبرهنة على صحتها، وقبل أيام نجحوا لأول مرة في ذلك.

مثل شبكة القفز البهلواني التي تنضغط أكثر كلما كانت كتلة الجسم أكبر وهذا ما تفعله الأجرام السماوية بموجات الجاذبية (رويترز)

لماذا هذا الحدث عظيم؟
وصف آينشتاين كيف تعمل موجات الجاذبية على سحب ودفع الزمكان، وكيف تتحرك الأجسام مثل الشموس النويترونية والثقوب السوداء في موجات الجاذبية، وحتى عهد قريب لم تتوفر تكنولوجيا يمكن للعلماء استخدامها لقياس هذه الظاهرة، والدليل على أهمية هذا الاكتشاف أن العلماء باتت فرصهم كبيرة من الآن لنيل جائزة نوبل في الفيزياء.

لماذا لم يحدث الاكتشاف في السابق؟
لقد حاول علماء كثيرون إثبات وجود موجات الجاذبية في السابق، لكنهم لم يفلحوا أبدا بسبب الصعوبة البالغة في العثور عليها وقياسها الذي يتطلب توفر مجسات فائقة الحساسية، لأن هذه الموجات وحين تصل الأرض تصبح صغيرة جدا وأصغر ألف مرة من حجم نواة ذرة.

كيف يجري العلماء أبحاثهم على الموجات؟
في عام 1992 بنى الأميركيون مجسين عملاقين يعملان بالليزر ويبعدان عن بعضهما البعض مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر، وقد فشلت التجارب الأولى، لكن المجسات الحديثة أكثر حساسية بأربعة أضعاف من المجسات القديمة، ويعرف جهازا الليزر اللذان يعملان بالتزامن باسم "مرصد ليزر موجات الجاذبية التداخلي" ويختصر بكلمة "ليغو".

صورة جوية لمرصد ليغو في واشنطن الذي يتألف من نفقين طول كل منهما أربعة كيلومترات (رويترز)

يوجد مجس في ولاية لويزيانا والآخر في ولاية واشنطن، ويوجد في كل منهما نفق طوله أربعة كيلومترات على شكل حرف (L) اللاتيني، وبإطلاق أشعة ليزر بين المجسين استطاع الجهازان رصد اهتزازات متناهية الصغر من مرور موجات الجاذبية، وقد أتاح وجود مجسي الرصد في مكانين مختلفين ملاحظات للعلماء بشأن توقيت واتجاه موجات الجاذبية.

هل المرصد الأميركي هو الوحيد الذي يبحث عن أدلة؟
هذا غير صحيح، فهناك أكثر من سبعين منظمة علمية في العالم تحاول البرهنة على وجود موجات الجاذبية، ويعمل علماء ألمان في المرصدين الأميركيين طوروا كاشفا عن الموجات يمتاز بحساسيته العالية، ومؤخرا أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية قمرا صناعيا قد يساعد على قياس التغيرات الدقيقة جدا في الفضاء.

ماذا سنستفيد من إثبات وجود موجات الجاذبية؟
إذا ما تأكد العلماء من وجود موجات الجاذبية حقا فإن هذا قد يغير تماما فهمنا للكون، وسيصبح بمقدور العلماء دراسة ما يطلقون عليه "الانفجار العظيم"، وذلك أن موجات الجاذبية التي تكونت بعد ذلك الانفجار يمكنها أن تمدهم بمعلومات جديدة عن كيفية تشكل الكون، كما أنها الإثبات النهائي على صحة الجزء الأكثر غرابة في نظرية آينشتاين.

المصدر : دويتشه فيلله